مَن يحمي باب المندب؟
عاد الحوثيون إلى المشهد بعد غيابٍ دام أربعة أشهر. أعلنوا حظراً شاملاً على الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، وأطلقوا صواريخهم نحو إسرائيل. التوقيت ليس مصادفة. إيران نشَّطت ذراعها اليمنية في اللحظة التي احتاجتها، تماماً كما يُشغَّل جهاز التحكم عن بُعد.
الحوثيون لم يعودوا بقرارٍ يمني. عادوا لأن الصراع الإيراني - الإسرائيلي المتصاعد دفع طهران إلى إعادة تفعيل جبهة البحر الأحمر، في توقيتٍ باتت فيه مصادر متعددة تتحدث عن نيةٍ إيرانية لتوسيع الضغط البحري ليشمل باب المندب إلى جانب مضيق هرمز. استراتيجية خنقٍ مزدوج للتجارة الدولية، تقول للعالم: نستطيع شلَّ الاقتصاد العالمي من نقطتين في آنٍ واحد. هذا ليس تهديداً يمنياً، بل إيرانيٌّ بامتياز يرتدي عباءةً يمنية.
في هذا التوقيت بالذات، خرج المجلس الانتقالي الجنوبي بتصريحاتٍ يطرح فيها نفسه شريكاً أمنياً لحماية المضيق، محاولاً توظيف الأزمة الإقليمية رافعةً سياسية بعد النكسة العسكرية التي مُنيَ بها. حين توسَّع في حضرموت والمهرة نهاية العام الماضي وهدَّد وحدة اليمن، جاء الرد حاسماً بإعادة هيكلة عسكرية وتوحيد القيادة تحت مظلة الدولة، فانسحبت قواته من حضرموت والمهرة في يناير 2026 عقب تدخُّلٍ عسكري سعودي شمل ضرباتٍ جوية ونشر قوات محلية موالية للشرعية. لكن يبدو أن الدرس لم يُستوعَب، فعاد يتحدث من الخارج عن «القوة الأقدر»، رغم أن قدراته الميدانية على الساحل تراجعت تراجعاً ملموساً منذ ذلك الانسحاب.
ولمن يريد أن يفهم طبيعة هذا «الشريك» المزعوم، تكفيه شهادة المصادر الإسرائيلية المفتوحة. باحثٌ إسرائيلي في معهد الأمن القومي نشر تحليلاً على موقع «واي نت» يصف سيطرة الانتقالي بأنها «تفتح فرصاً دبلوماسية وأمنية لإسرائيل»، ونقل تصريحاتٍ للزبيدي يشير فيها إلى أن «اليمن الجنوبي المستقل قد ينضمُّ لاتفاقيات أبراهام». وكشفت تقارير أخرى أن الانتقالي أرسل وفوداً لمقابلة مسؤولين إسرائيليين لبحث «قضايا مشتركة»، في حين وصف المعهد نفسه ما يجري في جنوب اليمن بأنه «نافذة فرصة استراتيجية انفتحت». هذا ليس شريكاً يمنياً يحمي اليمن، بل مشروعٌ يدور في فلك ترتيباتٍ إقليمية تضع إسرائيل طرفاً فيها، وتُموَّل من عواصم لها حساباتها الخاصة في جنوب اليمن وسواحله.
الأرض تقول شيئاً مختلفاً تماماً. طارق صالح، قائد قوات الساحل الغربي وذراع الدولة على المضيق، لم يُصدر بياناً ولم يكتب تغريدة. ذهب إلى باب المندب نفسه وأدَّى صلاة العيد هناك. حضورٌ ميداني يُغني عن ألف تصريح. رسالته واضحة: المضيق مؤمَّنٌ بقوةٍ عسكرية حقيقية تعمل ضمن منظومة الشرعية، لا بمليشيات تبحث عن دورٍ ضائع.
وفي السياق نفسه، عيَّن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي اللواءَ حمدي شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة، التي تغطي عدن ولحج والضالع. ليس مجرد قرارٍ إداري، بل استكمالٌ لمسار بناء الدولة وفرض سلطتها على كامل الجغرافيا اليمنية. الفراغ الذي خلَّفه حلُّ المجلس الانتقالي يُملأ بمؤسسات لا بمليشيات، وبقياداتٍ عسكرية محترفة لا بأمراء حرب.
العليمي حين استقبل المبعوث الأممي غروندبرغ في الرياض، كان يتحدث من موقع مَن يبني لا مَن يُنظِّر. شدَّد على أن الأزمة في اليمن ليست خلافاً بين أطرافٍ سياسية، بل مواجهةٌ مع جماعةٍ مسلحة تنازع الدولة صلاحياتها الحصرية، مرتبطةٍ بغرفة عمليات تابعة للحرس الثوري. وأكد أن السلام المستدام لا يتحقق بتوزيع السلطة بين الدولة والمليشيا، ولا بهدنةٍ تُعيد إنتاج الصراع بصورةٍ أكثر تعقيداً، بل باستعادة المؤسسات الوطنية لسلطاتها الحصرية، وسيادة القانون، وتطبيق القرار 2216 الذي يعالج جذور المشكلة لا أعراضها. وحذَّر بوضوح: في كل يومٍ يتأخر فيه استعادة مؤسسات الدولة، يزداد خطر تحوُّل اليمن إلى منصةٍ دائمة للصراعات الإقليمية وتهديد الملاحة الدولية.
هذه ليست شعارات، بل مسارٌ يتحقق على الأرض: قياداتٌ عسكرية جديدة، وسيطرةٌ ميدانية على الساحل، وإصلاحاتٌ مالية وإدارية ومؤسسية، وحوارٌ مع المجتمع الدولي من موقع الشريك لا المحتاج.
المقاربة واضحة: لا أمنَ بلا دولة، ولا دولةَ بلا سيادة. مَن يبحث عن حلولٍ مختصرة عبر التعامل مع مليشيات منفصلة أو جماعاتٍ مسلحة خارج إطار الشرعية، إنما يُكرِّر الخطأ الذي أوصل اليمن إلى ما هو عليه. الحوثيون أنفسهم ليسوا إلا نتيجةً لعقودٍ من إضعاف الدولة والمراهنة على القوى الموازية.
اليوم، الصورة أوضح مما كانت عليه قبل عام. الدولة اليمنية تُعيد بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية. الساحل الغربي مؤمَّنٌ بقواتٍ تعمل تحت قيادةٍ موحدة. والمشاريع التي تبحث عن شرعيةٍ عبر بواباتٍ أجنبية فقدت أدواتها الميدانية، ولم يبقَ لها سوى التصريحات والوفود.
أما الحوثيون، فمهما أطلقوا من صواريخ ومهما أعلنوا من حظر، يظلون ما هم عليه: أداةٌ إيرانية ستنتهي صلاحيتها حين تنتهي الحاجة الإيرانية إليها. والمضيق سيبقى آمناً، ليس لأن مليشيا ادَّعت حمايته أو لأن وفوداً ذهبت إلى تل أبيب، بل لأن دولةً تُبنى على ضفتيه.