باب المندب.. حين تتحول صلاة العيد إلى رسالة سيادة وقوة

منذ ساعة

لم تكن صلاة عيد الأضحى التي أداها نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح في باب المندب حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل بدت أقرب إلى إعلان سياسي وعسكري ورمزي مدروس، يحمل رسائل تتجاوز حدود المناسبة الدينية إلى عمق المشهد اليمني والإقليمي والدولي.

ففي واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم، اختار طارق صالح أن يكون حاضرًا بين المقاتلين والأهالي وعلى تخوم الممر البحري الأهم عالميًا، في توقيت بالغ الدلالة، يأتي بعد أيام فقط من تدشين تشكيل بحري جديد يمتد نطاق عمله من باب المندب حتى زقر في البحر الأحمر.

هذا التزامن بين الحدثين يمنح الزيارة أبعادًا استراتيجية واضحة، ويكشف أن التحركات الأخيرة ليست منفصلة عن بعضها، بل تأتي ضمن رؤية متكاملة لإعادة تثبيت الحضور اليمني في البحر الأحمر وتعزيز معادلة الأمن والسيادة في الساحل الغربي.

أولًا: الدلالة السياسية.. تثبيت الحضور في قلب المعادلة
اختيار باب المندب لأداء صلاة العيد يحمل رسالة سياسية مباشرة مفادها أن هذه المنطقة ليست هامشًا جغرافيًا، بل مركز ثقل وطني وسيادي. 
فالظهور في باب المندب، في هذا الظرف تحديدًا، يعني التأكيد على أن الدولة والقوى الوطنية حاضرة في واحدة من أهم البوابات البحرية في العالم، وأن أي ترتيبات أمنية أو عسكرية في البحر الأحمر لا يمكن أن تتجاوز الدور اليمني. 
كما أن الزيارة تعكس رغبة واضحة في تقديم الساحل الغربي باعتباره نموذجًا للاستقرار والانضباط والجاهزية، في مقابل الفوضى والتهديدات التي تشهدها بعض المناطق الأخرى.

ثانيًا: الدلالة العسكرية.. انتقال من الدفاع الساحلي إلى الحضور البحري 
الرسالة العسكرية للزيارة تبدو أكثر وضوحًا عند ربطها بتدشين التشكيل البحري الجديد. 
فأداء صلاة العيد في باب المندب، بعد أيام من إطلاق قوة بحرية يمتد نطاق عملها حتى زقر، يعني عمليًا أن هناك انتقالًا من مفهوم “حماية الساحل” إلى مفهوم “إدارة وتأمين المجال البحري”. 
وهذا يعكس تحولات مهمة، أبرزها: 
• بناء قوة بحرية أكثر تنظيمًا واحترافية. 
• توسيع نطاق المراقبة والسيطرة البحرية. 
• رفع الجاهزية لحماية خطوط الملاحة الدولية. 
• تعزيز القدرة على مواجهة التهديدات في البحر الأحمر. 
كما أن الوجود الميداني لطارق صالح وسط القوات في هذا التوقيت يبعث برسالة تعبئة ورفع معنويات، تؤكد أن المرحلة القادمة تحمل أولوية بحرية واضحة ضمن معادلة الصراع والأمن الإقليمي.

ثالثًا: الدلالة الرمزية.. صلاة العيد على تخوم البحر الأحمر 
رمزية الحدث لا تقل أهمية عن أبعاده السياسية والعسكرية.
فأن تُقام صلاة العيد في باب المندب، بحضور قيادات عسكرية ومقاتلين ومواطنين، يعني أن هذه المنطقة لم تعد مجرد نقطة عسكرية، بل مساحة حياة وصمود وسيادة. 
المشهد بحد ذاته يحمل رمزية قوية: قائد عسكري وسياسي يؤدي صلاة العيد في واحدة من أكثر المناطق اشتعالًا وحساسية، بين المقاتلين، وعلى مقربة من أهم الممرات البحرية العالمية.

إنها رسالة تقول إن الأمن والاستقرار ليسا شعارات، بل حضور فعلي على الأرض. 
زقر والبحر الأحمر.. العمق الاستراتيجي الصامت 
الأهمية لا تتوقف عند باب المندب فقط، بل تمتد إلى ما وراءه، نحو زقر والبحر الأحمر. 
فالإعلان عن نطاق عمليات يمتد حتى زقر يكشف عن توجه لبناء حزام أمني بحري متكامل، يربط بين المضيق والجزر والمياه الإقليمية، ويمنح القوات البحرية قدرة أوسع على الرصد والتأمين والاستجابة.

وهذا يعني أن البحر الأحمر لم يعد مجرد مسرح مراقبة، بل أصبح محورًا استراتيجيًا تتحرك فيه معادلات الأمن والسيادة والنفوذ.

فصلاة العيد في باب المندب لم تكن مجرد أداء لشعيرة دينية، بل كانت رسالة دولة وسيادة وقوة. 
رسالة تقول إن باب المندب حاضر في قلب القرار الوطني، وإن البحر الأحمر أصبح جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن اليمني والإقليمي، وإن التحركات الأخيرة تعكس انتقالًا واضحًا نحو مرحلة جديدة عنوانها: تعزيز الحضور البحري، وترسيخ السيطرة، وإعادة رسم معادلات القوة في الساحل الغربي والبحر الأحمر.