لماذا يشارك الحوثي في الحرب الآن؟

  • أ.د.عبدالوهاب العوج*
  • منذ ساعتين

يعكس انخراط مليشيات الحوثي في التصعيد المرتبط بالمواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، توقيتًا محسوبًا يعبر عن طبيعة الدور الوظيفي الذي تؤديه الجماعة داخل منظومة النفوذ الإقليمي الإيراني، أكثر مما يعكس تحولًا حقيقيًا في ميزان القوة أو القدرة على التأثير العسكري المباشر، وهو ما تجلى في إطلاق صاروخ باتجاه إسرائيل يوم السبت 28 مارس 2026، كفعل رمزي محسوب ضمن سياق أوسع من إدارة الصراع.
لا يمكن فصل هذا السلوك عن نمط استراتيجي تتبعه طهران في إدارة صراعاتها الإقليمية، يقوم على توزيع الأدوار بين مجموعة من الفاعلين غير الدولتيين، بحيث يتم تشغيل جبهات متعددة بدرجات متفاوتة من التصعيد، دون الوصول إلى مواجهة شاملة، وهو نمط يتكرر بوضوح عند مقارنة الحالة اليمنية بنظيرتيها في لبنان والعراق، حيث تتكامل الأدوار ضمن شبكة نفوذ واحدة مع اختلاف الأدوات والسقوف العملياتية.
وفي الساحة اللبنانية، يمثل حزب الله النموذج الأكثر اكتمالًا لهذا الدور، إذ يمتلك قدرات عسكرية وتنظيمية متقدمة، ويعمل ضمن معادلة دقيقة تجمع بين الردع المحسوب والتصعيد المحدود، بما يخدم الاستراتيجية الإيرانية دون أن يجر لبنان إلى حرب مفتوحة إلا بقرار مركزي، وقد ظهر ذلك في نمط الاشتباك الحدودي مع إسرائيل الذي ظل مضبوطًا ضمن قواعد اشتباك تمنع الانفجار الشامل.
أما في العراق، فإن فصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران تقدم نموذجًا مختلفًا من حيث البنية، لكنه متشابه من حيث الوظيفة، إذ تعمل هذه الفصائل على استهداف المصالح الأمريكية في العراق ضمن عمليات متقطعة ومدروسة، تهدف إلى إبقاء الضغط قائمًا دون تجاوز الخطوط التي قد تستدعي ردًا أمريكيًا واسعًا يهدد بنيتها أو يحرج الحكومة العراقية، وهو ما تؤكده تقارير مراكز الدراسات الغربية التي تشير إلى نمط “الاستنزاف منخفض الحدة” كإطار حاكم لهذا السلوك.
ضمن هذا السياق المقارن، يظهر الحوثي كحلقة ثالثة في هذه المنظومة، لكنه الحلقة الأقل من حيث القدرات العسكرية المباشرة، والأكثر اعتمادًا على البعد الدعائي والسياسي، حيث يسعى من خلال استهداف إسرائيل إلى تحقيق مكاسب رمزية تعزز حضوره في الوعي الجمعي العربي والإسلامي، وتعيد إنتاج شرعيته الداخلية، خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة في مناطق سيطرته.
يرتبط توقيت هذا التحرك بحسابات دقيقة، إذ تأخر الحوثي في الانخراط منذ بداية التصعيد في 28 فبراير، وهو تأخير يعكس إدراكًا لمحدودية قدرته على تحمل كلفة الرد، قبل أن يقدم على خطوة محسوبة ذات طابع رمزي، تهدف إلى تسجيل موقف سياسي أكثر من تحقيق أثر عسكري، في إطار ما يمكن توصيفه بحرب الرسائل، حيث تُستخدم الضربات المحدودة كأدوات تواصل استراتيجي بين الأطراف المتصارعة.
في هذا المستوى، تتقاطع الأدوار بين الحوثي وحزب الله وفصائل الحشد الشعبي عند نقطة أساسية تتمثل في أن القرار الاستراتيجي العام لا يُصنع محليًا بشكل كامل، بل يُدار ضمن شبكة إقليمية تقودها إيران، مع وجود هامش تكتيكي لكل فاعل يسمح له بمراعاة خصوصية ساحته الداخلية، دون الخروج عن الإطار العام للاستراتيجية، وهو ما تؤكده دراسات العلاقات الدولية حول سلوك الفاعلين من غير الدول في بيئات الصراع المركب.
غير أن الاختلاف الجوهري يكمن في طبيعة الأدوات، حيث يمتلك حزب الله قدرة ردع صاروخي متقدمة، ويستفيد الحشد الشعبي من عمق جغرافي وسياسي داخل الدولة العراقية، بينما يعتمد الحوثي على الجغرافيا البحرية كأداة ضغط رئيسية، من خلال تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، وإمكانية التأثير على مضيق باب المندب، وهو ما يمنحه أهمية استراتيجية تتجاوز وزنه العسكري المباشر.
تمثل هذه الورقة البعد الأخطر في الدور الحوثي، لأنها تتجاوز الإطار المحلي إلى التأثير في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، حيث يمر جزء كبير من التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، غير أن تفعيلها بشكل واسع يظل مرتبطًا بحسابات إيرانية دقيقة، لأن تعطيل الملاحة الدولية سيؤدي إلى استدعاء رد دولي مباشر قد يعيد تشكيل قواعد الاشتباك في كامل الإقليم، كما تشير إليه تجارب سابقة في أمن الممرات البحرية.
من هنا يمكن فهم التحرك الحوثي الحالي باعتباره جزءًا من استراتيجية التصعيد المحسوب، التي تقوم على رفع مستوى التوتر عبر جبهات متعددة دون الانزلاق إلى حرب شاملة، مع الحفاظ على القدرة على التراجع أو ضبط الإيقاع عند الضرورة، وهو النموذج ذاته الذي يحكم سلوك حلفاء إيران في ساحات أخرى، مع اختلاف في الأدوات والسياقات.
في المحصلة النهائية، لا يعكس هذا الانخراط تحولًا جوهريًا في ميزان الحرب، بقدر ما يعكس إعادة توزيع للأدوار داخل شبكة النفوذ الإيرانية، حيث يتم توظيف كل ساحة وفق ميزاتها الجغرافية والسياسية، بما يحقق هدفًا مركزيًا يتمثل في استنزاف الخصوم ورفع كلفة المواجهة، مع تجنب الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل، وهو ما يجعل المرحلة القادمة مفتوحة على سيناريوهات تصعيد محدود ومدروس، أكثر من كونها مقدمة لحرب إقليمية واسعة وكذلك رسالة للداخل اليمني لمزيد من التحشيد الجماهيري الداخلي والاستعداد لحرب قادمة مع الجيش اليمني التابع للحكومة الشرعية.

*أكاديمي ومحلل سياسي يمني ـ جامعة تعز

ذات صلة