في معادلة هرمز وباب المندب.. هل يصبح اليمن بوابة الخليج العربي إلى المحيط الهندي؟
لم يعد اليمن يقع على هامش معادلة الأمن الإقليمي في الخليج العربي، بل أصبح في قلبها الجغرافي والاستراتيجي، وأي قراءة لأزمة إغلاق مضيق هرمز أو التصعيد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها الإقليمية من جهة أخرى، تبقى قراءة ناقصة إذا تجاهلت الموقع اليمني، سواء من زاوية الأمن البحري أو من زاوية بدائل الطاقة.
ترتبط أهمية اليمن بالأزمة الحالية من خلال الجغرافيا البحرية، فاليمن يشرف على باب المندب الذي يمر عبره جزء مهم من تجارة العالم ونسبة مؤثرة من صادرات النفط القادمة من الخليج العربي نحو أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، بينما يمثل مضيق هرمز المنفذ الرئيسي لصادرات دول الخليج العربي نحو آسيا، خصوصاً الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن ما يقارب عشرين مليون برميل يومياً كانت تمر عبر مضيق هرمز خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يمثل قرابة خُمس الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، ما يجعل أي إغلاق أو تهديد للمضيق أزمة عالمية مباشرة.
المشكلة أن إيران سعت لعقود إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن امتلاكها أوراق ضغط إضافية عبر أذرعها الإقليمية، ومنها الحوثيون في اليمن، يمنحها قدرة على تهديد مسارين بحريين في آن واحد، مضيق هرمز شرقاً، وباب المندب غرباً، وهو ما ظهر بوضوح من خلال الهجمات الحوثية على السفن التجارية في البحر الأحمر، وما استدعى عمليات بحرية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وشركاؤها الدوليون لحماية الملاحة الدولية.
هنا يبرز اليمن كقضية تتجاوز الحرب الداخلية، فاستمرار الانقسام اليمني يعني بقاء الساحل الطويل الممتد على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب منطقة رخوة يمكن استغلالها من قبل الجماعات المسلحة أو القوى الإقليمية، وهو ما يرفع كلفة التأمين البحري ويهدد سلاسل الإمداد الدولية.
أما السؤال الأهم، هل يمكن أن يكون اليمن بديلاً استراتيجياً لدول الخليج العربي؟
نظرياً نعم، وبدرجة كبيرة للغاية.
يمتلك اليمن شريطاً ساحلياً واسعاً على بحر العرب والمحيط الهندي، خصوصاً في محافظتي حضرموت والمهرة، وهذه المنطقة تمنح دول الخليج العربي منفذاً مباشراً نحو الأسواق الآسيوية دون المرور عبر مضيق هرمز، وتمتلك هذه المناطق في شرق اليمن طبيعة طبوغرافية وجيولوجية ملائمة وسهلة التضاريس ووجود سكاني بسيط ونادر مما يساعد في نجاح مشروع مد أنابيب النفط والغاز والطرق البرية السريعة وانشاء موانئ للتصدير والاستيراد.
الفكرة ليست جديدة، فقد طرحت المملكة العربية السعودية منذ عقود مشاريع مرتبطة بمد أنابيب نحو بحر العرب لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، كما أن الإمارات العربية المتحدة أنشأت بالفعل خط أنابيب يصل إلى ميناء الفجيرة لتجاوز جزء من مخاطر المضيق، لكنه لا يحل المشكلة بالكامل لأن الفجيرة تظل ضمن نطاق التهديد الإقليمي في حال اتساع الحرب.
هنا يصبح شرق اليمن أكثر أهمية لعدة أسباب، لأنه يوفر مسافة بحرية أقصر نحو المحيط الهندي المفتوح، ويتيح إمكانية إنشاء موانئ تصدير عملاقة في المهرة أو حضرموت، كما يسمح مستقبلاً بمد خطوط نفط وغاز من المملكة العربية السعودية وربما من بقية دول الخليج العربي، وتحويل اليمن إلى عقدة لوجستية للطاقة والصناعات البتروكيماوية، وتقليل قدرة إيران على ابتزاز المنطقة عبر المضائق البحرية.
لكن هذا السيناريو يواجه تحديات كبيرة، في مقدمتها غياب الدولة اليمنية المستقرة، واستمرار سيطرة الحوثيين المدعومين من إيران على أجزاء واسعة من شمال البلاد، إضافة إلى تعقيدات النفوذ الإقليمي داخل المحافظات الشرقية، والحاجة إلى استثمارات ضخمة بمليارات الدولارات، فضلاً عن تحديات حماية خطوط الأنابيب الممتدة عبر مساحات صحراوية وقبلية واسعة، في ظل تصاعد التنافس الدولي في المحيط الهندي بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية والهند.
وتؤكد تجارب العالم أهمية البحث عن بدائل جغرافية آمنة، فقد اعتمدت روسيا على موانئ بديلة بعد أزماتها الأوروبية، كما أُنشئ خط باكو تبليسي جيهان لتجاوز مناطق التهديد الروسية والإيرانية، وسعت دول آسيا الوسطى بدورها إلى البحث عن منافذ بديلة بعيداً عن الاختناقات الجيوسياسية.
في الحالة اليمنية، لم يعد استقرار اليمن شأناً داخلياً فقط، بل أصبح جزءاً من أمن الطاقة العالمي، وأمن الخليج العربي، وأمن التجارة الدولية. وإذا أرادت دول الخليج العربي الخروج من معضلة الارتهان الكامل لمضيق هرمز، فإن الاستثمار في يمن مستقر ومتكامل اقتصادياً مع محيطه الخليجي قد يكون أحد أهم المشاريع الاستراتيجية خلال العقود القادمة.
المفارقة أن اليمن التي يُنظر إليه اليوم باعتباره عبئاً أمنياً، قد يتحول مستقبلاً إلى أحد أهم الحلول الجيوسياسية لدول الخليج العربي، وإذا أُحسن استثمار موقعه الجغرافي وثرواته وسواحله الممتدة على المحيط الهندي، فقد يصبح بالفعل بوابة الخليج العربي الجديدة نحو آسيا والعالم.