اليوسفي يكتب.. الجائع في نظر الحوثيين متهم حتى تثبت وفاته

منذ ساعتين

‏التقارير الأممية عن الفقر باردة لأنها تُكتب تحت مكيفات جنيف؛ تأتي بأرقام ومحاور وملاحق ثم تُطوى في الأدراج. لكن اليمن لم يهتز لتلك المجلدات بقدر ما اهتز لوجه شاب واحد خرج من غرفة عارية إلا من جدار متآكل وصوت مبحوح، ليقول أخف جملة وأقساها في آن واحد:  ‎#انا_جاوع  . لا مشروع انقلاب، لا خطاب أيديولوجي، ولا تحليل استراتيجي؛ فقط إنسان يطلب حقه في وجبة تؤجل دفنه يوماً آخر.
من الجهة الأخرى من الشاشة، ظهر رجل يعيش على الضفة المريحة من هذا الخراب؛ "العلامة" محمد مفتاح، الذي نصبته الميليشيا الانقلابية قائماً بأعمال حكومة لا يعترف بها أحد إلا أمراء الحرب ولصوص الجبايات . لم يسأل الشاب: أين تعمل؟ كم لديك من أطفال؟ أو منذ متى لم تتذوق اللحوم؟ بل قرر أن المشكلة تكمن في "طريقة نُطق الجوع"، لا في الجوع نفسه! واخترع لنا فضيلته فقهاً معاصراً هو "فقه إدارة الرصيد"؛ فمن يملك باقة إنترنت ويصرخ "أنا جائع" ليس ضحية، بل هو مواطن "مبذر" يسيء استخدام الـ«ميجابايت» في البكاء والنحيب، بدلاً من أن يحول قيمة تلك الباقة إلى مشروع تجاري لبيع الليمون! الجوع في هذا المذهب السلالي الجديد هو سوء إدارة هاتف، لا سوء إدارة دولة.
بهذه الفتوى السريعة، لم يتحول الشاب الجائع إلى ملف حالة إنسانية، بل إلى متهم؛ وصار الجوع اعترافاً مكتمل الأركان بالجريمة! أنت في نظرهم لا تشكو من انقطاع الرواتب منذ سنوات، ولا من ابتلاع عوائد الموانئ والزكاة والضرائب في ثقوب الاحتفالات الطائفية وشبكات المشرفين؛ أنت فقط لا تفهم كيف تضبط استهلاك الإنترنت! اصمت، أو افصل البيانات. لذلك انفجرت الشاشات غضباً بحملة ‎#الحوثي_مفتاح_يسخر_من_الشعب . لم يكن الناس يبحثون عن نكتة جديدة، بقدر ما كانوا يبحثون عن جملة تحفظ كرامتهم بعد أن أُهينت مرتين: مرة بالجوع، ومرة بالسخرية من الجوع. وصار السؤال أبسط من كل شعارات الصمود الزائفة: كيف لرجل يأكل ميزانية بلد  أن يجرؤ على تأنيب رجل لا يجد ثمن صحن فاصوليا؟!
إذا أخذنا منطق مفتاح حتى نهايته، تبدو نصيحة المرحلة القادمة واضحة: لا تقل «أنا جاوع» أمام الكاميرا.. اشترِ كفناً وصُمْ صياماً لا إفطار بعده؛ وفر ثمن الإنترنت، فالموت في ظل هذه الميليشيا هو الباقة الوحيدة غير المحدودة؛ لا تحتاج إلى تجديد اشتراك، ولا تمر عبر جمارك الانقلاب، ولا تخضع لضريبة الخمس أو الزكاة! كفن واحد, وقبر واحد، ينهي كل مشاكل إدارة الرصيد.
والخوف كل الخوف، أن نصحو ذات يوم على تعميم رسمي جديد يقول: «يمنع منعاً باتاً إصدار أصوات مقرقرة من البطون الخاوية في الأماكن العامة، حرصاً على السكينة، ولراحة السادة المشرفين وهم يخزنون أفخر أنواع القات بعد غداء دسم خلف زجاج سياراتهم المعتم». عندها لن يكون الجوع جريمة فقط، بل "مخالفة ضوضاء" تستوجب الجباية! المطالبة السلالية اليوم واضحة: مواطن جائع بطنه صامت، رأسه منحنٍ، وهاتفه مغلق. فهذه هي النسخة المثالية من الإنسان في قاموس سلطة ترى في كل صرخة جوع بداية ثورة، لا مجرد شكوى عابرة. فمُت بجوعك ساكتاً دون إزعاج، ويُفضل أن تسحب شريحة الهاتف بنفسك قبل إعلان الوفاة.. حرصاً على البيانات وتوفيراً للتغطية!