الفريق طارق صالح وإعادة تعريف معركة استعادة الدولة اليمنية
في لحظة فاصلة من مسار الصراع اليمني، جاءت تصريحات نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الفريق الركن طارق صالح، خلال ترؤسه الاجتماع الموسع لقيادات قوات المقاومة الوطنية، لتعكس رؤية استراتيجية متكاملة وتعيد تعريف مهمة التشكيلات العسكرية الجمهورية ودورها في الواجب الوطني.
لقد شكّل ذلك الاجتماع الذي أدارَه الفريق طارق صالح محطة تنظيمية مفصلية لإعادة هيكلة الأداء العسكري والإداري، وبناء قاعدة عملياتية أكثر تماسكًا واستعدادًا للمرحلة المقبلة. حيث شدّد على أن هذه المرحلة تستلزم "انتقالًا نوعيًا" في أساليب العمل وتوحيد الجهود الوطنية، بما يضمن موقفًا ميدانيًا وسياسيًا متماسكًا قادرًا على مواجهة التحديات والمتغيرات الداخلية والإقليمية بكفاءة عالية.
وفي جوهر هذه الرؤيه، أعاد الفريق الركن طارق صالح التأكيد على مفهوم القوات المسلحة اليمنية بوصفها مؤسسة وطنية، لا مجرّد تشكيل قتالي أو قوة موازنة داخل الساحة اليمنية. فـ"القوات المسلحة"، في تصوره، هي التي تؤدي واجبها الوطني من منظور جمهوري شامل، يستند إلى التوازن والمسؤولية، ويجمع بين الحسم في مواجهة الحوثيين والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية والأمن المحلي. وتكون في الوقت ذاته أحد أعمدة تثبيت الدولة وإعادة بنائها في مرحلة ما بعد النصر.
يمثل توحيد الصف الوطني أحد أهم مرتكزات هذه الرؤية، باعتباره الشرط الحاسم لأي مشروع هادف لاستعادة الدولة. فالمعركة، كما يراها الفريق طارق صالح، ليست بين مكونات سلطة أو أطراف نفوذ، بل بين مشروع جمهوري يسعى لبناء الدولة، ومشروع إمامي يعمل لهدمها. ومن هنا، تأتي دعوته الدائمة لتجاوز الانقسامات السياسية والمناطقية التي أضعفت القوى الجمهورية وأطالت أمد الحرب، مؤكداً أن وحدة القوى الوطنية هي مفتاح النصر الحقيقي.
ويؤكد حديث الفريق طارق صالح عن "المعركة الكبرى" لتحرير الشمال واستعادة صنعاء عن عمق استراتيجي يتجاوز الجانب العسكري المباشر، ليركز على التأسيس لمشروع وطني متكامل قادر على إدارة العاصمة ومناطق الشمال بعد التحرير، وضمان الاستقرار ومنع عودة دورات الفوضى والانتقام. فالنصر، في رؤيته، لا يتحقق بمجرد دخول صنعاء فقط، بل حين تصبح العاصمة مركز إدارة فاعلٍ لكل اليمنيين، ومصدر استقرار دائم للدولة. يربط بين النصر العسكري وقدرة القيادة العليا على إدارة نتائجه بعد مرحلة الحسم كجزء أساسي من معادلة النصر وبقاء الدولة.
وفي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، تأتي رؤية الفريق طارق صالح كمحاولة واعية لإعادة ترتيب أولويات المشهد اليمني ضمن السياقات الأوسع. فمشروع استعادة الدولة لم يعد هدفًا محليًا فحسب، بل أصبح مرتبطًا بمصالح الأمن الإقليمي وأمن البحر الأحمر واستقرار الممرات الدولية. ومن ثمّ، فإن أي رؤية ناجحة يجب أن تجمع بين إدراك مسؤولياتها الوطنية وقدرتها على التواصل الإيجابي مع المحيط العربي والدولي.
ختاما إن ما يقدمه الفريق الركن طارق صالح لا يمكن اعتباره مجرد موقف سياسي أو خطاب تعبوي طارئ، بل هو مشروع وطني متكامل لإعادة تعريف معركة استعادة الجمهورية.
وتنقل الصراع من منطق الحرب المفتوحة إلى منطق بناء الدولة، ومن الاعتماد على القوة المجردة إلى تبني معادلة التكامل بين السياسة والإدارة والتحالفات الوطنية ودعوة صادقة وصريحة لولادة جمهورية يمنية جديدة يكون النصر فيها بداية مشروع وطني جامع، لا مجرد نهاية لمعركة عسكرية، وعيدكم مبارك وكل عام وبخير ومنصورين بعون الله .