صواريخ إيران مع الحوثي.. من سلاح ردع إلى أزمة مع طهران
المليشيات الحوثيرانية الارهابية تواجه اليوم مأزقًا كبيرًا في ملف الصواريخ الباليستية، وليس لأن الصواريخ نفدت منها، وإنما لأن الاستخدام المفرط لهذا السلاح الاستراتيجي لم يعد يحقق النتائج التي يفترض أن يحققها سلاح بهذا الحجم والقيمة.
إيران لم تطور منظومة الصواريخ الباليستية لعقود، وتنفق عليها المليارات، وتغامر بنقل الخبرات والتقنيات المرتبطة بها إلى الحوثيين، لكي تُستخدم هذه الصواريخ في إطلاقات متكررة ضد أهداف صغيرة أو مدنية ثم تتحول العملية إلى بيان إعلامي عن (انتصار استراتيجي).
الصاروخ الباليستي بالنسبة لإيران هو قبل كل شيء سلاح ردع؛ أي أن قيمته الحقيقية تكمن في قدرته على تغيير حسابات الخصم وفرض كلفة استراتيجية عليه، وليس في مجرد عدد الصواريخ التي يستطيع وكيلها إطلاقها.
وهنا تحديدًا تبدأ ورطة الحوثيراني.
فكلما عجز عن تحقيق نتائج عسكرية حقيقية، لجأ إلى تكثيف إطلاق الصواريخ وإلى تضخيم نتائجها في البيانات.
خذوا مثلًا ما حدث في باب المندب.
عندما استهدفت المليشيات السفينة التجارية اليمنية "تهامة"، سارعت إلى تقديم العملية باعتبارها استهدافًا لهدف عسكري، بينما أظهرت المعلومات المتداولة أنها سفينة تجارية مدنية، وأسفر الهجوم عن قتلى وجرحى من طاقمها ، ثم اعقبها استهداف سفينة التاجر بلال الشميري في باب المندب بستة صواربخ باليستية ليقول انها لسفينة انزال عسكرية وغيرها من تلك البيانات الغبية لانتصارات لا وجود لها.
وهنا سؤال عسكري بسيط:
أين هو الانتصار الاستراتيجي في إطلاق صواريخ باليستية على سفينة تجارية؟
الأمر نفسه ينطبق على البيانات التي تتحدث عن تدمير سفن عسكرية أو استهداف أهداف مرتبطة بالقوات المسلحة، ثم يتبين أن طبيعة الهدف أو حجم الأضرار لا يتطابق مع الصورة التي رسمها البيان الحوثي.
بل إن المليشيات أصبحت تقدم حتى استهداف القاطرات والشاحنات لمواطنين على أنه تدمير لشحنات أسلحة، بينما لا يكفي وصف القاطرة بأنها تحمل مواد أو وقودًا أو معدات لكي تتحول العملية تلقائيًا إلى انتصار عسكري استراتيجي وضربة موجعة للسعودية
المشكلة هنا ليست إعلامية بل مشكلة عسكرية واقتصادية واستراتيجية.
عندما تستخدم صاروخًا باليستيًا عالي القيمة لاستهداف هدف عسكري محدود، فأنت لا تحقق بالضرورة انتصارًا؛ بل أهدرت سلاحًا استراتيجيًا على هدف لا يستحق كلفته.
والقوات المسلحة اليمنية اليوم ليست هدفًا ثابتًا في ثكنة واحدة.
لقد أصبحت منتشرة على مسرح العمليات، وتعمل ضمن قطاعات وجبهات متعددة، وتعتمد على الانتشار والمرونة والحركة والعمل الميداني.
وبالتالي فإن محاولة استخدام صاروخ ضد هدف تكتيكي صغير لا تعني أنك عطلت القوات أو غيرت ميزان المعركة.
أنت فقط أطلقت صاروخًا.
وهذه نقطة يبدو أن الحوثي يحاول الهروب منها بالبيانات.
كلما أطلق صاروخًا، يخرج سريع ليحدثنا عن "تدمير وإصابات مباشرة ونجاحات استراتيجية "، بينما معيار النجاح الحقيقي ليس ما يقوله الناعق يحى صريع، وإنما ما يحدث على الأرض:
هل تعطلت وحدة عسكرية؟
هل تغيرت خطوط الجبهة؟
هل توقفت العمليات؟
هل فقدت القوات المسلحة قدرتها على الانتشار؟
هل تغير ميزان القوة؟
إذا كانت الإجابة: لا،فإن إطلاق عشرات الصواريخ لا يصنع انتصارًا استراتيجيًا.
بل إن إعلان الحوثيراني في الأيام الأخيرة عن استهداف سفينة إنزال عسكرية سعودية او تدمير سفن نفط سعودية بعدد من الصواريخ مثال آخر على ضرورة الفصل بين إعلان الاستهداف وبين تحقق النتيجة العسكرية؛ فالإعلان عن إصابة هدف لا يساوي تلقائيًا تدميره أو إحداث أثر استراتيجي فيه
وهنا تظهر الأزمة الحقيقية مع إيران.
فالذي تقدمه إيران للحوثيراني ليس مجرد ألعاب نارية لإنتاج البيانات الإعلامية
إنها تسليحه بسلاح استراتيجي يفترض أن يحتفظ بقيمته الرادعة، وأن يستخدم عندما تكون هناك أهداف ذات قيمة استراتيجية حقيقية.
لكن الحوثيراني،مع تراجع قدرته على تحقيق نتائج حاسمة على الأرض، أصبح يستخدم هذا السلاح بصورة متزايدة لإنتاج الضجيج السياسي والإعلامي.
وهذا يضعه أمام معادلة صعبة:
كل صاروخ يُطلق بلا أثر استراتيجي هو جزء من المخزون الذي ينخفض، بينما الهدف العسكري الذي يفترض أن يغير المعركة لا يزال قائمًا
لذلك فإن المبالغة في استخدام الصواريخ قد تتحول من مصدر قوة إلى مصدر أزمة
وأمام هذه الأزمة، لا يبدو أن أمام الحوثي سوى طريقين:
▪️إما الاعتراف بأن الصواريخ لم تحقق الأثر الذي كان يتوقعه الإيرانيون منها
▪️أو الاستمرار في إطلاقها وتغطية الاستنزاف ببيانات تتحدث عن انتصارات لا يثبتها الميدان
وهنا تحديدًا تكمن ورطة الحوثي :
فإيران أعطته سلاحًا لتغيير المعادلات… وهو يستهلكه اليوم لإنتاج البيانات