التعليم في مناطق سيطرة الحوثيين.. عام جديد بين الانهيار المعيشي والإعادة القسرية لتشكيل الوعي
- خاص- الساحل الغربي:
- منذ 3 ساعات
يبدأ العام الدراسي في مناطق سيطرة الحوثيين ككل عام، لكنه لا يأتي محملاً ببهجة العودة إلى المدارس بقدر ما يعكس عمق أزمة تعليمية ممتدة، تتداخل فيها الأبعاد المعيشية بالتربوية، والسياسية بالاجتماعية، حتى باتت المدرسة نفسها ساحة اختبار للقدرة على الاستمرار لا منصة لصناعة المستقبل.
في جوهر المشهد، يقف المعلم اليمني في مواجهة واقع قاس لا يقتصر على انقطاع المرتبات منذ سنوات، بقدر ما يمتد إلى انهيار القدرة على أداء الدور التربوي ذاته.. دعوات التربويين المتكررة للمطالبة بالحقوق، تكشف مفارقة ثقيلة (كيف يمكن لمن لا يتقاضى أجره منذ نحو عقد أن يواصل حمل رسالة التعليم وبث قيم الكرامة في نفوس طلابه)؟
هذا الانقطاع الطويل في الرواتب ليس مجرد ملف عجز اقتصادي، لكنه تحول إلى عنصر بنيوي يهدد بنية التعليم نفسها، حيث تتآكل مكانة المعلم الاجتماعية والمهنية، ويتحول التعليم تدريجياً من رسالة إلى عبء معيشي يومي.
لكن الأزمة لا تتوقف عند هذا الحد، حيث أمتدت اليوم إلى بنية العام الدراسي ذاته، مع اعتماد تقويم دراسي متغير يرتبط بالتقويم الهجري، بما يفرض تغييرات سنوية على مواعيد الدراسة والإجازات، ويخلق حالة من الارتباك لدى الأسر والمدارس على حد سواء؛ هذا التحول التدريجي في الزمن الدراسي لا يظل مجرد تفصيل إداري، حيث سيتحول إلى عامل ضغط إضافي في بيئة تعليمية تعاني أساساً من ضعف الاستقرار.
ومع انتقال المواسم الدراسية تدريجياً نحو أشهر الصيف الحارة أو مواسم الأمطار في بعض المناطق، تتضاعف المخاوف من تأثيرات مباشرة على انتظام العملية التعليمية، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعاني أصلاً من ضعف البنية التحتية وصعوبة الوصول إلى المدارس.
وفي موازاة ذلك، يبرز بعد آخر أكثر حساسية يتعلق بمحتوى العملية التعليمية نفسها، حيث تشير التقويمات المدرسية المعتمدة في مناطق سيطرة الحوثيين إلى إدراج واسع لمناسبات ذات طابع سياسي وطائفي وعسكري ضمن الأنشطة المدرسية.. من "ذكرى الصرخة" و"يوم القدس" و"طوفان الأقصى"، إلى مناسبات مرتبطة بقيادات المليشيا، تتحول المدرسة إلى فضاء مزدوج الوظيفة (تعليمية في الشكل، وتعبوية في المضمون).
هذا التوظيف للمؤسسة التعليمية يفتح جدلاً متصاعداً حول حدود التعليم ودوره، بين من يعتبره مساراً معرفياً يجب أن يبقى محايداً، ومن يرى أن لابد ما يُعاد تشكيله ليخدم مشروعاً خارجياً أيديولوجياً متكاملاً يعيد صياغة وعي الأجيال.
وفي خلفية هذا المشهد، تتقاطع ثلاثة أزمات كبرى، (معلم بلا راتب، وعام دراسي بلا استقرار زمني، ومدرسة مثقلة بالرموز السياسية والأيديولوجية).. ومع تداخل هذه العناصر، يصبح التعليم نفسه أمام سؤال وجودي؛ هل ما يزال يؤدي وظيفته كرافعة للمجتمع والمعرفة، أم أنه يتحول تدريجياً إلى مساحة صراع مفتوح على الهوية والمعنى؟
وبين هذه التحديات، يظل الطالب هو الحلقة الأضعف في معادلة معقدة، يدفع ثمنها من تعليمه واستقراره ومستقبله، في نظام تعليمي يواجه خطر التحول من مؤسسة بناء إلى مؤسسة إعادة تشكيل قسري للوعي والسلوك.
وفي المحصلة، لا يبدو أن الأزمة التعليمية في مناطق سيطرة الحوثيين أزمة تقويم دراسي أو رواتب متأخرة فقط بل هي أزمة رؤية كاملة لمفهوم التعليم نفسه، بين ما يفترض أن يكون عليه، وما يُراد له أن يصبح، بين مؤسسة يُفترض أن تنتج الوعي، ومنظومة يُعاد توظيفها لإنتاجه وفق شروط الحرب لا شروط المعرفة.
وهكذا، في مناطق سيطرة الحوثيين، لا يبدأ العام الدراسي بوصفه بداية تعليم بل بوصفه امتداداً لأزمة طويلة، عنوانها الأبرز [تعليم يحاول أن يبقى حيا داخل بيئة تُعيد تشكيله على نحو مختلف كل عام].