المقاومة الوطنية… بين البندقية والرؤية السياسية

منذ ساعتين

تحلّ علينا الذكرى الخامسة لتأسيس المكتب السياسي للمقاومة الوطنية، ذلك الكيان الذي وُلد من رحم البارود ومن أفواه بنادق الأبطال في ميادين العزة والكرامة على امتداد الساحل الغربي. ومنذ انطلاقته في 25 مارس 2021، قدّم هذا الذراع السياسي معادلة استثنائية في المشهد اليمني، حين جمع بين الفعل الميداني الواثق والرؤية السياسية الواضحة في لحظة كانت فيها البلاد بأمسّ الحاجة إلى مشروع وطني يعيد ترتيب الأولويات ويوحّد الجهود نحو استعادة الدولة.

لم يكن تأسيس المكتب السياسي محطة عابرة في مسار الأحداث، بقدر ما كان منعطفًا مفصليًا أعاد تعريف طبيعة النضال الوطني؛ إذ انتقل النضال من مجرد مواجهة عسكرية إلى مشروع وطني متكامل يربط بين البندقية كأداة للدفاع عن الجمهورية، والرؤية السياسية كإطار لإدارة المعركة وبناء المستقبل. ومن هنا اكتسب مشروعيته وقوته، بوصفه نتاجًا مباشرًا لتضحيات الميدان، لا انعكاسًا لشعارات نظرية منفصلة عن الواقع.

خلال خمس سنوات، استطاع المكتب السياسي، بقيادة مؤسِّسه الفريق الركن طارق محمد عبدالله صالح، أن يرسّخ هذه المعادلة على الأرض، وأن يبني قاعدة جماهيرية واسعة مدفوعة بخطاب وطني واقعي يعكس تطلعات اليمنيين وآمالهم في استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي. ولم يقتصر حضوره على كونه إطارًا إداريًا أو تنظيمًا سياسيًا جديدًا، بل تحوّل إلى حالة وطنية فاعلة تجمع بين التأثير في الوعي العام والحضور المباشر في ميادين النضال.

على المستوى السياسي، قدّم نموذجًا للعمل المتوازن، يجمع بين الثبات على المبادئ والانفتاح على الشراكات مع مختلف القوى الوطنية، إدراكًا منه أن استعادة الدولة لا يمكن أن تتحقق إلا بتضافر الجهود وتكامل الأدوار. وقد مكّنه هذا النهج من ترسيخ حضوره في دوائر القرار والمشاركة في صياغة مواقف تعكس روح المرحلة وتعقيداتها، في الداخل والإقليم، بوصفه تكتلًا سياسيًا جمهوريًا لا يمكن القفز عليه أو تجاهله.

وفي الميدان، ظل المكتب السياسي وفيًّا لجذوره الأولى؛ حاضرًا على خطوط التماس، وشريكًا أساسيًا في الدفاع عن النظام الجمهوري، وفاعلًا رئيسيًا في مواجهة مشروع الانقلاب الحوثي والتمدد الإيراني في اليمن. وهنا تتجلى بوضوح معادلة «البندقية والرؤية»، حيث تبقى كل التضحيات الميدانية متصلة بهدف سياسي واضح، ويجري توجيه وفق استراتيجية معلنة تحدد بوصلة الاتجاه وتمنع الانحراف عن الهدف الوطني.

ولم يتوقف دوره عند حدود الجبهات، بل امتد إلى المجتمع من خلال الحضور المتواصل إلى جانب المواطنين، والإسهام في تعزيز الأمن والاستقرار في المناطق المحررة، وتنفيذ أنشطة إنسانية وتنموية بالتعاون مع شركاء محلين وإقليميين.ويعكس ذلك فهمًا أعمق لمعنى النضال بوصفه مسؤولية شاملة تتجاوز ميادين القتال إلى خدمة الإنسان وصون كرامته، بما يرسّخ الثقة بين المقاومة ومحيطها الاجتماعي.

إن جوهر تجربة المكتب السياسي للمقاومة الوطنية يكمن في مشروعه الوطني الواضح: الدفاع عن الجمهورية، والحفاظ على وحدة النسيج الوطني، وإنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة وعاصمتها صنعاء، ورفض كل أشكال التطرف والعنصرية والمناطقية. وفي إطار هذا المشروع يتبنّى المكتب رؤية سياسية حديثة تؤمن بالدولة المدنية، والعدالة، والمواطنة المتساوية، في انسجام مع تطلعات اليمنيين إلى دولة عصرية تحترم حقوقهم وتضمن مشاركتهم في صناعة المستقبل.

وخلاصة هذه السنوات الخمس تؤكد أن المكتب السياسي للمقاومة الوطنية لم يكن طارئًا على المشهد، بل ضرورة أفرزتها تعقيدات المرحلة وتوازناتها. وقد أثبت نفسه رقمًا صعبًا في المعادلة اليمنية، قادرًا على الجمع بين صلابة الميدان ومرونة السياسة، ومؤهّلًا للاضطلاع بدور محوري في صياغة ملامح اليمن الجمهوري في قادم الأيام.

اليوم، ومع دخوله عامه السادس، يواصل المكتب السياسي مسيرته بثبات وعزيمة، متمسكًا بالمعادلة التي شكّلت جوهر حضوره: بندقية تدافع عن الجمهورية، ورؤية سياسية ترسم مسار اليمن الجمهوري الجديد.