إلى أين تتجه طهران.. الفراغ في مركز القرار وصعود قاليباف يعيدان رسم مستقبل إيران
- عبدالمالك محمد، الساحل الغربي:
- منذ ساعة
تشهد إيران مرحلة من النقاشات السياسية غير المسبوقة عقب التطورات التي شهدتها خلال عام 2026، وسط تساؤلات متزايدة بشأن مستقبل النظام السياسي وإرث المرشد علي خامنئي، في ظل متغيرات داخلية وخارجية أعادت رسم موازين القوى داخل البلاد.
وبحسب تقرير حديث نشره "منتدى الشرق الأوسط" للكاتب والصحفي ماردو سوغوم، فإن الجدل الدائر حالياً داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإيرانية لم يعد يقتصر على تفاصيل الاتفاق المبدئي بين طهران وواشنطن، حيث امتد إلى مراجعة أوسع للسياسات التي حكمت البلاد خلال العقود الماضية، خاصة ما يتعلق بنهج المواجهة الخارجية وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية.
انتقادات غير مسبوقة من داخل المعسكر المحافظ
وفي مؤشر لافت على حجم التحولات الجارية، نشرت صحيفة "جمهوري إسلامي" المحافظة افتتاحية حادة في 16 يونيو/حزيران 2026، حذرت فيها من استمرار هيمنة التيارات المتشددة والصراعات الفصائلية، مؤكدة أن الرأي العام الإيراني لم يعد يتقبل الخطابات المتطرفة أو الممارسات السياسية التي طبعت المشهد الداخلي خلال العقود الأخيرة.
وقالت الصحيفة إن غالبية الإيرانيين باتوا ينظرون بسخط إلى أداء الفصائل السياسية المختلفة، معتبرة أن مرحلة ما بعد الحرب قد تفتح الباب أمام مساءلة تلك القوى وتحميلها مسؤولية الأزمات المتراكمة التي تواجهها البلاد.
ورغم أن الافتتاحية لم تتضمن انتقاداً مباشراً للنظام أو للقيادة، فإنها عكست حالة قلق متنامية داخل دوائر المؤسسة الحاكمة بشأن قدرة النموذج السياسي الحالي على الاستجابة للصعوبات والعراقيل الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية التي تواجه إيران.
نهاية مرحلة وبداية أسئلة جديدة
ويشير التقرير إلى أن النظام الذي تشكل خلال أكثر من ثلاثة عقود تحت قيادة خامنئي كان يقوم على مركزية السلطة وترسيخ نفوذ التيارات الأيديولوجية داخل البرلمان ومؤسسات الدولة المختلفة.. إلا أن التطورات التي شهدها عام 2026 وضعت هذا النموذج أمام اختبار غير مسبوق.
فعلى مدار السنوات الماضية، اعتمدت القيادة الإيرانية على معادلة سياسية وأمنية قوامها مواصلة تطوير البرنامج النووي، وتوسيع النفوذ الإقليمي، ومواجهة الخصوم الإقليميين والدوليين، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة واسعة النطاق.. غير أن أحداث العام الجاري، أدت إلى انهيار هذه الفرضية وأعادت طرح تساؤلات جوهرية حول جدوى هذا النهج.
فراغ في مركز القرار
ويؤكد التقرير أن المشهد السياسي الإيراني يواجه اليوم تحدياً يتمثل في غياب الشخصية المحورية التي تشكل حولها النظام لعقود طويلة.. فمع رحيل خامنئي، دخلت البلاد مرحلة جديدة تتسم بتنافس مراكز النفوذ داخل المؤسسة الحاكمة.
ورغم أن نجله مجتبى خامنئي تولى رسمياً منصب المرشد، فإن غيابه التام عن المشهد العام منذ أواخر فبراير/شباط الماضي أثار موجة واسعة من التكهنات بشأن وضعه الصحي وقدرته الفعلية على إدارة شؤون الدولة.
ولم يظهر مجتبى خامنئي في أي مناسبة علنية أو يصدر عنه أي خطاب موثق منذ ذلك التاريخ، فيما تؤكد السلطات الإيرانية أن غيابه يعود إلى اعتبارات أمنية.. غير أن استمرار هذا الغياب عزز فرضية أن مركز القيادة التقليدي الذي كان يدير النظام لم يعد يعمل بالفاعلية نفسها التي ميزت عهد علي خامنئي.
صعود قاليباف والحرس الثوري
في المقابل، يرى التقرير أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وحلفاءه داخل الحرس الثوري الإيراني باتوا يمثلون القوة الأكثر تأثيراً في إدارة المرحلة الحالية، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة وجود توافق داخل المؤسسة الحاكمة حول مسار سياسي جديد.
وتعكس مواقف صحيفة "خراسان" المقربة من قاليباف هذا التوجه؛ إذ وصفت الاتفاق الجاري مع الولايات المتحدة بأنه مجرد هدنة تكتيكية تمنح الجمهورية الإسلامية فرصة لإعادة ترتيب أوضاعها واستعادة قدراتها العسكرية والاستعداد لمواجهات مستقبلية، وليس خطوة نحو تسوية شاملة أو مصالحة استراتيجية.
هل تقترب إيران من مراجعة شاملة؟
ويرى التقرير أن أي تحول حقيقي في سياسات الجمهورية الإسلامية سيتطلب مراجعة عميقة لنهج استمر قرابة خمسة عقود من التوتر والمواجهة مع الولايات المتحدة، إلى جانب إصلاحات داخلية تشمل توسيع الحريات السياسية والاجتماعية وتعزيز سيادة القانون وإرساء آليات فعلية للمساءلة.
إلا أن المؤشرات الحالية لا توحي بقرب حدوث مثل هذا التحول.. فحتى الأصوات المنتقدة داخل المؤسسة الحاكمة لا تدعو إلى إعادة صياغة النظام السياسي من جذوره، إذ تركز على إدخال إصلاحات محدودة ضمن الإطار القائم.
ويخلص تقرير "منتدى الشرق الأوسط" إلى أن النقاش الدائر اليوم في إيران يتجاوز تفاصيل الاتفاقات السياسية المؤقتة، ليصل إلى جوهر السؤال المتعلق بمستقبل الجمهورية الإسلامية بعد خامنئي، وما إذا كانت البلاد ستتجه نحو مراجعة حقيقية لمسارها السياسي، أم ستواصل النهج ذاته بأدوات ووجوه جديدة.