ليلة القبض على الكباش!

منذ ساعة

مقال ساخر من وحي الواقع اليمني

في مديرية العشة بمحافظة عمران، لم يكن أحد يتوقع أن يتحول عشرون "كبشاً أبيض" إلى أخطر خلية مطلوبة للأجهزة الأمنية الحوثية، ولا أن تصبح شاحنة متجهة إلى مأرب مسرحاً لأعقد عملية استخباراتية منذ سنوات الحرب.

القصة بدأت ببساطة شديدة؛ أهالٍ بسطاء قرروا إرسال أضاحي العيد إلى أبنائهم وأقاربهم النازحين في مأرب. عشرون كبشاً أبيض، سمينة ومهيأة لاستقبال العيد بدل أن تستقبل ملفات التحقيق والمحاضر الأمنية.

لكن يبدو أن الكباش، في قاموس الجماعة، لم تكن مجرد أضاحٍ… بل مشروع مؤامرة عابرة للمحافظات.

ما إن تحركت الشاحنة حتى اشتغلت أجهزة الرصد والاستنفار. مخبرو المنطقة ـ أو كما يحب الناس تسميتهم "كلاب الصيد" ـ هرعوا لإبلاغ المشرف الأمني في المديرية المدعو حسن القاضي، بأن شحنة مشبوهة تتحرك باتجاه مأرب.

وبحسب الرواية الأمنية المتخيلة، فإن "خلية الكباش" كانت تحاول التسلل تحت غطاء إنساني مستفزةً مشاعر الجوعى والنازحين، ومتخفية بقرون بيضاء وصوف بريء.

المشرف الأمني لم يتردد. أصدر أوامره فوراً بتنفيذ كمين محكم، وانتشرت العناصر المسلحة على طول الطريق كما لو أنهم يطاردون أخطر تجار السلاح في المنطقة.

وفي عملية وُصفت لاحقاً بأنها "إنجاز أمني نوعي"، تم اعتراض الشاحنة ومحاصرة السائق واختطاف الكباش بنجاح باهر.
بلاغ العملية الذي رُفع إلى المحافظة تحدث بفخر عن:
"إحباط محاولة تهريب عناصر مشبوهة إلى مناطق العدو."
هكذا تحولت أضاحي العيد إلى "مضبوطات أمنية".

وصلت الشحنة إلى مكتب المدعو نايف أبوخرفشة في مركز المحافظة، لكن المفاجأة الصادمة كانت أن عدد الكباش لم يعد كما هو.

ثلاثة كباش اختفت!
هنا بدأ الرعب الحقيقي.
لم يعد الأمر مجرد قضية تهريب أضاحٍ، بل اختراق أمني خطير داخل المنظومة نفسها.

أبوخرفشة، وقد ارتسمت على وجهه ملامح القائد المصدوم، وجه بتشكيل لجنة تحقيق عاجلة لكشف مصير الكباش الثلاثة، وسط ترجيحات بأنها ربما فرت أثناء التحقيق، أو جرى "تهريبها" إلى بطون بعض النافذين.

وفي خضم هذه الأجواء المشحونة، وصلت برقية عاجلة من مكتب "السيد" تأمر بسرعة نقل "المضبوطين" إلى صعدة للتحقيق المباشر.

انطلقت الشاحنة مجدداً، لكن الطريق إلى صعدة كان طويلاً… وجائعاً.

وعندما وصلت الشحنة ليلاً، كانت الكارثة أكبر من المتوقع:
لم يبقَ سوى اثني عشر كبشاً فقط!
ثمانية كاملة تبخرت في الطريق، وكأن الأرض ابتلعتها، أو كأن نقاط التفتيش كانت تأخذ "رسوم عبور" من اللحم الحي.

المشرف الأمني في صعدة المدعو أبو يحيى الكربي كاد يفقد صوابه.
ثمانية كباش دفعة واحدة؟!
هذه ليست سرقة… هذه مجزرة وطنية !

أُعلنت حالة استنفار، وشُكلت لجان تحقيق، وبدأ البحث عن "العناصر الفارة" من القطيع.

لكن قبل أن تكتمل التحقيقات، وصل فريق خاص يحمل ورقة مكتوبة بخط اليد، قيل إنها بخط "السيد نفسه"، تأمر بإحضار ما تبقى من "خلية الكباش" إلى أعلى جبل مران، مع تغطية أعينها بأكياس سوداء وتقييد أرجلها وفحصها من أي أجهزة تجسس أو مجسات إلكترونية قد تكون مزروعة داخلها.
ولأن الطاعة العمياء لا تعرف المنطق، نفذت الأوامر فوراً.

وبعد نصف ساعة فقط، كان أبو يحيى الكربي قد أرسل آخر دفعة من "المضبوطات" إلى مران، ولم يتبقَّ من القطيع سوى خمسة كباش فقط، مرفقة برسالة ولاء خالدة كتب فيها:
"سيدي ومولاي…
أرسلت لكم شحنة المضبوطات كاملة،
من كبدي لروحي، ويهنا ما صطتوا يا سيدي،
وعيدكم مبارك مقدماً."

وختمها بتوقيع يفيض خشوعاً:
"خادمكم المطيع: أبو يحيى الكربي."
أما مصير الكباش الخمسة، فلا أحد يعرفه حتى اليوم.
لكن المؤكد أن العيد سيمرّ حزيناً على النازحين في مأرب…
وسعيداً جداً على موائد المشرفين الحوثيين !