البكاء قوة

منذ ساعة

هذا ليس عنوانا ساخرًا، وليس جدلا سفسطائيا؛ بل حقيقة نفسيّة إنسانيّة يقررها المنطق والواقع، وإن اعتقد البعضُ كذلك، وخاصّة العربي الذي يتأبّى أن تسيلَ دموعه بين محاجره، خشية العار، حد اعتقاده، العار هنا بوصفه حالة من الضعف الخفي في عمقه الباطن، لإنسانٍ عصيٍّ على التصالح مع ذاته..!

لا يكونُ الإنسانُ كاملا إلا باكتمال أحاسيسه ومشاعره وروحه الإنسانيّة، وكلما تدنّى الإنسان في واحدةٍ منها اقترب من الحيوانية أكثر؛ إذ المشاعر والأحاسيس هي الفارقُ بين الإنسانِ والحيوان، فمن امتلك حسًّا مُرهفا، وعقلا راشدًا فقد وعى الحقائق كما هي، ومن الطبيعي أن يغلبَه البكاء في لحظة انتهاك ما، عجز فيها عن نصرة المظلوم، أو ردع الظالم.

البكاء دليل قوة إنسانية الإنسان، أي اكتمال إنسانيته الوافية، وبالتالي فمن لم تكتمل إنسانيتُه عجز عن البكاء في اللحظةِ القاهرة التي تستوجب على ذي المشاعر القوية أن تسحّ عيناه بالدمع؛ وفي مجتمعنا العربي على وجه التحديد من يمتلك القوة على أن يبكيَ أمامَ الجموع امتلك جرأة الإقدام والانتصار للضعيف؛ حيث لا يستطيع كسر العادة، وتحدي المألوف إلا الكبير، القوي، ولما اكتملت إنسانية الإنسان، واغتمرت مشاعره فاض بالبكاء، حيث لا يستطيع تغيير الظلم، أو بلوغ المراد، كما فعل عربي الأمس الذي بكى وذرف الدمع على أطلال محبوبته الراحلة من ظعنها القديم..!

إنّ فرسانَ المعارك وشجعانَ الحروب في الفتوحاتِ الإسلاميّة هم رهابنة الليل، بخشوعهم وصلواتهم وبكائهم في الأسحار! أرأيتم؟!

الروح التي لا تبكي هي روح متخشّبة، وليس بالضرورة أنّ كل تخشب هو قوة. التخشبُ يباسٌ وتلاشٍ ومواتٌ وعدميّة ولا فاعلية في الحياة.

قوة الغصن وسر بقائه تكمنُ في ليونته وتراقصه مع الريح يمنة ويسرة، الماء أعظم الأشياء قوة؛ لأنه أقواها ليونة وانسيابا، فمن خبّبَ عليكم أنّ القسوةَ هي القوة؟!

أيها الإنسان.. لتستجمع كل قوتك، ولتنفجر بالبكاء، ولتطهر النفس من أدرانِ الحياة وشوائبِ الوجود، لتعدْ أكثر قوة وصلابة أمام متغيرات الحياة.

اترك تظاهرك الزائف بالتماسك الخارجي فيما روحك هشّة من الداخل، فالتظاهر بالقوة لا يعكس غير الضعف الذي بداخلك.
البكاء قوة.. أرأيت؟!