تصفيات بالحوادث.. مليشيا الحوثي تأكل نفسها (تقرير)
- الساحل الغربي - تقرير/ هاشم علي:
- قبل 18 ساعة و 44 دقيقة
لم تعد الخلافات الداخلية في صفوف مليشيا الحوثي تُحل عبر الأطر التنظيمية أو الهياكل القيادية التي تدّعي الجماعة امتلاكها، بل انتقلت إلى مسارات أكثر غموضًا وتعقيدًا، تعكس حجم التصدعات العميقة داخل بنيتها المغلقة؛ فمع اتساع رقعة الصراع على النفوذ والموارد، وتراكم التناقضات بين مراكز القوى، برزت أساليب غير معلنة لتصفية الحسابات بعيدًا عن أي مساءلة داخلية.
مصادر "الساحل الغربي " تؤكد أن من بين هذه الأساليب التي تعتمد عليها المليشيا الإرهابية "الاغتيال بالحوادث"، وهو نمط تصفية يعتمد على إخراج عمليات القتل في صورة حوادث عرضية، وتُسوَّق إعلاميًا باعتبارها حوادث مرورية، ويهدف هذا الأسلوب إلى إخفاء الطابع الحقيقي للتصفية، وتجنب إثارة الضجيج الإعلامي أو ردود الفعل داخل صفوف الجماعة، بما يحافظ ظاهريًا على صورة التماسك والانضباط.
وتوضح المصادر أنه هذا التحول لا يأتي بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه المليشيا، إذ تعاني من صراعات بينية متصاعدة، تغذيها المنافسة على المواقع القيادية، والتحكم في الموارد المالية، وإدارة الجبهات، إضافة إلى التباينات العقائدية والمناطقية، ومع تضييق هامش الاختلاف تحوّل العنف الخفي إلى أداة مفضلة لإغلاق الملفات الشائكة.
وفي هذا السياق، لم يعد مستغربًا تكرار الحوادث الغامضة التي تطال شخصيات نافذة أو عناصر كانت تشغل مواقع حساسة، في ظل تكتم شديد وفرض رواية موحّدة عبر المنصات الإعلامية التابعة للجماعة، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول طبيعة هذه الحوادث، وما إذا كانت مجرد مصادفات عابرة، أم جزءًا من سياسة ممنهجة لإدارة الصراعات الداخلية بأقل كلفة سياسية وإعلامية ممكنة.
وبحسب المصادر، فإن الأعوام الأخيرة شهدت المناطق المنكوبة بالمليشيا تزايدًا ملحوظًا في وقوع حوادث غير مفسرة، غالبًا ما تُستغل لإقصاء خصوم أو منافسين، ما يعكس استراتيجيات خفية في تصفية الخلافات الداخلية وإحكام السيطرة على دوائر النفوذ.
حالة احتقان
خلفيات الصراع
"الساحل الغربي" يفتح ملف الاغتيال بالحوادث كظاهرة متنامية داخل صفوف المليشيا، ومحاولة قراءة دلالاتها وخلفياتها، بوصفها مؤشرًا على طبيعة الصراع الداخلي، وحدود التماسك الحقيقي للجماعة، وما تحمله هذه الممارسات من مخاطر لا تقتصر على عناصرها فحسب، بل تمتد إلى المجتمع والمناطق الخاضعة لسيطرتها.
يقول مراقبون إن ظاهرة الاغتيال بالحوادث تعكس حالة من الاحتقان المتراكم داخل صفوف المليشيا، حيث لم تعد الخلافات طارئة أو محدودة، بل تحولت إلى صراع مفتوح بين مراكز قوة متشابكة، ويبرز التنافس على النفوذ بوصفه أحد أبرز محركات هذا الصراع، في ظل سعي القيادات المختلفة إلى توسيع دوائر السيطرة، وفرض الولاءات والتحكم في مفاصل القرار داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.
إلى جانب النفوذ، تمثل الموارد المالية عاملًا حاسمًا في تفجير الخلافات الداخلية، خصوصًا مع اتساع شبكة الجبايات، والضرائب غير القانونية، وعائدات الموانئ والأسواق، والمساعدات الإنسانية، إذ يؤدي تضارب المصالح حول إدارة هذه الموارد وتوزيعها إلى نشوء صراعات حادة بين القيادات والمشرفين، حيث ينظر كل طرف إلى الآخر كمنافس مباشر يهدد مكاسبه ونفوذه.
وتتعمق هذه الصراعات داخل المؤسسات العسكرية والأمنية التابعة للمليشيا، حيث يتنافس القادة الميدانيون على قيادة الجبهات، والسيطرة على الوحدات المسلحة، واحتكار القرار العسكري، وغالبًا ما تتحول الخلافات إلى صراعات شخصية، خاصة في ظل تداخل الصلاحيات بين الأجهزة الأمنية والعسكرية واللجان الخاصة.
كما تلعب الانقسامات الفكرية والعقائدية دورًا خفيًا في تأجيج هذه الخلافات، حيث تتباين مستويات الالتزام الأيديولوجي بين عناصر ترى في المشروع العقائدي أولوية مطلقة، وأخرى تنظر إليه كغطاء لتحقيق مكاسب ميدانية أو مادية.. هذا التباين يخلق حالة من الشك المتبادل، ويفتح الباب أمام اتهامات بالانحراف أو التقصير، تتحول لاحقًا إلى أدوات للتصفية.
ولا يمكن فصل هذه الخلفيات عن البعد المناطقي والاجتماعي داخل المليشيا، حيث تنشأ حساسيات بين القيادات القادمة من صعدة، المعقل الأيديولوجي ومنطقة النفوذ التقليدية للجماعة، والعناصر التي جرى استقطابها من محافظات أخرى، ومع تصاعد الشعور بالتهميش أو الاستبعاد، تتخذ الصراعات طابعًا أكثر حدة، ما يدفع بعض الأجنحة إلى البحث عن حلول نهائية لإقصاء الخصوم، ولو عبر أساليب غير معلنة.
ويؤكد كثيرون أن خلفيات الصراع داخل المليشيا لم يعد خلافًا تنظيميًا يمكن احتواؤه، بل بات صراع مصالح متشابك، تغذيه عوامل مالية وعسكرية وعقائدية ومناطقية، ويجد في العنف الخفي وسيلة مفضلة لتسوية الحسابات بعيدًا عن الأضواء.
خيار عملي
التصفية الصامتة
يمثل الاغتيال بالحوادث خيارًا عمليًا للمليشيا في بيئة تنظيمية قائمة على الشك وانعدام الثقة، حيث تدرك القيادة أن اللجوء إلى التصفية العلنية قد يفتح باب التمرد أو يعمّق الانقسامات القائمة، فالتصفيات المباشرة غالبًا ما تخلّف آثارًا جانبية يصعب التحكم بها، وتدفع بعض الأجنحة إلى اتخاذ مواقف دفاعية أو تصعيدية، وهو ما تحرص المليشيا على تجنبه.
يقول محللون إن هذا الأسلوب يوفر للمليشيا غطاءً يسمح بإنهاء الخصومات دون الدخول في مسارات مساءلة داخلية، أو الحاجة إلى تبرير القرار أمام القواعد التنظيمية، خاصة عندما تُقدَّم الحادثة باعتبارها قضاءً وقدرًا، تُغلق تلقائيًا أي مساحة للنقاش أو الاعتراض، ويُمنع تداول الروايات البديلة التي قد تكشف حقيقة ما جرى.
ويوضح سياسيون أن اعتماد هذا الأسلوب يعكس رغبة المليشيا في إدارة الصراع بأقل تكلفة سياسية وإعلامية ممكنة، فالتصفية الصامتة لا تستدعي بيانات رسمية، ولا تُحرج الجماعة أمام أتباعها والموالين لها، ولا تُظهرها بمظهر الطرف الذي يعاني من صراعات داخلية حادة، بل تُسهم في ترسيخ خطاب الاستقرار والانضباط الذي تحاول المليشيا تسويقه باستمرار.
إضافة إلى ذلك، يُستخدم هذا الأسلوب كأداة ردع غير معلنة، تُرسل رسائل مبطنة لبقية القيادات والعناصر بأن الخروج عن الخط المرسوم أو تهديد مراكز النفوذ قد يقود إلى نهاية صامتة وغير قابلة للتفسير، وبهذا لا يقتصر الاغتيال بالحوادث على كونه وسيلة تصفية، بل يتحول إلى آلية قائمة على التخويف غير المباشر.
خطر دائم
انعكاسات على المجتمع
لا تظل تداعيات هذه الممارسات حبيسة الإطار الداخلي للمليشيا، بل تمتد آثارها إلى المجتمع المحلي الذي يجد نفسه في قلب الصراع البيني داخل صفوف المليشيا؛ فاستخدام الطرق العامة أو المركبات المدنية أو المرافق الخدمية كواجهات لتنفيذ تصفيات مقنّعة، يحوّل الفضاء العام إلى منطقة خطر دائم، ويعرّض المدنيين لاحتمالات غير محسوبة.
ويؤدي تكرار هذه الوقائع إلى تكريس حالة من الخوف الجماعي، حيث يفقد السكان الثقة، ويشعرون بأن حياتهم اليومية باتت رهينة صراعات داخلية تُدار بلا اعتبار لسلامتهم.. والأخطر أن هذه السياسة تساهم في ترسيخ ثقافة العنف بوصفها وسيلة طبيعية لحسم الخلافات، ليس داخل المليشيا فحسب، بل في المجتمع عمومًا.
ويشير ناشطون ومحللون إلى أنه مع مرور الوقت يتطبع هذا السلوك في الوعي الجمعي، ما يُضعف القيم المدنية ويقوّض فرص الاستقرار، ويجعل منطق القوة والتصفية هو المرجعية السائدة بدل القانون والمؤسسات.
انقسامات مستمرة
يكشف أسلوب الاغتيال بالحوادث عن جانب بالغ الخطورة في طريقة إدارة الصراع داخل مليشيا الحوثي، إذ يسلّط الضوء على بنية داخلية مأزومة، تعجز عن احتواء تناقضاتها عبر أدوات تنظيمية أو سياسية، وتلجأ بدلًا من ذلك إلى العنف الخفي بوصفه حلًا نهائيًا للخلافات.
ورغم محاولات المليشيا الدائمة إظهار التماسك والقوة، فإن هذه الممارسات تفضح هشاشة عميقة، وتكشف أن ما يُقدَّم كتماسك ليس سوى قشرة تخفي صراعات محتدمة تحت السطح.
ومع تصاعد وتيرة هذه الأساليب، تتعزز المؤشرات على أن المليشيا الإرهابية باتت غير قادرة على ضبط توازناتها الداخلية إلا عبر الإقصاء الصامت والتصفية غير المعلنة، وهو مسار لا يعكس قوة بقدر ما يعكس خوفًا من الانفجار الداخلي، وسعيًا لتأجيل المواجهة بين الأجنحة المتصارعة، ولو على حساب الثقة والانضباط والاستقرار الداخلي.
يؤكد مراقبون أن استمرار هذا النهج ينذر بمزيد من التفكك داخل صفوف المليشيا، بل ويعمّق حالة العنف والفوضى في المناطق المنكوبة بالمليشيا، ويجعل المجتمع شريكًا قسريًا في دفع ثمن صراعات داخلية بين قيادات المليشيا، مشيرين إلى أن أسلوب الاغتيال بالحوادث لا يقل خطورة عن الحرب التي أشعلتها، بل قد يكون أكثر تهديدًا على المدى البعيد، فهو صراع يأكل من الداخل، ويقوّض أي ادعاء بالتماسك أو السيطرة، ويضع الجماعة أمام مستقبل مثقل بالانقسامات، لا يمكن تجاوزه.
