بين مراهنة طهران على الوقت واختناق الرقائق والأسمدة.. الصراع الإيراني يدخل مرحلة الاضطراب المركب

  • عبدالمالك محمد، الساحل الغربي:
  • منذ 19 ساعة

بينما تتواصل المواجهة المرتبطة بإيران سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، تتزايد المؤشرات على أن العالم دخل مرحلة جديدة من الاضطراب المركب؛ مرحلة لا تقتصر تداعياتها على الملف النووي أو أمن الخليج، لتمتد إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحتى قدرة الحكومات الكبرى على إدارة الأزمات المتزامنة.

وفي قراءتين منفصلتين نشرهما كل من "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" و"مجلة ناشونال إنترست" تتكشف ملامح مقاربة جديدة للصراع مع طهران، تقوم من جهة على "الصبر الاستراتيجي" بدلاً من "الاستعجال الدبلوماسي"، ومن جهة أخرى على التحذير من انزلاق الاقتصاد العالمي نحو "أزمة متعددة الأطراف" بفعل الحرب واضطراب مضيق هرمز.

طهران تراهن على الوقت

في تحليله المنشور لدى معهد واشنطن، يرى الباحث "زوهار بالتي" أن إيران بنت استراتيجيتها التفاوضية مع الولايات المتحدة عبر عقود طويلة على مبدأ أساسي "استنزاف الوقت واستخدامه كسلاح سياسي".

وبحسب بالتي، فإن جولات التفاوض المتعاقبة، منذ عهد الرئيس الأمريكي الأسبق Barack Obama مروراً بإدارة Joe Biden ووصولاً إلى إدارة Donald Trump، عززت قناعة طهران بأن واشنطن، مهما رفعت مستوى الضغوط، لا ترغب في الانخراط بحرب شاملة وطويلة في الشرق الأوسط.

ويشير التقرير إلى أن إيران استثمرت هذا الإدراك لبناء ما يسميه "الصمود المنضبط"، حيث تتحول المفاوضات إلى وسيلة لكسب الوقت، وتخفيف الضغوط، وإطالة أمد الأزمات حتى تتغير الظروف الدولية أو تتراجع الإرادة السياسية الغربية.

ويستعيد الكاتب تجربة الاتفاق النووي لعام 2015، معتبراً أن طهران خرجت منها بخلاصة مفادها أن التفاوض الطويل والمراوغة السياسية يمكن أن ينتجا تنازلات أمريكية تدريجية، خصوصاً عندما يقترن ذلك بضغوط اقتصادية عالمية ومخاوف من التصعيد العسكري.

من الدبلوماسية السريعة إلى «الصبر الاستراتيجي»

يدعو بالتي الإدارة الأمريكية إلى تغيير قواعد اللعبة بالكامل، عبر الانتقال من سياسة البحث عن "اتفاق سريع" إلى استراتيجية "الصبر الاستراتيجي".

وتقوم هذه المقاربة وفق التقرير، على تقليل الخطاب العلني المرتبط بالمفاوضات، والإبقاء على قنوات خلفية هادئة، مع نقل عنصر الضغط الزمني من واشنطن إلى طهران.

ويرى الكاتب أن الولايات المتحدة تمتلك عناصر تفوق طويلة الأمد لا تتعلق فقط بالقوة العسكرية، بل أيضاً بالهيمنة المالية العالمية، وشبكات التحالف، وقدرتها على فرض ضغوط اقتصادية ممتدة دون استنزاف داخلي كبير.

ويقترح التقرير حزمة ضغوط متدرجة كتشديد الحصار البحري والرقابة على صادرات النفط الإيرانية، واستهداف شبكات الالتفاف على العقوبات عبر دول الجوار، وتضييق الخناق المالي على الوسطاء التجاريين وشركات الشحن والتأمين المرتبطة بطهران، والحفاظ على تهديد عسكري "موثوق" دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

وبحسب بالتي، فإن الهدف لا يتمثل في إسقاط النظام الإيراني فوراً، ولكن في إعادة تشكيل حساباته الاستراتيجية تدريجياً، ودفعه نحو تسوية طويلة الأمد، خصوصاً في الملف النووي.

الحرب تتجاوز النفط

لكن بينما يتركز الجدل السياسي حول النووي الإيراني والتوازنات العسكرية، يحذر تقرير آخر نشرته مجلة ناشونال إنترست من أن العالم قد يكون أمام أزمة اقتصادية أوسع وأكثر تعقيداً مما يبدو.

الباحث المتخصص في العقوبات والاقتصاد الجيوسياسي علي أحمدي يرى أن الحرب المرتبطة بإيران لم تعد مجرد أزمة طاقة، إذ تحولت إلى ما يسميه "أزمة اقتصادية متعددة الأطراف"، تتداخل فيها الصدمات التجارية والمالية والصناعية في وقت واحد.

ويشير التقرير إلى أن التركيز التقليدي على أسعار النفط والغاز لا يكفي لفهم حجم الاضطراب الحالي، رغم أن مضيق هرمز يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية.

الأسمدة والرقائق الإلكترونية في قلب الأزمة

وفقاً للتقرير، فإن تداعيات الحرب طالت قطاعات أقل ظهوراً لكنها شديدة الحساسية للاقتصاد العالمي.

فحوالي 30% من تجارة اليوريا العالمية –وهي أكثر الأسمدة استخداماً– تمر عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتهديد سلاسل الإمداد الزراعية العالمية.

كما أن الخليج العربي ينتج قرابة ثلث الهيليوم عالي الجودة المستخدم في صناعة أشباه الموصلات، الأمر الذي يهدد مصانع الرقائق الإلكترونية في آسيا ويزيد الضغوط على قطاع التكنولوجيا العالمي.

ويمتد التأثير أيضاً إلى الصناعات البتروكيماوية ومواد التغليف والنقل والشحن، وسط ارتفاع تكاليف التأمين البحري واضطراب حركة التجارة الدولية.

العالم يدخل الأزمة مثقلاً بالديون

ويرى التقرير أن خطورة الوضع الحالي لا تكمن فقط في الحرب نفسها، ولكن في تزامنها مع أزمات اقتصادية سابقة لم يتعاف العالم منها بالكامل، مثل تداعيات جائحة COVID-19، والحرب الروسية الأوكرانية، وارتفاع الإنفاق الدفاعي الأوروبي، والرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة.

ويحذر أحمدي من أن الحكومات والبنوك المركزية باتت تملك هامشاً أقل بكثير للتعامل مع الأزمات مقارنة بالعقود الماضية، بسبب تضخم الديون وارتفاع تكاليف الاقتراض.

فخفض أسعار الفائدة لمواجهة التباطؤ الاقتصادي قد يؤدي إلى زيادة التضخم مع ارتفاع أسعار الطاقة، بينما تصبح خطط الدعم الحكومي أكثر كلفة في ظل الضغوط المالية الحالية.

آسيا الأكثر تضرراً.. وأوروبا في دائرة الخطر

ويشير التقرير إلى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب ليست متساوية بين الدول.. فالولايات المتحدة، بوصفها منتجاً كبيراً للطاقة، تبدو أقل تعرضاً للصدمات مقارنة بآسيا، التي يعتمد جزء كبير من اقتصادها على الغاز والنفط المارين عبر مضيق هرمز.

أما أوروبا، التي تعاني أصلاً من أزمات الطاقة منذ الحرب الأوكرانية، فتواجه موجة جديدة من ارتفاع أسعار الكهرباء والديزل ووقود الطائرات، مع تحذيرات من نقص محتمل في الإمدادات خلال الأشهر المقبلة.

تبدو الصورة العامة أكثر تعقيداً من مجرد صراع سياسي أو مواجهة عسكرية تقليدية.. فبينما تراهن طهران على عامل الزمن لإعادة تشكيل التوازنات السياسية، تواجه القوى الكبرى اختباراً صعباً في قدرتها على إدارة أزمات متداخلة تضرب الطاقة والتجارة والتكنولوجيا والتمويل العالمي في آن واحد.

وتحذر التقارير من أن العالم بات أكثر هشاشة أمام "الصدمات المركبة"، وأن الأدوات التقليدية التي استخدمت لاحتواء الأزمات السابقة قد لا تكون كافية هذه المرة، خصوصاً إذا استمرت الحرب في توسيع نطاق تأثيرها الجيوسياسي والاقتصادي.

ذات صلة