السخرية من الجياع.. سقوط أخلاقي قبل أن يكون فشلاً سياسياً
من أبشع صور الاستعلاء أن يواجه الجائع بالاستهزاء بدلاً من مواساته أو السعي لمعالجة معاناته. واليمنيون اليوم أكثر وعياً بحقيقة السياسات التي قادت إلى هذا الوضع الكارثي، وأكثر إدراكاً لمن يتحمل مسؤولية ما وصل إليه حال البلاد والعباد.
*
لا توجد إهانة أكبر من أن يُحرم المواطن من حقوقه ثم يُسخر من مطالبته بها. هذه ليست إدارة لشؤون الناس بل استخفاف بمعاناتهم وتجاهل لحقوقهم الأساسية، وهو ما يضاعف الشعور بالظلم لدى ملايين اليمنيين الذين ينتظرون منذ سنوات صرف مرتباتهم.
*
من يستهزئ بالجوعى يرسل رسالة واضحة بأنه لا يشعر بآلام الناس ولا يدرك حجم الأزمة التي تعيشها الأسر اليمنية. فهناك آباء عاجزون عن توفير الطعام لأبنائهم، وموظفون ينتظرون رواتبهم منذ سنوات، وأسر تبحث عن أبسط متطلبات الحياة بكرامة.
*
اليمنيون الذين صبروا سنوات على الحرب والانهيار الاقتصادي يعرفون جيداً من نهب الإيرادات ومن حرمهم من الرواتب ومن أثقل كاهلهم بالجبايات. ولذلك فإن السخرية من معاناتهم لن تغير الحقائق ولن تعفي المتسببين من مسؤولياتهم تجاه الشعب.
*
الجائع لا يحتاج إلى خطابات ساخرة بل إلى راتب وخدمات وفرصة حياة كريمة. والمواطن الذي يقف في طوابير المعاناة يومياً لن ينسى من تسبب بمأساته ثم خرج ليسخر منها، لأن الألم الحقيقي لا تمحوه التصريحات ولا تبرره الدعاية الإعلامية.
*
ما يحدث اليوم يكشف بوضوح الفجوة الكبيرة بين المواطن الذي يواجه الجوع والفقر وبين من يعيش بعيداً عن معاناة الناس ويتعامل مع صرخاتهم بخفة واستهزاء. وهذه الفجوة هي إحدى نتائج سنوات من السياسات التي همشت الإنسان اليمني وجعلته آخر الاهتمامات.
*
السخرية من الشعب الجائع ليست مجرد تصريح عابر، بل انعكاس لعقلية ترى أن المواطن لا يستحق الاحترام ولا الكرامة. ولهذا استمرت سياسة قطع الرواتب وتوسيع الجبايات وإفقار المجتمع بينما تتضخم مصالح وشبكات النفوذ المرتبطة بقيادات المليشيا ومشرفيها.
*
كيف يمكن لمن يفرض الجبايات على الناس ويصادر حقوقهم ويمنع عنهم الرواتب أن يسخر من صرخاتهم؟ اليمنيون يدركون اليوم أن معركتهم لم تعد مع أزمة اقتصادية فقط، بل مع مشروع جعل الجوع وسيلة لإخضاع المجتمع وإضعاف قدرته على المطالبة بحقوقه.
*
كل صرخة جوع في اليمن هي شهادة إدانة على سنوات من النهب والإفقار وتدمير الاقتصاد. ومن يسخر من هذه الصرخات يثبت أنه لا يشعر بمعاناة الناس ولا يدرك حجم المأساة التي تعيشها ملايين الأسر التي تكافح يومياً من أجل البقاء.
*
السخرية لا تصرف الرواتب ولا توفر الخدمات ولا تطعم الجائعين. اليمنيون يريدون إجابات واضحة عن مصير الإيرادات وأسباب استمرار قطع المرتبات وتردي الخدمات، لأن حقوق المواطنين لا يمكن أن تضيع تحت ضجيج التصريحات المستفزة والاستهزاء بمعاناتهم.
*
حين يصبح الجوع مادة للسخرية فإن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت أزمة قيم وإنسانية. فمن يحترم شعبه لا يستهزئ بمعاناته، ومن يشعر بمسؤوليته تجاه المواطنين لا يواجه مطالبهم المشروعة بالضحك والتقليل من آلامهم.
*
الجوع الذي يعيشه اليمنيون ليس كارثة طبيعية ولا قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لسياسات النهب والتجويع والإفقار التي مارستها المليشيا الحوثية لسنوات. وعندما يسخر قادتها من المواطنين الذين يطالبون بلقمة العيش فإنهم يقدمون دليلاً جديداً على حجم الانفصال بينهم وبين المجتمع.
*
أي سلطة تحترم نفسها تستمع لشعبها وتبحث عن حلول لمعاناته، أما السخرية من الناس الجائعين فهي دليل على الفشل الأخلاقي والسياسي. اليمنيون لا ينسون من قطع مرتباتهم ونهب مواردهم ثم خرج ليسخر من آلامهم ومعاناتهم اليومية.
*
اليمني الذي يطالب براتبه ليس متسولاً ولا يبحث عن صدقة، بل يطالب بحق استحقه بعمله وخدمته لوطنه. وحين يتحول هذا المطلب المشروع إلى مادة للسخرية لدى قادة المليشيا فإن ذلك يكشف طبيعة المشروع الذي لا يرى في المواطنين سوى أدوات لخدمة مصالحه.
*
من المؤلم أن يصل حال اليمنيين إلى البحث عن لقمة العيش بينما تُجمع الإيرادات والجبايات يومياً بمبالغ ضخمة. والأشد إيلاماً أن يواجه الجائعون بالاستهزاء بدلاً من الاعتراف بالمسؤولية والعمل على معالجة أسباب الأزمة التي صنعتها المليشيا بنفسها.
*
تاريخ الإمامة الظالم الأسود في اليمن يتجسد في مليشيات عبده الحوثي نسختها الأخيرة وجشع قطعانها وبشاعة جرائمها بحق الشعب قتلا وإفقارا وتجهيلا وتشريدا.
*
من يستهزئ بالمواطن الذي يصرخ من الجوع لا يمكن أن يدّعي تمثيل الشعب أو الحرص على مصالحه. السخرية من اليمنيين الذين يطالبون برواتبهم وحقوقهم تكشف عقلية متعالية لا ترى في معاناة الناس سوى مادة للتندر، بينما تستمر في نهب الإيرادات وحرمان الملايين من أبسط مقومات الحياة.
*
المواطن اليمني لا يطالب بالمستحيل، بل يطالب بحقوقه ورواتبه وإيرادات بلده التي تُجبى باسمه وتُنهب بعيداً عنه. وحين تقابل هذه المطالب المشروعة بالسخرية والاستهزاء فإن ذلك يؤكد أن المليشيا الحوثية فقدت أي إحساس بالمسؤولية تجاه الشعب ومعاناته اليومية.
*
السؤال الذي يتكرر منذ سنوات: أين تذهب المليارات التي تُجمع من الجمارك والضرائب والموانئ والاتصالات؟ ولماذا لا تنعكس على رواتب الموظفين والخدمات الأساسية؟ السخرية من الجياع لا تجيب عن هذه الأسئلة بل تزيد من غضب اليمنيين وإدراكهم لحقيقة من تسبب بمأساتهم.
*