حين تتمرد دولة على الشرعية الدولية.. إيران وشرعنة الانقلاب في اليمن

منذ ساعة

لم يعد السلوك الإيراني في اليمن مجرد تدخل في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة، ولا مجرد دعم لجماعة مسلحة خارجة على النظام الدستوري، بل تجاوز ذلك إلى محاولة إعادة صياغة قواعد القانون الدولي بالقوة، من خلال منح الشرعية لكيان نشأ على أنقاض الدولة في تحدٍ مباشر لقرارات مجلس الأمن وميثاق الأمم المتحدة والقواعد المستقرة في العلاقات الدبلوماسية.
لقد أعلنت البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة أنها لا تعترف إلا بما يسمى "سلطات صنعاء" ممثلا شرعياً للجمهورية اليمنية، وأن تعاونها يتم مع هذه السلطات وحدها.
قد يبدو هذا للبعض مجرد موقف سياسي، لكنه في الحقيقة يحمل أبعادا قانونية خطيرة تتجاوز اليمن إلى النظام الدولي بأكمله.
أولاً: إيران تتمرد على قرارات مجلس الأمن
منذ انقلاب الحوثيين على الدولة في سبتمبر 2014، لم يتعامل مجلس الأمن معهم باعتبارهم حكومة شرعية، بل باعتبارهم جماعة مسلحة انقلبت على العملية السياسية.
ففي القرار 2140 (2014) الصادر تحت الفصل السابع، أنشأ مجلس الأمن نظاماً للعقوبات ضد كل من يهدد السلم والأمن والاستقرار في اليمن أو يعرقل الانتقال السياسي، وأرسى الأساس القانوني لمحاسبة كل من يقوض مؤسسات الدولة.
ثم جاء القرار 2216 (2015) تحت الفصل السابع أيضاً، ليؤكد بصورة أكثر وضوحاً أن الحوثيون ملزمون بالانسحاب من صنعاء وسائر مؤسسات الدولة، وتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة التي استولوا عليها، والامتناع عن القيام بأي أعمال تقع ضمن اختصاص الحكومة الشرعية أو تعيقها عن ممارسة سلطاتها، كما ألزم الدول والكيانات بمنع وصول السلاح والدعم العسكري إلى الجماعة.
ومنذ ذلك التاريخ، توالت قرارات مجلس الأمن، ومنها 2624، و2627، و2675، و2707، و2722، و2739، وكلها حافظت على ذات الأساس القانوني: الاعتراف بالدولة اليمنية وحكومتها المعترف بها دولياً، وإدانة الأعمال التي تهدد أمن اليمن والمنطقة، بما فيها الهجمات الحوثية على الملاحة الدولية والدول المجاورة.
ومع ذلك، اختارت إيران أن تتصرف وكأن هذه المنظومة القانونية غير موجودة.
ثانياً: اعتراف بكيان لا تعترف به الأمم المتحدة
القانون الدولي يميز بين الدولة والحكومة.
واليوم، لا توجد دولة واحدة في الأمم المتحدة تعترف بوجود دولة أخرى في اليمن غير الجمهورية اليمنية.
كما لا تزال الأمم المتحدة تعتمد ممثلي الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، يمثلها مجلس القيادة الرئاسي برئاسة الدكتور رشاد محمد العليمي، بوصفها الجهة التي تمثل الجمهورية اليمنية في المنظمة الدولية.
أما الحوثيون، فلم يحصلوا قط على اعتراف الأمم المتحدة باعتبارهم حكومة الجمهورية اليمنية.
ومن هنا فإن إعلان إيران الاعتراف بما يسمى "سلطات صنعاء" ممثلاً شرعياً للجمهورية اليمنية، لا يعد مجرد اختلاف سياسي، بل يمثل خروجاً على الإطار الذي رسمته الشرعية الدولية.
ثالثاً: تعيين السفراء... انتهاك للأعراف الدبلوماسية
لم تكتف إيران بالاعتراف السياسي.
بل سبق لها وان عينت حسن إيرلو سفيراً لدى الحوثيين، وهو الذي وصفته تقارير عديدة بأنه من كبار ضباط الحرس الثوري وقد قضى في صنعاء وتم تشيعه في طهران كبطل قومي .
وبعده استمرت في تعيين ممثلين والتعامل مع سلطة الأمر الواقع كما لو كانت حكومة مستقلة ذات سيادة واخرهم على رضائي الذي التقى برئيس حكومة الحوثي محمد مفتاح مؤخرا.
وهنا يثور سؤال قانوني بالغ الخطورة:
كيف يمكن لدولة عضو في الأمم المتحدة أن تنشئ علاقة دبلوماسية كاملة مع جماعة مسلحة ما زال مجلس الأمن يطالبها بالانسحاب من مؤسسات الدولة وتسليم السلاح ويعتبر ما تقوم به مهددا للامن والسلم الدوليين؟
إن اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية قامت على فكرة احترام سيادة الدول، وتنظيم العلاقات فيما بينها، لا على إضفاء الشرعية على سلطات نشأت بقوة السلاح.
إن ما تقوم به إيران يمثل خروجاً على الفلسفة التي قامت عليها الاتفاقية، لأنها تتعامل مع سلطة أمر واقع وكأنها الدولة نفسها.
رابعاً: اعتداء على سيادة الجمهورية اليمنية
إن أخطر ما في المشروع الإيراني أنه لا يسعى إلى احتلال الدول بالجيوش التقليدية، وإنما يعمل على إنشاء كيانات ما دون الدولة.
كيانات مسلحة.
تدين بالولاء للحرس الثوري.
تمتلك قرار الحرب والسلم بناء على مصالح الوكيل .
وتتحكم في سيادة الدولة من الداخل.
وهذا ما حدث في لبنان.
وما حدث في العراق.
وما يحدث في اليمن.
لقد تحولت الجماعة الحوثية إلى ذراع إيرانية متقدمة على البحر الأحمر، تستخدمها طهران كلما أرادت الضغط في ملفاتها النووية أو الإقليمية.
ولم يكن عبثاً أن يتباهى مسؤولون إيرانيون بعد اجتياح صنعاء بأن إيران أصبحت تسيطر على أربع عواصم عربية.