المعركة التي فرضها الحوثيراني وخدم بها معركتنا
من زاوية عسكرية بحتة.. مليشيات الحوثيراني الارهابية قدّمت لنا خلال الفترة الحالية خدمات كبيرة لم يكن بإمكاننا تحقيقها بهذه السرعة.
قد تبدو هذه الفكرة غريبة للبعض، لكن قراءة المشهد من منظور عسكري وعملياتي تقود إلى مجموعة من الاستنتاجات المهمة:
أولًا: أسقط الحوثي بنفسه آخر أقنعة المشروع الإيراني.
ما يجري في الساحل الغربي لم يعد قابلاً للتسويق باعتباره معركة يمنية داخلية. حجم التسليح، وطبيعة الهجمات، وكثافة استخدام الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة، تؤكد أن الحوثيراني يتحرك باعتباره أداة متقدمة للمشروع الإيراني، وأن معركته في الساحل مرتبطة بأهداف إيرانية تتجاوز اليمن.
ثانيًا: دفع الحوثي بكتلته العقائدية إلى المعركة.
لقد زج بأعداد كبيرة من مقاتليه وتشكيلاته العقائدية في هجمات متتابعة، الأمر الذي أتاح لقواتنا فرصة ثمينة لاستنزاف هذه القوة وإلحاق خسائر كبيرة بها، خصوصًا في القوى البشرية والقدرات القتالية.
نعم، حقق الحوثي بعض الاختراقات الموضعية في بعض المناطق، سواء في البرح، وجبل حبشي، وحيس وغيرها، لكن الاختراق التكتيكي لا يعني تحقيق الهدف العملياتي الاستراتيجي التي تسعى اليه ايران ، فضلًا عن أن يكون انتصارًا استراتيجيًا.
ثالثًا: الحوثيراني استعجل المعركة التي كنا ننتظرها.
بدل أن يترك لنا اختيار توقيت الاشتباك وظروفه، اندفع هو إلى فتح المعركة وفرضها، وهو ما أتاح لقواتنا التعامل معه في ظروف مكّنته فيها ثقته الزائدة واستعجاله تنفيذاً للتوجيهات الايرانية من ارتكاب أخطاء واستنزاف جزء مهم من قدراته.
رابعًا: الحوثيراني فتح بيده جزءًا من الطريق أمام قواتنا.
الهجوم الحوثي الواسع أجبره على التحرك داخل مناطق كان قد زرع فيها سابقًا عوائق وحقول ألغام أمام تقدم قواتنا. ومع اندفاعه إلى الأمام، أصبحت بعض هذه العوائق مكشوفة أو مفتوحة أمام قواتنا، وهو ما يوفر لاحقًا فرصًا عملياتية يمكن استثمارها عند الانتقال من الدفاع إلى الهجوم.
خامسًا: استنزاف مقدرات الحوثيراني.
هذه النقطة هي الأهم. الحوثي لم يدخل المعركة بأسلحة خفيفة فقط، بل استخدم بكثافة الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة ومختلف وسائل النيران المتاحة لديه.
كل استخدام لهذه القدرات في معركة استنزاف طويلة يعني استهلاكًا لمخزون عسكري يصعب تعويضه، وفي الوقت نفسه منح قواتنا فرصة لاستهداف جزء من هذه القدرات وتدميرها.
سادسًا: الأهم هو الاستدراج المحكم.
الحوثي اليوم مستنزف في جبهات تعز والساحل الغربي، ويحاول حشد أكبر قدر ممكن من قوته لتحقيق هدف استراتيجي واضح: الضغط على قواتنا، فصل محاورها، وتهديد الطريق باتجاه باب المندب.
لكن النتيجة العكسية بدأت تظهر:
كلما دفع الحوثيراني بقوة أكبر إلى هذه الجبهات، أصبح استنزافه أكبر، وأصبحت بقية الجبهات أمام فرصة أفضل للحركة.
ولهذا فإن ما يبدو للبعض تقدمًا حوثيًا هنا أو هناك، يجب ألا يُقرأ منفصلًا عن الصورة العملياتية الاستراتيجية الكاملة.
الخلاصة العسكرية:
جبهتا تعز والساحل الغربي، وفي القلب منهما حيس، والبرح كانتا بالنسبة لنا محورًا رئيسيًا طالما انتظرنا أن يُستنزف فيه الحوثيراني وأن يكشف فيه جزءًا من قدراته ونواياه.
وقد فعل ذلك بنفسه.
لقد حشد، وهاجم، واستخدم مخزونه الناري، ودفع بتشكيلاته العقائدية، وكشف اتجاهات تحركه، واستنزف جزءًا من قوته، وفتح أمام قواتنا فرصًا عملياتية جديدة.
ولهذا أقول: لا تنظروا إلى المعركة من خلال خريطة اليوم فقط؛ انظروا إليها من خلال ميزان القوة الذي يتشكل للغد.
فالاختراقات التكتيكية المؤقتة لا تصنع انتصارًا استراتيجيًا، بينما استنزاف القوة المعادية وكشف قدراتها وحرمانها من المبادأة وتهيئة الظروف لتحرك بقية الجبهات، هي مكاسب عملياتية قد تكون أهم بكثير من كسب بضعة مواقع.
والمعركة لم تنتهِ بعد.. بل ربما يكون الحوثي قد بدأ، من حيث لا يريد، بتهيئة الظروف للمرحلة الأصعب عليه.