ملامح حضارية

منذ ساعة

لقد قامت للمصريين حضارة فكانت فنون المعمار وجهها الأبرز، وقامت للصينيين حضارة فكانت الأخلاق أبرز حاصلاتها، وقامت للرومان حضارة فكانت روحها العسكرية وقوانينها السياسية سمتها الأوضح، وقامت للفرس حضارة كان وجهها الحربي شغلها الشاغل، وقامت للهندوس حضارة كان تأملها الروحي أبرع ما جادت به، إلى جانب العمارة، وقامت للفينيقيين حضارة فكانت التجارة وجههم الحضاري الأظهر، إلى حد اقتران ذكرهم بالتجارة، وقامت لليونان حضارة فكان فلسفتهم هي حضارتهم وحضارتهم فلسفتهم، وقامت للمسلمين حضارة استطاعت أن تحتوي كل هذه الوجوه والملامح بلا استثناء بتوازٍ خلاق ومبدع.

أما عن السبب الرئيس لاحتواء الحضارة الإسلامية لكل فنون الحضارات وعناصرها ودعائمها المادية الروحية فلأن الحضارة الإسلامية أولا لم تكن حضارة جنس بعينه، وإن كان العرب ركيزتها الأولى وعمودها الأقوى، لقد انضوت تحت لوائها أجناس عدة من الأبيض والأصفر والأسود، دون تفريق بين هذا وذاك.

وثانيا: لقد احتوت داخل أروقتها أيضا الأديانَ السماوية والأرضية الأخرى من يهودية ومسيحية وزرادشتية وغيرها، فكان رموز وكرادلة وأحبار ورهبان هذه الأديان أحد العناصر المجتمعية المقبولة داخل مجتمع الحضارة، بلا تحفظ أو نكير عليهم. لقد كان العقل الحضاري الإسلامي مرنا متقبلا لكل مفيد من الفرس والرومان واليونان والهنود والصينيين، ومن اليهود والمسيحيين، ومن كل الأطياف دون استثناء.