الممر البديل عبر اليمن: الجغرافيا المعطّلة بين هرمز وباب المندب

  • أ.د. عبدالوهاب العوج*
  • منذ ساعة

تعيد الحرب و التوترات العسكرية الحالية في منطقة الخليج العربي و محاولة ايران غلق مضيق هرمز طرح سؤال استراتيجي قديم حول بدائل تصدير الطاقة في الخليج، فمنذ الثمانينيات، عملت السعودية على تطوير خط أنابيب "شرق-غرب" في ميناء ينبع على البحر الأحمر لتجاوز معضلة مضيق هرمز الذي تبلغ قدرته التصديرية لحوالي سبعة مليون برميل نفط يوميًا، بينما وفرت الإمارات عبر خط "حبشان-الفجيرة" منفذاً مباشراً على بحر العرب، في إدراك مبكر لمخاطر الاعتماد على الممرات الضيقة في أوقات الأزمات. في هذا السياق، تبرز الجمهورية اليمنية كخيار جغرافي استثنائي يمكن أن يعيد تشكيل معادلة نقل الطاقة في المنطقة، إذ تتحكم اليمن بمدخل بحري بالغ الأهمية هو باب المندب، وتمتد سواحلها على بحر العرب وخليج عدن، ما يمنحها موقعاً وسيطاً بين منابع الطاقة في الخليج والأسواق العالمية في آسيا وأوروبا، غير أن هذه الميزة تظل حتى اللحظة "كامنة" بفعل غياب الدولة المستقرة القادرة على تحويل الجغرافيا إلى قوة اقتصادية فاعلة.

تتضح أهمية المناطق الشرقية من اليمن، خاصة حضرموت والمهرة، كمسارات محتملة لمد خطوط أنابيب النفط والغاز من دول الخليج العربي، حيث تتميز هذه المناطق بامتدادها الصحراوي وانخفاض كثافتها السكانية، ما يجعلها أكثر ملاءمة فنياً واقتصادياً لمشاريع البنية التحتية الكبرى مقارنة بالمناطق الجبلية في شمال اليمن. ويمكن في هذا السياق تصور شبكة أنابيب تمتد من شرق السعودية أو من الإمارات وربما قطر باتجاه سواحل بحر العرب، لتفتح مسارات مباشرة نحو أسواق جنوب شرق آسيا، أو تتجه غرباً عبر الأراضي اليمنية نحو البحر الأحمر.

لكن هذا التصور، رغم وجاهته الجغرافية، يصطدم بواقع أمني معقد. ففي ظل نشاط ميليشيات الحوثي، يشهد البحر الأحمر وخليج عدن تهديدات متزايدة للملاحة الدولية، مما يضعف مباشرة فرص تحويل اليمن إلى ممر آمن للطاقة، فالمشاريع الاستراتيجية طويلة الأمد، كخطوط الأنابيب العابرة للحدود، لا يمكن أن تُبنى في بيئات غير مستقرة أمنياً، ولا في ظل تعدد مراكز القوة وغياب الاحتكار السيادي لاستخدام العنف ووجود المليشيات الحوثية المهددة للملاحة الدولية و الاستقرار في اليمن والمنطقة.

يتجاوز التحدي البعد الأمني إلى البعد السياسي، حيث تتطلب مثل هذه المشاريع وجود دولة يمنية موحدة وقادرة على إبرام اتفاقيات دولية طويلة الأمد، وتقديم ضمانات قانونية وسيادية للشركاء الإقليميين والدوليين، وهو ما يفتقده اليمن في مرحلته الراهنة. كما أن نجاح هذا النموذج يستلزم توافقاً استراتيجياً بين دول الخليج العربي نفسها، وهو أمر تحكمه حسابات معقدة تتعلق بالتنافس، وتوزيع النفوذ، وأولويات الأمن القومي.

وعلى المستوى الاقتصادي، فإن تحويل اليمن إلى ممر طاقة إقليمي يتطلب استثمارات ضخمة تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات، تشمل إنشاء خطوط أنابيب، وموانئ تصدير، ومناطق تخزين، وشبكات نقل برية، إضافة إلى منظومات حماية متقدمة، ورغم أن تكلفة مد خطوط الأنابيب العابرة للحدود قد تبدو مرتفعة مقارنة بالنقل البحري المباشر عبر الخليج، إلا أن دراسات الأمن الطاقوي تشير إلى أن مردودها الاستراتيجي – في تجنب مخاطر الإغلاق أو التأمين البحري المرتفع – يفوق التكلفة الرأسمالية في سيناريوهات الأزمات الممتدة. وهذا يفتح الباب أمام شراكات خليجية–دولية مع شركات الطاقة الكبرى، ويمكن أن ينعكس إيجاباً على الاقتصاد اليمني من خلال خلق فرص عمل، وتعزيز الإيرادات السيادية، والمساهمة في إعادة الإعمار، غير أن هذه الفوائد تظل رهينة بتحقق شرط الاستقرار.

وإذا ما نظرنا إلى تجارب دولية مماثلة، نجد أن تركيا نجحت في التحول إلى ممر رئيسي لنقل الطاقة بين آسيا وأوروبا رغم بيئة إقليمية معقدة، كما استطاعت مصر توظيف موقعها الجغرافي عبر قناة السويس لتصبح أحد أهم ممرات التجارة العالمية، وهو ما يؤكد أن الجغرافيا وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى دولة قوية ومؤسسات مستقرة وإرادة سياسية واضحة.

إن تهديد الملاحة في باب المندب لا يعرقل فقط التجارة الدولية، بل يقوض أيضاً إمكانية تفعيل "الخيار اليمني" كممر بديل، بل يمكن القول إن استمرار التهديد في باب المندب يعمّق معضلة اليمن ذاتها: ففي الوقت الذي يبرز فيه الحاجة إلى بديل آمن، يؤدي انعدام الأمن ذاته في البحر الأحمر إلى تقويض فرصة تحويل اليمن إلى ذلك البديل، مما يعيد إنتاج الاعتماد على المسارات التقليدية رغم مخاطرها.

وعليه، فإن الحرب في منطقة الخليج العربي لا تفتح تلقائياً نافذة لليمن بقدر ما تكشف عن "إمكانية جيوسياسية كامنة". هذه الإمكانية مشروطة بثلاثة عوامل متلازمة: استعادة الدولة اليمنية لوحدتها واستقرارها، وتحقق توافق إقليمي بين دول الخليج العربي حول مشاريع التكامل، وتوفير ضمانات أمنية دولية لحماية الممرات والبنية التحتية، وهكذا، تظل الجغرافيا اليمنية رهينة السياسة؛ فطالما ظلت الدولة غائبة، سيبقى الموقع الاستراتيجي مجرد إمكانية نظرية، لا قوة فاعلة في معادلات الطاقة الإقليمية، دون ذلك، ستبقى الجغرافيا اليمنية ميزة معطّلة في قلب واحدة من أهم مناطق الطاقة في العالم.

 

* أ.د. عبدالوهاب العوج أكاديمي ومحلل سياسي يمني

جامعة تعز

ذات صلة