التجنيد غير المعلن.. آلة حوثية خفية تستنزف الريف وتحول القرى إلى خزان بشري للحرب
- هاشم علي، الساحل الغربي:
- 06:55 2026/01/19
في الريف، تمارس مليشيا الحوثي الإرهابية واحدة من أخطر سياساتها وأكثرها تدميرًا للمجتمع اليمني، من خلال التجنيد الصامت، فهناك تنشط آلة حوثية خفية تُدار ببرود محسوب، تستهدف القرى النائية والشرائح الأشد فقرًا وتهميشًا، لتحويلها إلى خزّان بشري دائم للحرب، فلا ضجيج إعلامي، ولا إعلانات رسمية، بل منظومة تجنيد متدرجة تُدار عبر الضغط الاجتماعي والهيمنة في انتهاك صارخ لحق المجتمعات في الحياة والأمان.
هذا التجنيد الصامت سياسة ممنهجة اعتمدتها مليشيا الحوثي لتعويض تآكل الحاضنة الشعبية واستنزاف الجبهات، فبدلًا من الحملات التي تثير السخط وتكشف حجم الخسائر، لجأت الجماعة إلى أساليب تعبئة طائفية مغلّفة بالخطاب الديني، تفكيك البنى الاجتماعية من الداخل، وتوظيف المشرفين المحليين وشيوخ القرى كأدوات ضغط وتمرير، في مشهد يعكس طبيعة الجماعة كأمر واقع لا تتورع عن التضحية بالمجتمع من أجل استمرار مشروعها الدموي.
هكذا تمارس مليشيا الحوثي استنزافًا بشريًا بطيئًا يكاد لا يُرى، لكنه بالغ الأثر، فالشباب يُدفعون إلى الجبهات تحت مسميات ثقافية ودورات فكرية، والأسر تُحاصر بالفقر والحاجة، والقرى تُترك خاوية من أبنائها، فيما تواصل المليشيا تسويق خطابها الزائف عن التضحية والجهاد، بينما هي في الحقيقة تدير حربًا بلا أفق، وقودها الفقراء والمهمشون.
ينطلق هذا التقرير من محاولة كشف هذا الوجه الخفي لمليشيا الحوثي، عبر تفكيك بنية التجنيد الصامت، وشرح أدواته ومساراته، مع التركيز على الدور المركزي للتعبئة الطائفية والتحشيد العسكري، وتأثير ذلك على المجتمعات المحلية والنسيج الاجتماعي.. كما التقرير إلى إخراج معاناة القرى البعيدة من هامش الصمت إلى صدارة النقاش، بوصفها جريمة مستمرة تُرتكب بعيدًا عن العناوين الكبرى، لكنها تشكّل أحد أخطر وجوه الحرب على اليمن واليمنيين.
مصانع بشرية
تدفق المقاتلين
مع امتداد أمد الحرب وتنامي الوعي المجتمعي نسبيًا، وجدت مليشيا الحوثي نفسها مضطرة للبحث عن وسائل أقل كلفة لاستدامة تدفق المقاتلين إلى جبهاتها، فالتجنيد الصامت يعد عملية متدرجة، تُدار عبر شبكة من الوسطاء المحليين، وتُغلف بخطاب ديني واجتماعي مزيف يروّج للمشاركة على أنها واجب أخلاقي أو دفاع عن الوطن والدين، بينما هي في الواقع استنزاف ممنهج للمجتمع واستغلال للضعفاء.
القرى النائية والمحافظات المنكوبة بالمليشيا، تشكل بيئة مثالية لهذه السياسة الحوثية، نتيجة لضعف الوصول الإعلامي ومحدودية البدائل الاقتصادية، وتماسك اجتماعي يسمح للجماعة بالتمدد عبر شيوخ ومشرفين محليين، كلها عوامل تجعل هذه القرى خزانًا بشريًا جاهزًا للاستغلال.
تستهدف المليشيا هذه القرى لعدة أسباب استراتيجية، أولها هشاشة البنية الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، ما يجعل الشباب أكثر قابلية للاستقطاب وابتلاع وهم "الفرصة المعيشية" التي تبيعها الجماعة عبر وعود زائفة.
وفي هذا الإطار، لا يقتصر التجنيد على فعل عسكري مباشر، بل يتحول إلى عملية اجتماعية طويلة الأمد، تبدأ بتطبيع حضور الجماعة في تفاصيل الحياة اليومية، من المدارس والمراكز الصيفية إلى المساجد والأسواق، وتستمر بتشكيل بيئة نفسية واجتماعية تقنع الشباب بأن الانضمام إلى الجبهات واجب، بينما هو في الواقع طريق إلى الموت والاستغلال.
بهذه الطريقة، تنجح المليشيا في تحويل القرى النائية إلى مصانع بشرية صغيرة، تغذي الجبهات بحياة الشباب الأبرياء، وتُفرغ المجتمعات من طاقاتها، دون أن يلاحقها أحد على ما ترتكبه من جرائم متواصلة ضد اليمنيين.
التعبئة الطائفية
إعادة تشكيل الوعي
تشكل التعبئة الطائفية العمود الفقري لمشروع التجنيد الحوثي، والأداة الأخطر التي تستخدمها المليشيا لتحويل الصراع السياسي والعسكري إلى معركة عقائدية مفتوحة؛ فالجماعة تسعى إلى إعادة تعريف الهوية الدينية نفسها وربطها بشكل قسري بمشروعها المسلح، بما يجعل القتال في صفوفها واجبًا عقائديًا لا يقبل النقاش أو الرفض.
ويعتمد الحوثيون على خطاب طائفي مُعاد إنتاجه بعناية، يُقدَّم في قوالب ناعمة وغير صدامية في مراحله الأولى، خصوصًا داخل القرى والمناطق النائية، إذ لا يبدأ الخطاب بالتحريض المباشر، بل عبر دروس دينية، ومناسبات اجتماعية، ومراكز صيفية، حيث تُغرس مفاهيم مثل الولاية والمظلومية والاصطفاء بوصفها حقائق دينية ثابتة، لا اجتهادات سياسية منحازة، ومع الوقت تصبح هذه المفاهيم بنظرهم مسلّمات تُشكّل وعي الأفراد، وتعيد صياغة فهمهم للدين والواقع معًا.
كما تعمل المليشيا على إعادة تعريف العدو، إذ لم يعد الخصم طرفًا سياسيًا أو مكونًا وطنيًا مختلفًا، بل يُصوَّر كخطر وجودي وعدو ديني، ومصدر تهديد دائم، حيث تُشيطَن الأطراف الأخرى، وتُجرَّد من أي بعد إنساني، ويُعاد توصيف الصراع بلغة "الحق والباطل"، ما يخلق حالة مزدوجة من الخوف من الآخر المصنَّف كعدو عقائدي، والواجب بالانخراط في القتال بوصفه دفاعًا عن الدين والهوية.
ولا تقف هذه التعبئة عند حدود الخطاب العام، بل تتعمق في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، خصوصًا لدى الأطفال والمراهقين، حيث تستهدف الجماعة الفئات العمرية الأصغر سنًا باعتبارها الأكثر قابلية للتأثر، فتُكثّف المحاضرات والدروس في المدارس والمساجد والمجالس العامة، ويُعاد تأويل التاريخ وتشويه الوقائع وانتزاع النصوص الدينية من سياقها، لخدمة فكرة الاصطفاء الإلهي وشرعنة العنف.
وبحسب باحثين في شؤون الجماعة فإن القتال يُقدَّم في خطاب المليشيا بوصفه طريقًا للخلاص الفردي والجماعي، والالتحاق بالجبهات كوسيلة لنيل الشرف والثواب، بينما يتم إسقاط أي بعد إنساني عن الضحايا، سواء كانوا من المجندين أنفسهم أو من الطرف الآخر.. وبهذه الطريقة يتحول الشاب من مواطن يبحث عن حياة كريمة إلى وقود أيديولوجي لحرب لا تخصه، مدفوعًا بوهم ديني مصنَّع بعناية.
ومع تراكم هذا الخطاب، تتحول التعبئة الفكرية إلى استعداد نفسي مسبق للتجنيد، ففي كثير من الحالات تُخضع المليشيا الوعي لعملية غسل ممنهجة، تجعل الانخراط في القتال خيارًا طوعيًا ظاهريًا، لكنه في جوهره نتيجة ضغط فكري وطائفي طويل الأمد.. وبهذه الآلية، تنجح مليشيا الحوثي في تحويل الطائفية من خطاب تعبوي إلى أداة تجنيد فعّالة، تُعيد إنتاج الحرب جيلاً بعد جيل، وتُمعن في تمزيق المجتمع اليمني، ليس فقط بالسلاح، بل بتدمير الوعي وتشويه الدين وتحويله إلى سلاح في خدمة مشروعها الدموي.
تجنيد مبكر
التعليم المُسيَّس
لم تعد المراكز الصيفية في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي فضاءات تعليمية أو ترفيهية بريئة، بل تحولت إلى أحد أخطر أدوات التجنيد الصامت وأكثرها فاعلية، فهذه المراكز، التي تُقدَّم للأهالي باعتبارها أنشطة ثقافية أو دينية تهدف إلى حماية النشء، ليست في حقيقتها سوى غرف فرز أيديولوجي ومعسكرات تعبئة مبكرة، يُعاد فيها تشكيل وعي الأطفال والمراهقين بما يخدم المشروع العسكري والطائفي للجماعة.
وتعمل المليشيا داخل هذه المراكز على غرس الأفكار قبل السلاح، حيث يبدأ الأمر بمحاضرات دينية مؤدلجة، وشعارات تعبويّة، وزوامل حربية، وقصص مُنتقاة بعناية تمجّد الموت والقتال، وتربط البطولة بالالتحاق بالجبهات، ومع الوقت، يتم رصد المشاركين وفرزهم بدقة، فمن يُظهر قابلية فكرية أو حماسًا أيديولوجيًا يُدفع تدريجيًا نحو أنشطة شبه عسكرية، تشمل تدريبات بدنية، وانضباط جماعي، وتطبيع مع مفردات الحرب، بينما يُستثمر الآخرون كحاضنة اجتماعية وأدوات لنقل التحركات الشعبية ورفع المعلومات أولًا بأول.
ولا يقل التعليم الرسمي خطرًا عن هذه المراكز، إذ لم تسلم المدارس من عملية التسييس المنهجي، فقد جرى العبث بالمناهج، وإدخال تعديلات أيديولوجية تُعيد صياغة التاريخ والدين والهوية الوطنية بما يتوافق مع سردية مليشيا الحوثي الإرهابية.. كما فُرضت أنشطة ذات طابع تعبوي، تُدار غالبًا بإشراف مشرفين تابعين للجماعة، لا علاقة لهم بالعملية التعليمية بقدر ارتباطهم بالأجهزة الأمنية والفكرية للمليشيا.
يؤكد تربيون للساحل الغربي أن المدرسة، التي يفترض أن تكون فضاءً محايدًا لبناء المعرفة وتنمية التفكير النقدي، تحولت في المناطق المنكوبة بالمليشيا إلى محطة تجنيد مبكرة، مشيرين إلى أن داخل الصفوف تُغرس مفاهيم الطاعة العمياء والولاء المطلق، ويُدرَّب الطلاب نفسيًا على تقبّل العنف، وخارج الصفوف، تُنظم معسكرات صيفية تُقدَّم كبرامج ثقافية أو ترفيهية، لكنها في الواقع مراحل تمهيدية للانخراط العسكري.
الأخطر في هذا المسار أن المليشيا لا تستهدف جيلًا واحدًا فحسب، بل تعمل على ضمان استدامة بشرية طويلة الأمد للحرب؛ فكل طفل يُعاد تشكيل وعيه اليوم، هو مقاتل محتمل في الغد، وكل مدرسة تُحوَّل إلى منصة تعبئة، تعني تقليص الحاجة إلى حملات تجنيد قسرية لاحقًا.. إنها استراتيجية استباقية، تقوم على تدمير التعليم من الداخل، وتحويله من أداة بناء إلى وسيلة هدم واستنزاف.
وسطاء محليين
المشرفون.. التجنيد بالخداع
لا يُدار التجنيد الصامت في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي من غرف قيادة مركزية فحسب، بل يقوم أساسًا على شبكة معقّدة من الوسطاء المحليين الذين يعملون كأذرع تنفيذية للمشروع الحوثي داخل القرى والمجتمعات الصغيرة، حيث تضم هذه الشبكة مشرفين ميدانيين، وشيوخ قبائل، ووجهاء اجتماعيين، وأئمة مساجد، ومعلمين جرى إخضاعهم أو استقطابهم، مستفيدين من ما يمتلكونه من شرعية اجتماعية وتأثير مباشر على الأسر.
وتُكلَّف هذه الشبكات بمهمات دقيقة، مثل حصر الشباب، وتصنيف الأسر ورصد المترددين وتهيئة البيئة الاجتماعية للتجنيد.. يقول مواطنون إن هذا يُطرح يُقدَّم بصيغ ملتوية، تحت عناوين الواجب والمسؤولية الاجتماعية والدفاع عن القرية، في محاولة لإضفاء طابع أخلاقي زائف على عملية لا تعدو كونها استنزافًا قسريًا للمجتمع.
ويشكّل المشرفون الحوثيون العمود الفقري لهذه المنظومة القمعية، فهؤلاء لا يخضعون لأي إطار قانوني أو رقابي، وغالبًا ما يُعيَّنون من خارج المناطق التي يُشرفون عليها، ما يعزز اغترابهم عن المجتمع المحلي ويجعلهم أكثر استعدادًا لاستخدام القوة دون أي اعتبارات اجتماعية، فالمشرف يمتلك صلاحيات تتجاوز المؤسسات المحتلة.
وبحسب شهادات مواطنين لـ "الساحل الغربي"، فإن المشرفين يفرضون التجنيد بوسائل غير مباشرة لكنها مدمّرة، كالتهديد بالاعتقال أو تلفيق تهم جاهزة وتعطيل مصادر الرزق، أو التحريض على الأفراد داخل محيطهم الاجتماعي، وفي كثير من الحالات، يُستخدم الخوف كأداة رئيسية، حيث تدرك الأسر أن رفض الطلب قد يفتح عليها أبوابًا من العنف.
هكذا تنجح مليشيا الحوثي في نقل عبء التجنيد من قرار عسكري مكشوف إلى عملية اجتماعية قسرية، تُدار من داخل القرى نفسها، وبأدوات محلية، لكنها تخدم مشروعًا خارجيًا عن مصالح المجتمع.. يصف مراقبون هذه الأعمال بأنها شبكة استغلال منظمة، تقوم على الخداع والقهر، وتكشف بوضوح أن المليشيا لا تملك حاضنة حقيقية، بل تعتمد على إخضاع المجتمع وتحويله إلى رهينة دائمة لحربها العبثية.
تجنيد النساء
النساء في معادلة التعبئة
لا يقتصر استنزاف المجتمع على الرجال وحدهم؛ فالنساء أيضًا أصبحن أدوات ضمن ماكينة التجنيد الصامت التي تديرها مليشيا الحوثي؛ فالخطاب الطائفي والتعبوي يوجّه إليهن رسالة مزدوجة، من ناحية يُعرض عليهن دور "المرأة الصالحة" التي تدعم أبنائها في الجبهات، ومن ناحية أخرى يُصوَّر الامتناع عن دفع الأبناء أو الأشقاء كخيانة اجتماعية ودينية.
وتُنظّم الجماعة فعاليات نسوية وورش عمل، وحلقات دينية تُروّج لفكرة "التضحية النبيلة"، وتحوّل الأمهات إلى ضغّاط اجتماعيين على أسرهن لدفع الشباب نحو الموت في الجبهات، وهذه الاستراتيجية لا تقتصر على الضغط النفسي فقط، بل تُستثمر لتكريس الخضوع الكامل للخطاب الحوثي، وتحويل رفض الأسر إلى وصمة اجتماعية، تبرر الاستيلاء على الشباب أو إجبارهم على الانخراط في القتال.
وبالتالي، تتحول المرأة من عضو في المجتمع إلى أداة غير مباشرة لإدامة الحرب، مع تكريس معايير القبول الاجتماعي على أساس الولاء لمشروع المليشيا، وليس على أساس حقوق الإنسان أو المصلحة الأسرية.
أثر التجنيد
استنزاف المجتمع
لا يقتصر أثر التجنيد الصامت على الأفراد المجندين، بل يمتد ليصل إلى جذر المجتمع اليمني في القرى والمناطق النائية، فغياب الشباب يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي والاقتصادي، ويترك الأسر في مواجهة الفقر والجوع وحدها، بينما تتحول الأجيال الجديدة إلى جيل مشبع بالعنف والإكراه الطائفي، يعيش صدمات نفسية طويلة الأمد، ويجد صعوبة في الانخراط لاحقًا في الحياة المدنية الطبيعية.
وعلى مستوى القرى والأرياف، تُعكف المليشيا على إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية والاجتماعية، حيث تتفكك الأسر بفقدان أبنائها، تختل التوازنات القبلية، ويُعاد ترتيب المكانة الاجتماعية على أساس القرب من سلطة المليشيا وليس على أساس الكفاءة أو الاحترام الاجتماعي التقليدي، كما تتعزز الانقسامات الطائفية، وتضعف الثقة بين المكونات المحلية، ما يؤدي إلى ترسيخ دائرة من التبعية والخضوع المستمر.
وعلى المدى الطويل، ينشأ جيل مؤدلج، محدود الفرص، محمّل بتجارب عنف ومعاناة نفسية، ما يشكل تهديدًا مستمرًا لأي جهود سلام أو إعادة بناء المجتمع المدني، وبذلك تصبح المليشيا قوة مدمّرة للنسيج الاجتماعي اليمني، تنخر المجتمع من الداخل قبل أن تصل الحرب إلى ميدان المعركة.
