وثيقة قبلية لإسقاط التمييز الطبقي.. هل يكتب مشايخ اليمن نهاية "العيب"؟

منذ ساعتين

أعادت قضية الشاب العمراني عابد المصرف إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية حساسية في المجتمع اليمني، وهي قضية التمييز الطبقي وما يترتب عليها من عوائق اجتماعية تحول دون إتمام بعض الزيجات، رغم استيفائها للشروط الشرعية والقانونية.

خلال الأيام الماضية تحولت القضية إلى حديث واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، وانقسمت الآراء بين مؤيد لحق الشاب في اختيار شريكة حياته وفق ما كفله الشرع ، وبين متمسك بموروثات اجتماعية ما زالت ترى في بعض الزيجات ما يُعرف بـ"العيب القبلي"، وهي نظرة يعتقد كثيرون أنها تتعارض مع مبادئ الدين الإسلامي وقيم المساواة التي نادت بها ثورة السادس والعشرين من سبتمبر.

وبعيداً عن الجدل الدائر حول تفاصيل القضية، فإن السؤال الأهم يتمثل في كيفية معالجة جذور المشكلة، لا الاكتفاء بمناقشة نتائجها كلما ظهرت حالة جديدة إلى العلن.

الحقيقة أن إنهاء هذه الظاهرة لا يمكن أن يتم عبر منشورات مواقع التواصل الاجتماعي وحدها، ولا من خلال ردود الفعل المؤقتة التي ترافق كل قضية، بل يحتاج إلى موقف مجتمعي واضح تقوده المرجعيات القبلية والاجتماعية الأكثر تأثيراً في المجتمع اليمني.

ومن هنا تبرز فكرة قد تشكل مدخلاً عملياً لمعالجة هذه الإشكالية، تتمثل في دعوة كبار مشايخ القبائل اليمنية المؤثرين من مختلف المكونات القبلية ، وفي مقدمتهم مشايخ حاشد وبكيل ومذحج وحمير وغيرهم، لعقد لقاء قبلي موسع يخصص لمناقشة قضية التمييز الطبقي وآثارها السلبية على النسيج الاجتماعي.

هذا اللقاء يمكن أن يخرج بوثيقة قبلية تاريخية تستند إلى الهدف الثاني من أهداف ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، والمتمثل في إزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات، وتؤكد بشكل واضح وصريح أن اليمنيين متساوون في الكرامة والحقوق، وأنه لا وجود لأي تمييز طبقي يبرر منع الزواج بين أبناء المجتمع اليمني ما دام مستوفياً لأحكام الشريعة الإسلامية.

إن صدور مثل هذه الوثيقة من كبار المرجعيات القبلية لن يكون مجرد بيان عابر، بل سيشكل مرجعاً اجتماعياً وقبلياً يمكن الاحتكام إليه مستقبلاً عند بروز أي قضايا مشابهة، كما سيمنح آلاف الشباب والفتيات غطاءً مجتمعياً يحمي حقوقهم المشروعة في الزواج بعيداً عن الأحكام المسبقة والتصنيفات الموروثة.

والأهم من ذلك أن هذه الخطوة ستفتح الباب أمام مراجعة كثير من المفاهيم التي ترسخت عبر عقود طويلة، رغم أنها لا تستند إلى نص شرعي صحيح ولا تنسجم مع قيم العدالة والمساواة التي جاء بها الإسلام.

لقد أثبتت التجارب أن الأعراف الاجتماعية يمكن أن تتغير عندما تتوافر الإرادة والقيادة المجتمعية القادرة على توجيه الرأي العام نحو ما يخدم وحدة المجتمع واستقراره.

واليوم تبدو الفرصة مواتية أمام مشايخ اليمن ووجهائها لتسجيل موقف تاريخي يضع حداً لإحدى أكثر القضايا الاجتماعية إثارة للجدل.

فربما تكون وثيقة قبلية شجاعة وواضحة هي البداية الحقيقية لإغلاق ملف التمييز الطبقي ، وترسيخ مبدأ أن التفاضل بين الناس لا يكون بالأصل أو النسب أو التصنيف الاجتماعي، وإنما بما يحمله الإنسان من دين وخلق وقيم وإنجاز.