بين ازدحام الأسواق ووجع النزوح.. عيد ثقيل على نازحي مأرب وسط الغلاء وتآكل القدرة الشرائية

  • مأرب، الساحل الغربي، تقرير/ أحمد حوذان:
  • منذ ساعتين

قبل أيام قليلة من حلول عيد الأضحى المبارك، تبدو شوارع وأسواق مدينة مأرب أكثر ازدحاماً من المعتاد. المحلات التجارية تعرض الملابس والأحذية والألعاب، وباعة المواشي يملؤون أطراف المدينة، فيما تتصاعد أصوات العروض التجارية والمناداة على الزبائن. لكن خلف هذه الحركة الصاخبة، تختبئ أزمة معيشية خانقة يعيشها آلاف النازحين والأسر محدودة الدخل، الذين بات العيد بالنسبة لهم موسماً إضافياً للقلق، لا مناسبة للفرح.

في مدينة تستقبل مئات الآلاف من النازحين الفارين من الحرب، لم تعد الاستعدادات للعيد مرتبطة بشراء الأضاحي أو تجهيزات الاحتفال، بل تحولت إلى معركة يومية لتأمين الحد الأدنى من احتياجات الأسرة، وسط ارتفاع متواصل للأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وتأخر الرواتب، وانعدام مصادر الدخل لدى كثير من العائلات.

العيد.. حين تتحول “الكسوة” إلى حلم

في جولة ميدانية داخل أسواق مأرب، عبّر مواطنون ونازحون عن مخاوفهم من قدوم العيد في ظل أوضاع اقتصادية وصفوها بـ”القاسية وغير المسبوقة”.

أحد الآباء، وهو نازح يعيل ستة أطفال، قال إن أسرته اضطرت هذا العام لإعادة استخدام ملابس عيد الفطر الماضية، بعدما أصبح شراء ملابس جديدة أمراً يفوق قدرته المادية. وأضاف أن همّه الأكبر لم يعد كيف يحتفل أطفاله بالعيد، بل كيف يوفر الطعام ومصاريف الحياة الأساسية.

ويقول مواطن آخر إن الأوضاع المعيشية باتت تدفع كثيراً من الأسر إلى التخلي عن أبسط طقوس العيد، موضحاً أن “الذبيحة وكسوة الأطفال والعيديات أصبحت أعباء تفوق قدرة المواطن العادي”.

ولم تتوقف المعاناة عند حدود الغلاء فقط، بل امتدت إلى الضغوط النفسية والاجتماعية التي يعيشها اليمنيون في ظل الحرب وتعقيدات الحياة اليومية. أحد المواطنين تحدث بحرقة عن قضية عالقة في أروقة القضاء منذ أشهر، قائلاً إن ظروفه المعيشية والقانونية جعلته عاجزاً حتى عن التفكير بمظاهر العيد، مكتفياً بالدعاء أن “يصل كل إنسان إلى حقه”.

“الدجاجة بثمانية آلاف”.. مواطنون يصفون الوضع بالمأساوي

في الاستطلاع الميداني الذي أجراه “الساحل الغربي”، وصف مواطنون الوضع الاقتصادي بأنه “الأسوأ منذ سنوات”، مؤكدين أن كثيراً من الأسر، خصوصاً الجنود والنازحين وذوي الدخل المحدود، لم يعودوا قادرين على مجاراة تكاليف الحياة اليومية.

وقال أحد المشاركين في الاستطلاع إن كثيراً من الناس “لم يعودوا يجدون حتى قيمة القوت اليومي”، مشيراً إلى أن ارتفاع الأسعار طال كل شيء، من المواد الغذائية وحتى أبسط الاحتياجات الأساسية.

وأضاف المواطن، في حديث غلبت عليه المرارة، أن بعض الجنود والمرابطين الذين قدموا تضحيات كبيرة في الحرب يعيشون اليوم أوضاعاً صعبة، في ظل ضعف الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة، داعياً المسؤولين والتجار إلى “مخافة الله ومراعاة ظروف الناس”.

وتابع قائلاً إن المجتمع بحاجة اليوم إلى تعزيز قيم التكافل والتراحم أكثر من أي وقت مضى، داعياً المقتدرين إلى مساعدة الأسر الفقيرة والنازحة، خاصة مع اقتراب العيد.

أسواق مزدحمة.. وقدرة شرائية منهكة

ورغم الازدحام الذي تشهده أسواق مأرب، إلا أن كثيراً من التجار يؤكدون وجود تراجع واضح في حركة الشراء مقارنة بالأعوام الماضية، نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية.

ويقول مواطنون إن كثيراً من الأسر باتت تدخل الأسواق فقط “للمشاهدة” أو للسؤال عن الأسعار، قبل أن تغادر دون شراء، بسبب الفجوة الكبيرة بين الدخل والأسعار.

ويشير مراقبون إلى أن المناسبات الدينية، وخصوصاً عيد الأضحى، أصبحت تمثل ضغطاً إضافياً على الأسر اليمنية، نظراً لارتباطها اجتماعياً بعادات تتطلب مصاريف كبيرة، مثل شراء الأضاحي والملابس وتقديم العيديات.

التجارة والصناعة: الأسواق مستقرة والرقابة مستمرة

في المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن الوضع التمويني في محافظة مأرب “مستقر”، وأن السلع الأساسية متوفرة بكميات تكفي لأشهر قادمة.

القائم بأعمال مدير عام مكتب الصناعة والتجارة بمحافظة مأرب، الأستاذ ياسر الحاشدي، قال إن المحافظة تشهد حالة تنافس كبيرة بين التجار والموردين، الأمر الذي ساهم في توفير السلع ومنع حدوث أزمات تموينية رغم الظروف الاقتصادية والحرب الإقليمية.

وأوضح الحاشدي أن مكتب الصناعة والتجارة كثف من حملاته الرقابية خلال الأيام الماضية، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والسلطات القضائية، لمتابعة الأسعار وضبط أي حالات احتكار أو تلاعب، خصوصاً في المواد الأساسية.

وأشار إلى أن المكتب اتخذ إجراءات صارمة بحق عدد من كبار التجار والشركات المتهمة بالمغالاة أو التلاعب بالأسعار، موضحاً أن بعض القضايا وصلت إلى المحاكم، فيما تم إدراج عدد من التجار ضمن “القائمة السوداء”، مع تعميم أسمائهم على الجهات المختصة.

أسعار الأضاحي.. بين “المفاخرة” والمنافسة

وفيما يتعلق بأسعار الأضاحي، أقر الحاشدي بوجود ارتفاعات كبيرة، خصوصاً في الأغنام البلدي المأربي، التي تشهد طلباً واسعاً بسبب ارتباطها بالعادات الاجتماعية.

وقال إن بعض الأضاحي وصلت أسعارها إلى 700 ألف ريال خلال الأيام الأولى من الموسم، مرجعاً ذلك إلى “المفاخرة والمزايدات”، أكثر من ارتباطه بالتكلفة الحقيقية.

وأضاف أن مكتب الصناعة والتجارة عقد منذ ما بعد عيد الفطر لقاءات مع موردي الأغنام والأبقار إلى مأرب، بهدف تعزيز المنافسة وتخفيف الأسعار، مؤكداً أن الدفعات الأولى من المواشي بدأت بالفعل بالوصول إلى المحافظة.

وتوقع الحاشدي أن تشهد الأيام الأخيرة قبل العيد انخفاضاً نسبياً في الأسعار نتيجة زيادة المعروض وتراجع الطلب، داعياً المواطنين إلى عدم التسرع في الشراء.

حماية المستهلك: المخزون يكفي لأشهر

من جانبه، أكد مدير إدارة حماية المستهلك واستقرار الأسواق بمكتب الصناعة والتجارة، الأستاذ سليم العضيلي، أن المخزون الغذائي في مأرب “مطمئن”، ويكفي لأكثر من ثلاثة أشهر.

وأوضح أن فرق حماية المستهلك تنفذ حملات ميدانية مستمرة لضبط الأسواق، تشمل متابعة صلاحية المواد الغذائية، وضبط السلع الفاسدة أو المنتهية، ومراقبة الالتزام بالتسعيرات الرسمية.

وأشار إلى أن المكتب ضبط خلال الفترة الماضية عدداً من المخالفات المتعلقة بالمغالاة في الأسعار وربط بيع بعض السلع بسلع أخرى، مؤكداً أن الإجراءات القانونية تُتخذ بحق المخالفين.

لكنه أقر في الوقت ذاته بأن اتساع السوق في مأرب وارتفاع الكثافة السكانية والنزوح الكبير يمثل تحدياً حقيقياً أمام فرق الرقابة، إلى جانب محدودية الإمكانيات التشغيلية.

مأرب.. مدينة تتسع للنزوح وتضيق بالمعيشة

ويرى مراقبون أن الأزمة الاقتصادية في مأرب تعكس صورة أوسع للأوضاع الإنسانية في اليمن، حيث تتزايد الاحتياجات المعيشية في مقابل تراجع فرص العمل وانهيار القدرة الشرائية.

فالمحافظة التي تحولت خلال سنوات الحرب إلى أكبر مركز لاستقبال النازحين، تواجه اليوم ضغوطاً اقتصادية وخدمية متصاعدة، في ظل تزايد أعداد السكان وارتفاع الطلب على السلع والخدمات والإيجارات.

ومع اقتراب تكبيرات العيد، يبقى آلاف الأطفال في مخيمات النزوح بانتظار فرحة مؤجلة، وملابس قد لا تصل، وأضاحٍ ربما تبقى مجرد أمنية، فيما يواصل الآباء البحث عن أي وسيلة تحفظ لأسرهم شيئاً من بهجة العيد وسط واقع يزداد قسوة يوماً بعد آخر.

ذات صلة