حتى تكون (كأس العالم لكل العالم): منتخب المغرب يتصدر معركة كسر أغلال الاحتكار
- أحمد غيلان
- منذ ساعة
ليس بالعاطفة وحدها، ولا بالتحيز الذي تفرضه روابط الأخوة والدم والتاريخ والثقافة والمصير، بل إن العقل والمنطق، والحق والعدل يفرض تشجيع ومساندة المنتخب المغربي لكرة القدم، ومن خلفه ومن حوله مجموعة المنتخبات الصاعدة والطامحة والواثقة بأحقيتها وقدرتها في المنافسة والحضور في الأدوار النهائية التي جعلها اتحاد الفيفا والاعلام الموجه حكرًا على منتخبات قارتين دون غيرهما...
إنها معركةٌ كبيرة وصعبة وشاملة ومعقدة يخوضها هؤلاء - بجدارة - لكسر القيود المصطنعة، والعُقد التي رسخها اتحاد الفيفا وأعوانه وأساطيله الإعلامية الموجهة قرابة قرن من الزمن.
عالمية الاسم.. ثنائية الاحتكار
منذ الركلة الأولى لكرة القدم في في أول مونديال لكأس العالم في أوروغواي عام 1930، والبطولة تُسوّق للبشرية على أنها المحفل الأكبر لكرة القدم في أرجاء الكرة الأرضية.
لكن نظرة سريعة على سجل البطولة - طوال ما يقارب القرن - تكشف عن حقيقة مغايرة:
المونديال ليس بطولةً للعالم، بل هو "بطولةٌ لقارتين فقط"...
بين أمريكا الجنوبية وأوروبا، دارت الكأس، في حلقة مغلقة، لم تخرج منها يوماً.
هذا الاحتكار التاريخي يحمل - في طياته - دلالاتٍ تتجاوز المستطيل الأخضر، ليعكس هيمنةَ مراكز النفوذ التقليدية على اللعبة الأكثر شعبية.
التاريخ الذي كُتب يتطور ويتغير بتطور وتغيرات الأحداث، هذا إن كان تاريخا حقيقيًّا، فما بالنا بتاريخ كُتب بصفقاتِ الاحتكار والتسويق الموجَّه، وبأشياء أخرى...
المنطق يقول إن الدورة التاريخية للاحتكار لا بد أن تنكسر، وهنا تبرز مجموعة من المنتخبات الطامحة - من خارج القارتين المحتكرتين - في معركة كبرى؛ لتصحيح وضع البطولة، التي يُفترضُ أنها عالمية..
ومن بين هذه المنتخبات يبرز - في الصدارة - منتخب المغرب؛ كأبرز مرشح تاريخي لحمل لواء الثورة الكروية، وإخراج الكأس من دائرة الاحتكار - بين قارتين - إلى قارة ثالثة، وهي معركة - إن نجحت - ستخدم كرة القدم في كل العالم.
أرقام تكشف جدار الاحتكار
على مدى اثنتين وعشرين نسخة أقيمت - منذ عام 1930 - وحتى نسخة قطر 2022، ظل اللقب حكراً على قارتين فقط؛ حيث حصدت القارة العجوز وأمريكا الجنوبية كل شيء، من الأدوار النهائية المتقدمة، وحتى منصات التتويج والذهب، بالتقاسم الموجه:
فقد تربعت المنتخبات الأوروبية على عرش البطولة بـ اثني عشر لقباً، توزعت بين:
* (ألمانيا وإيطاليا بواقع أربعة ألقاب لكل منهما).
* (فرنسا بلقبين).
* (إسبانيا وإنجلترا بلقب واحد لكل منهما).
وفي المقابل، نالت أمريكا الجنوبية عشرة ألقاب، توزعت بين:
* (البرازيل بخمسة ألقاب )،
* تليها (الأرجنتين بثلاثة ألقاب)،
* ثم (أوروغواي بلقبين).
طوال اثنين وتسعين عاماً، لم تنجح أي قارة أخرى كإفريقيا، أو آسيا، أو أمريكا الشمالية، أو أوقيانوسيا في كسر هذا الطوق المنيع، أو حتى الوصول للمباراة النهائية.
لم تكن هذه الهيمنة وليدة صدفة، بل هي نتاج عوامل كثيرة؛ من بينها استقرار مالي، وتفوق بنيوي، ورغبة مستميتة في الحفاظ على ريادة "المركز" مقابل "الأطراف"، وإلى جانب هذه العوامل أسباب أخرى (ظاهرة وخفية)، جعلت المنافسة تبدو وكأنها صراع إقطاعي، بين قطبين لا يسمحان للغرباء بالاقتراب من العرش..
فخاخ ومؤامرات لإجهاض الطموح المبكر
لم يكن بقاء الكأس أسير القارتين نتاج تفوق فني وتكتيكي دائم فحسب، بل كان - في كثير من الأحيان - نتيجة عوائق ومتاعب كبرى؛ وُضعت في طريق المنتخبات الطامحة (من خارج الدائرة الضيقة)، وصلت - في بعض المحطات التاريخية - حد التلاعب الفج بالنتائج، والعبث بالتحكيم لإجهاض أي تمرد كروي في وقت مبكر.
ولا نحتاج لسرد الشواهد والاستشهادات؛ فالتاريخ شاهدٌ على ما تعرض له المنتخب الجزائري في مونديال إسبانيا عام 1982 على سبيل المثال لا الحصر:
في تلك النسخة، فجّر "محاربو الصحراء" ما اعتبرها المتابعون واحدة من أكبر المفاجآت في تاريخ اللعبة - بهزيمة ألمانيا الغربية (بطلة أوروبا وقتها) - بنتيجة هدفين لهدف، وكان منتهب الجزائر قاب قوسين أو أدنى من العبور إلى الدور الثاني، وتحقيق إنجاز غير مسبوق لقارة إفريقيا والعالم العربي.
لكن هذا النضج الكروي الصاعد هدد كبرياء المنظومة التقليدية، فكانت النتيجة ما عُرف تاريخياً بـ "مؤامرة خيخون" أو "مباراة العار"؛ حيث تآمر منتخبا ألمانيا الغربية والنمسا في مباراتهما الأخيرة، ولعبا بطريقة هزلية ومتفق عليها سلفاً؛ لإنهاء المواجهة بنتيجة هدف لصفر لصالح ألمانيا، وهي النتيجة الوحيدة التي تضمن صعود القطبين الأوروبيين معاً، وتضمن إقصاء الجزائر عمداً..
هذه الفضيحة جرت تحت أنظار الفيفا دون تحريك ساكن في وقتها، وكانت رسالة سياسية ورياضية واضحة؛ بأن المنظومة لا ترحب بالغرباء في أدوار الحسم، وتستعمل كل الوسائل المتاحة لعرقلتهم.
الآلة الإعلامية الموجهة لصناعة "الأساطير
مع تطور الزمن، توسعت أساليب العرقلة؛ من المؤامرات المباشرة في الملعب، إلى معركة ذهنية أشد شراسة، تقودها منظومة الفيفا والآلة الإعلامية المسيَّرة، حيث يُدار المشهدُ وفق استراتيجية "صناعة الصور الذهنية المعولمة"، ومن ذلك:
* تأطير المنتخبات النخبوية: إذ يتم تصنيف منتخبات بعينها كالبرازيل، وألمانيا، وفرنسا... على أنها المرشحة الدائمة والشرعية، مما يمنحها أفضلية سيكولوجية داخل الملعب، ويُشعر الخصوم بالدونية الكروية قبل صافرة البداية.
* صناعة الأساطير التجارية: إذ تحرص المنظومة الاقتصادية - المرتبطة بالفيفا - على صناعة نجوم محددين، وتضخيم هالتهم الإعلامية؛ ليتحولوا إلى "ماركات تجارية" لا تُقهر.
هذا الاحتكار الإعلامي للنجومية يخدم مصالح سياسية وتجارية كبرى، تضمن تدفق أموال الرعاية، وبث المباريات، وحتى صفقات الاحتراف وعقود التسويق، نحو المراكز التقليدية، فخروج اللقب خارج القارتين، او صعود نجم كروي أسطوري من خارجهما، يعني تفكيك هذه الإمبراطورية التسويقية وإعادة توزيع كعكة النفوذ المالي.
الأسود وتحطيم القيود
وسط هذه الجبهات المعقدة، يقف المنتخب المغربي كحالة استثنائية فريدة تمردت على المألوف، واستطاع أن يمتلك إرثاً كبيراً في خلخلة الأساطير التي يسوقها المتنفذون على أنها ثوابت تاريخية.
هناك منتخبات أخرى صارعت وما زالت تصارع في هذا الاتجاه، ومن بينها الجزائر وتونس اليابان جنوب افريقيا وغانا ومنتخبا أخرى من قارتي افريقيا وآسيا، لكن منتخب المغرب يتصدر اليوم هذه المنتخبات، ولديه مجموعة من المقومات التي تعزز الرهان عليه؛ للذهاب الى ما هو أبعد من الحضور في الأدوار النهائية، من أهمها:
* إرث الريادة (1986): كان المغرب أول منتخب إفريقي وعربي يتجاوز دور المجموعات في التاريخ، بل وتصدر مجموعته - آنذاك - على حساب أقطاب مصنفة بين الكبار، مثل إنجلترا والبرتغال وبولندا.
* الزلزال الكروي (2022): في مونديال قطر، فكك منتخب المغرب الشيفرة تماماً، وحطم السقف الزجاجي، ليصبح أول منتخب إفريقي وعربي يصل إلى المربع الذهبي، محققاً المركز الرابع عالمياً، بعد الإطاحة ببلجيكا، وإسبانيا، والبرتغال؛ في مواجهات مباشرة خاضها ضد الأساطير المصنوعة، وتغلب على المنظومة الإعلامية والتاريخية المهيمنة.
* تجاوز "المجموعة الحديدية" في دور المجموعات لمونديال (2026): يثبت "أسود الأطلس" اليوم أن إنجاز قطر لم يكن طفرة عابرة؛ فبالرغم من وضعهم في منافسة معقدة ومجموعة حديدية، جعلتهم أمام مسارات صعبة واختبارات بدنية ونفسية خانقة، نجح المنتخب المغربي في انتزاع بطاقة العبور وتجاوز مرحلة المجموعات، مؤكداً امتلاكه "الشخصية المونديالية" التي لا تفزعها هيبة النجوم المصنوعين أو الحسابات الاقتصادية الضيقة.
دعوة لتعددية قارية وصناعة مشهد مغاير
إن التطلع لكسر الهيمنة التقليدية لا يتوقف عند حدود تتويج البطل فحسب، بل يمتد إلى شكل وطبيعة المنافسة في الأدوار المتقدمة...
وبلغة أكثر وضوح: لقد سئمت الجماهير من رؤية "نسخ مكررة" لبطولات اليورو أو كوبا أمريكا في اللحظات الحاسمة من المونديال...
لذا، تبرز حاجة ملحة اليوم لـ دعوة ومساندة حقيقية لكل الفرق والمنتخبات الصاعدة والطامحة - من خارج الدائرة المغلقة للقارتين - وحثها على القتال للوصول إلى خطوط المواجهة الأمامية.
إن الشغف الحقيقي باللعبة يقتضي أن يشاهد العالم في أدوار الستة عشر، والثمانية، ونصف النهائي، لوحة فسيفسائية تمثل قارات الأرض كلها؛ نرى فيها وجوهاً من إفريقيا، وآسيا، وأمريكا الشمالية، تتبارى بندية وكفاءة، أمام القوى التقليدية، ليتحول المونديال من مسرح إقصائي لمن ينظر إليهم اتحاد الفيفا على أنهم "فقراء كروياً"
إلى منصة حرة تتسع لثقافات العالم أجمع.
نصر للإنسانية وتبييض لوجه "الفيفا
بناءً على هذا التصور، فإن تحقيق المغرب للبطولة، ووصول منتخبات صاعدة أخرى للأدوار النهائية، لن يكون مجرد انتصار جغرافي محدود، أو إنجازاً يُحسب للمغرب وحده، أو للقارة الإفريقية، أو للمحيط العربي فحسب؛ بل هو انتصار حقيقي للعالم أجمع.
هو فوز لكل الشعوب، وللجمهور العالمي الذي يتابع، وينافس، ويشجع، ويتعب، ويستثمر مشاعره وشغفه في هذه البطولة على أمل أنها تُمثّل كوكب الأرض بعدالة، وليس كمسابقة تظل أسيرة في يد قطبين تقليديين.
وبصرف النظر عن خبايا التاريخ، فإن فوز المغرب ووصول منتخبات جديدة إلى الأدوار النهائية يخدم الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) نفسه؛
إذ يفتح صفحة فيها شيء من البياض في تاريخ الاتحاد الذي يحاول أن يخفي من السواد أكثر مما يظهر من البياض.
فالتتويج المغربي وصعود المنتخبات النامية هو السيناريو الوحيد الذي يمكن أن يقدم للعالم دليلًا واضحًا على أن شعار "عالمية اللعبة" - الذي يرفعه اتحاد الفيفا - حقيقة واقعة، وليس مجرد شعار تسويقي،
وبهذا يرى العالم برهانا على أن المستطيل الأخضر يتسع للجميع، ولا يخضع للترتيب الانتقائي الموجه والمصالح المسبقة.
فكرة أكبر من الكأس
بناءً على ما سبق، فإن الاعلاميين ومحبي كرة القدم وكل أنصار الرياضة - باعتبارها رسالة سلام ومحبة - في شتى بقاع الأرض،
الجميع مدعوون إلى تجاوز الانتماءات الضيقة، وتقديم كل الدعم والتحفيز والمساندة لمنتخب المغرب، ولكل منتخب يجرؤ على الحلم وتجاوز القوالب المصطنعة في مسيرة المونديال الحالية.
إن بطولة "أسود الأطلس" ودخول المنتخبات الصاعدة المنافسة الحقيقية - في الأدوار المتقدمة - ستكون أكبر بكثير من مجرد نيل الكأس الذهبية ووضع النجمة على القميص؛ إنها خطوة تعني - بوضوح - إعادة الروح للمسابقة الكروية الأكبر، وجعلها بطولة عالمية بحق، وتحريرها من قيود التخطيط الموجهة، التي جعلت العالم يصفق - بحسن نية - لبطولة تحتكرها قارتان طوال قرن من الزمان، وبالتالي يمكن أن تبدأ أخيراً - وبهذه الخطوة - حقبة "كأس العالم.. لكل العالم".