قراءة في خطاب التصعيد الحوثي: مطار صنعاء الذريعة وإيران الوجهة
حوّل زعيم الجماعة الانقلابية محاولة إيرانية لانتهاك السيادة اليمنية إلى ذريعة لتهديد السعودية، واستثمر القضية الفلسطينية ومزاعم الحصار للهروب من الرواتب والخدمات وإعادة اليمن إلى الحرب.
حمل خطاب عبدالملك الحوثي في 16 يوليو 2026 إعلانا واضحا عن استعداد جماعته لإشعال مواجهة إقليمية جديدة. هدد المطارات والموانئ والمنشآت النفطية والحيوية السعودية، واستدعى القبائل إلى التعبئة، وربط تنفيذ أوامره بالإيمان والكرامة والجهاد.
لا يملك الحوثي أي صفة قانونية تخوله الحديث باسم الجمهورية اليمنية أو إدارة أجوائها ومنافذها وعلاقاتها الخارجية. السيادة حق حصري للدولة اليمنية وحكومتها المعترف بها دوليا، ولا تنتج السيطرة المسلحة على صنعاء أي شرعية سياسية أو قانونية.
مجلس الأمن أكد هذا المبدأ في القرار 2216، الصادر تحت الفصل السابع، عندما وصف الحكومة اليمنية بالحكومة الشرعية، وطالب الحوثيين بالانسحاب من المناطق التي استولوا عليها، وتسليم الأسلحة المنهوبة من المؤسسات العسكرية والأمنية، ووقف جميع الأعمال التي تدخل ضمن الاختصاص الحصري للحكومة. كما طالبهم بوقف تهديد الدول المجاورة.
وتوضح وثائق لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن أن الحوثيين حاولوا في يناير 2015 استبدال الحكومة الشرعية بسلطة غير شرعية يهيمنون عليها. وأدرجت الأمم المتحدة عبدالملك الحوثي ضمن قائمة العقوبات بسبب قيادته جماعة نفذت أعمالا تهدد السلام والأمن والاستقرار في اليمن.
كما أدرج مجلس الأمن جماعة الحوثي نفسها ككيان خاضع لحظر السلاح، ووثق هجماتها ضد المدنيين والبنية التحتية، وتجنيد الأطفال، وزراعة الألغام، وعرقلة المساعدات الإنسانية، والاعتداء على السفن التجارية، وتنفيذ هجمات إرهابية عابرة للحدود ضد السعودية والإمارات.
وعلى المستوى الوطني، صنف مجلس الدفاع الوطني اليمني الحوثيين منظمة إرهابية بموجب القرار رقم 1 لسنة 2022، استنادا إلى قانون الجرائم والعقوبات والاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب والمعاهدات التي صادقت عليها الجمهورية اليمنية. كما أعادت الولايات المتحدة تصنيف الجماعة منظمة إرهابية أجنبية.
هذه هي القاعدة التي يجب أن يُقرأ من خلالها ملف مطار صنعاء: دولة تدافع عن اختصاصاتها السيادية، وجماعة إرهابية متمردة تحاول إنشاء منفذ جوي مباشر مع إيران خارج القانون ومؤسسات الجمهورية.
انتهاك إيراني للسيادة
جاء التصعيد عقب محاولة إيران تسيير رحلة مباشرة إلى مطار صنعاء بالتنسيق مع الحوثيين، ومن دون موافقة الحكومة اليمنية والجهات المختصة بالطيران المدني. وقد وصف مجلس الدفاع الوطني اليمني هذه المحاولة بأنها انتهاك إيراني متكرر للسيادة، وأكد أن تشغيل المطار يجب أن يتم بصورة قانونية وآمنة عبر الخطوط الجوية اليمنية.
لا تمثل الرحلة الإيرانية خدمة إنسانية للمسافرين. إنها محاولة لإنشاء خط جوي تديره طهران مع وكيلها العسكري داخل اليمن، بعيدا عن رقابة الدولة والقواعد المنظمة للطيران الدولي.
الحوثي يريد تحويل مطار صنعاء إلى منفذ إيراني مفتوح، ثم يستخدم المرضى والمسافرين غطاء لانتزاع اختصاص سيادي لا يملكه. وحين تتصدى الدولة لهذا الانتهاك، يصور الجماعة بوصفها ممثلة للشعب، ويقدم الإجراء القانوني كأنه اعتداء خارجي.
أسطورة الحصار
تسقط مزاعم إغلاق مطار صنعاء أمام حقيقة الرحلات التي عملت بين صنعاء وعمّان بموافقة الحكومة اليمنية، وضمن التفاهمات التي رعتها الأمم المتحدة. سمحت الحكومة باستخدام المطار لخدمة المسافرين، وقدمت تسهيلات واسعة لضمان استمرار الرحلات.
والمشكلة نشأت من إصرار الحوثيين على إدارة المطار خارج مؤسسات الدولة، واحتجازهم أربع طائرات تابعة للخطوط الجوية اليمنية، وتجميد أموال الناقل الوطني، ثم إدخال المطار والطائرات في صراعهم الإقليمي.
وعندما تعرض المطار للقصف ودمرت الطائرات المحتجزة، انتقل الحوثي إلى اتهام السعودية والحكومة بحرمان اليمنيين من السفر. هكذا تصنع الجماعة الكارثة، ثم تحول الضحايا إلى مادة دعائية لتبرئة نفسها.
ويتكرر السلوك في الموانئ النفطية، فيتحدث الحوثي عن حرمان اليمنيين من عائدات النفط، بينما هاجمت جماعته موانئ التصدير في حضرموت وشبوة، وأوقفت المورد الأهم للموازنة الحكومية. أدى توقف الصادرات إلى إضعاف قدرة الدولة على دفع الرواتب، وتمويل الكهرباء والصحة والتعليم.
الجماعة التي قصفت منشآت التصدير لا تستطيع تقديم نفسها حامية للثروة. والجهة التي هددت السفن والممرات البحرية تتحمل المسؤولية عن جانب أساسي من العزلة الاقتصادية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين والغذاء.
أموال للحرب وذرائع للرواتب
يستخدم الحوثي مصطلح الحصار للهروب من السؤال الأكثر إلحاحا في مناطق سيطرته: أين تذهب الإيرادات؟
تجمع الجماعة الضرائب والجمارك والزكاة ورسوم الوقود والاتصالات ومختلف الجبايات، ولا تنشر موازنة عامة، ولا تقدم حسابات شفافة، ولا تدفع رواتب الموظفين بانتظام. وقد وثقت العقوبات الدولية شبكات مالية ونفطية واسعة تستخدمها القيادات الحوثية في تمويل العمليات العسكرية وشراء الأسلحة والمكونات التقنية وتحقيق مكاسب شخصية.
تظهر الجماعة بمظهر السلطة عند جمع الأموال والاستيلاء على الممتلكات وفرض الرسوم، ثم تعود إلى خطاب الحركة المحاصرة عندما يطالبها المواطن بالراتب أو الكهرباء أو العلاج.
تمنح الحرب الحوثيين المبرر الذي يحتاجونه لإخفاء الموارد، وتوسيع التجنيد، وزيادة الجبايات، وقمع المعارضين، وتأجيل الخدمات. أما السلام والاستقرار فيضعانهم أمام حساب الإيرادات والمصروفات، ويكشفان فشلهم في إدارة المجتمع الذي يسيطرون عليه بالقوة.
فلسطين وسيلة للابتزاز
استدعى الحوثي القضية الفلسطينية بكثافة، وربط موقف جماعته بالإيمان والأخلاق والجهاد، ووضع خصومه في معسكر أميركا وإسرائيل.
تؤدي فلسطين في خطابه وظيفة داخلية: تحصين سلطة الجماعة من النقد. فالمطالبة بالرواتب تصبح انشغالا عن غزة، والاعتراض على الصواريخ يصنف خيانة، ورفض التبعية لإيران يقدم بوصفه اصطفافا مع إسرائيل.
هذا ابتزاز ديني وعاطفي لشعب يؤيد القضية الفلسطينية تاريخيا. الحوثي يصادر هذا الموقف الشعبي، ويستخدمه لتبرير حروب تخدم حسابات طهران، وتهدد الاقتصاد اليمني والملاحة الدولية ودول الجوار.
أمر إيراني لأداته في اليمن
يكشف توقيت الخطاب الهدف الحقيقي للتصعيد. فقد نقلت رويترز في اليوم نفسه أن إيران وجهت الحوثيين للاستعداد لإغلاق طريق النفط في البحر الأحمر إذا تعرضت منشآت الطاقة والبنية التحتية الإيرانية لهجوم أميركي.
وبحسب المصادر، نشر الحوثيون صواريخ وطائرات مسيرة قرب باب المندب، وأكملوا استعداداتهم لمهاجمة الملاحة انتظارًا لأمر التنفيذ.
المعادلة واضحة، تنهزم ايران ويتم إذلالها، فتتحرك جماعة الحوثي لتهديد مطار سعودي أو منشأة نفطية أو سفينة في البحر الأحمر، ثم يتحمل اليمنيون نتائج الرد العسكري وتعطل التجارة وارتفاع الأسعار.
خطاب الحوثي يؤكد التبعية المطلقة لإيران، فالجماعة تعرض جغرافيا اليمن وموانئه وأجواءه ومياهه الإقليمية لخدمة أمن النظام الإيراني، وتقدم اليمنيين وقودا لحرب لا علاقة لها بمصالحهم الوطنية.
لماذا تستهدف السعودية؟
يرتبط العداء الحوثي للسعودية بدورها في منع الجماعة من استكمال احتلال اليمن. تدخل التحالف جاء استجابة لطلب رسمي من الحكومة اليمنية، بعد اجتياح صنعاء والتقدم العسكري نحو عدن ومأرب وتعز.
أوقف التدخل سقوط بقية المحافظات، وحافظ على وجود الدولة اليمنية ومؤسساتها، ومنع تحويل البلاد كاملة إلى قاعدة تابعة للحرس الثوري.
واصلت المملكة دعم الحكومة اقتصاديا وتنمويا. وقدمت المليارات لدعم الموازنة والنفقات التشغيلية والرواتب. كما تجاوز دعمها الاقتصادي والتنموي المعلن لليمن 12.6 مليار دولار بين عامي 2012 و2026.
تدعم السعودية رواتب الموظفين والكهرباء والخدمات في مناطق الحكومة، وتحتضن اكثر من ثلاثة ملايين مغترب يمني، بينما تجمع الجماعة إيرادات مناطق سيطرتها، وتحرم الموظفين من الرواتب، وتهدد المنشآت السعودية التي تسهم عائداتها في دعم الشعب اليمني.
جماعة لا تعيش خارج الخراب
يؤكد الخطاب طبيعة المشروع الحوثي الزيدي القائم على الحرب. الجماعة وصلت إلى السلطة بالسلاح، ورسخت سيطرتها بالتجنيد والقمع والجبايات، وربطت شرعيتها المزعومة بفكرة الولاية والاصطفاء والحق السلالي في الحكم.
تحتاج هذه البنية إلى عدو دائم. فالحرب تحجب فشلها، وتبرر عنفها، وتتيح لها تحويل الموارد إلى الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتمنحها القدرة على مطالبة المجتمع بالطاعة والتضحية.
في المحصلة الخطاب يبرز محاولة منظمة إرهابية انقلابية انتزاع وظائف الدولة، وتحويل اليمن إلى منصة عسكرية إيرانية، وإشعال حرب يحتاجها الحوثي للهروب من اليمنيين وتحتاجها طهران لتخفيف هزيمتها وابتزاز العالم.