سلام لروح عبرت.. ولم تغادر

  • عبدالله القاضي
  • منذ ساعة

في "تعز"، المدينة التي علّمت اليمنيّ كيف يقرأ الأبجدية قبل أن يتعلم كيف يمسك البندقية، لم يعد الموت يأتي بضجيج المدافع فحسب، بل صار يتسلل ببرودة "كاتم الصوت" ليقطف أجمل الأزهار في عزّ تفتحها. رحل الشاب عبدالصمد القاضي، لا في خندق مواجهة، ولا بصدفة طائشة، بل باغتيالٍ مدروس استهدف قلبه الذي لم يحمل يوماً غير الحب والكلمة الطيبة.
خمسُ طعناتٍ في خاصرةِ الضوء
خمسُ رصاصاتٍ، لم تكن مجرد مقذوفاتٍ من رصاص، بل كانت خمس خناجر غُرست في صدر "تعز" الحالمة. الى داخل متجره الصغير، حيث كان يغزل رزق طفليه (عزت وبيسان) بعرق الجبين وشرف الكفاح، وقف القاتل الذي تجرد من إنسانيته ليصبّ حقده بدمٍ بارد.
كيف طاوعت السبابةُ تلك الروح المظلمة أن تضغط الزناد؟ وكيف لم يرتجف الجاني وهو يرى في عيني عبدالصمد لمعة الحياة، وبقايا ابتسامة كانت تنتظر العودة إلى المنزل لتوزع القبلات على وجنات الصغار؟
خلف هذا الرحيل المرّ، تكسرت مرآة الدار. هناك زوجةٌ لم تصدق بعد أن رنين المفاتيح في الباب لن يتكرر، ووالدان تتفطر أرواحهما كمداً على ثمرة فؤادهما التي سُرقت في ريعان الصبا. أما "عزت وبيسان"، فهما اليوم يواجهان أكبر أسئلة الوجود: "لماذا غاب الذي كان يجلب لنا الفرح؟". لقد تحول انتظارهما على عتبة الدار إلى حنينٍ أبدي، وسؤالٍ مرّ سيكبر معهما: بأي ذنبٍ قُتل أبونا وهو يوزع السلام بكلماته، ويحصد الرزق بكدّ يمينه؟
إن الفاجعة ليست في فقدان عبدالصمد فحسب، بل في الحال الذي آلت إليه المدينة التي كانت يوماً عاصمةً للثقافة والمدنية. تعز اليوم تبدو "مختطفة" في قبضة عصابات الجريمة المنظمة، ورهينةً لسلاحٍ منفلت يغتال الأحلام تحت جنح الظلام وفي وضح النهار.
أين هي السلطات الأمنية؟ وأين هي هيبة الدولة التي تتآكل تحت أقدام الفوضى؟ إن "كاتم الصوت" الذي أزهق روح القاضي، هو ذاته الذي يكتم أنفاس المدينة، ويحولها من مختبرٍ للعلم إلى مسرحٍ للجريمة، حيث يسود قانون الغاب وتُذبح البراءة من الوريد إلى الوريد.
لقد خيّم الحزن على تعز، وغطى سوادُ الفقد جبالها وصبرها، لكن هذا الحزن يجب ألا يكون طقساً بارداً ينتهي بانتهاء العزاء. إن دم عبدالصمد القاضي هو صرخة في وجه كل من بيده قرار ولم يتحرك، وفي وجه كل جهازٍ أمني سمح لهذه الوحوش أن تتجول في الشوارع بكل هذا الصلف.
تعز لن تستعيد عافيتها بالوعود المؤجلة، بل باجتثاث جذور الإجرام التي استباحت دماء الشيوخ والشباب والأطفال. إننا اليوم لا نودع صحفياً فحسب، بل نودع جزءاً من طمأنينتنا، ونقف أمام اختبارٍ أخلاقي ووطني: إما أن ننتصر لدم القاضي ونستعيد مدينتنا من مخالب القتلة، أو نتركها لتصبح "مقبرة كبرى" لكل من يجرؤ على الحلم.
سلامٌ لروحك يا عبدالصمد، وخالص العزاء لقلوبٍ خلفك لن تبرأ من هذا الجرح إلا بالعدالة.. والعدالة فقط.
 

ذات صلة