هندسة الملاحة بالنار.. كيف تفرض إيران واقعاً بحرياً جديداً في مضيق هرمز؟
- عبدالمالك محمد، الساحل الغربي:
- منذ 4 ساعات
خلص تقرير حديث نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أعده الباحث نعوم رايدان، إلى أن إيران لا تبدو مستعدة لإعادة العمل بالنظام الملاحي الذي كان قائماً في مضيق هرمز قبل الحرب الأخيرة، حيث تعمل على تكريس واقع بحري جديد يمنحها نفوذاً أكبر على أحد أهم الممرات المائية في العالم.
وأوضح التقرير أن توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في 17 يونيو، والتي هدفت إلى وقف الأعمال العسكرية، أسهم في زيادة محدودة في حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز، كما دفع المنظمة البحرية الدولية إلى إطلاق خطة لإجلاء مئات السفن وآلاف البحارة العالقين في الخليج العربي.
لكن، ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يؤكد التقرير أن العودة إلى الوضع الملاحي الطبيعي لا تزال بعيدة، في ظل استمرار التهديدات الأمنية والمخاطر المرتبطة بالألغام البحرية، إلى جانب السلوك الإيراني الذي يعزز السيطرة على حركة العبور في المضيق.
هجوم جديد يعطل جهود استعادة الملاحة
شهدت الأيام الأخيرة تطوراً جديداً زاد من تعقيد المشهد، بعدما تعرضت سفينة الحاويات "إيفر لافلي" لهجوم بمسيرة أثناء عبورها المسار البحري المحاذي للساحل العماني، وهو أحد المسارين البديلين اللذين بدأت السفن باستخدامهما عقب تراجع العمليات العسكرية.
وبحسب التقرير، دفع الهجوم المنظمة البحرية الدولية إلى تعليق خطة الإجلاء، فيما ألغت ناقلة نفط واحدة على الأقل رحلة عبور كانت تعتزم تنفيذها، وعادت إلى داخل الخليج العربي.
وجاء الهجوم بعد ساعات من تحذير إيران السفن التجارية من استخدام أي مسارات بحرية لا توافق عليها، مؤكدة أن التنسيق مع الحرس الثوري الإيراني أصبح شرطاً إلزامياً لعبور المضيق، وهو ما اعتبره التقرير مؤشراً على سعي طهران لفرض قواعد ملاحة جديدة.
نظام الملاحة التقليدي يواجه مأزق الألغام
ويشير التقرير إلى أن نظام فصل حركة المرور البحري (TSS)، الذي اعتمدته المنظمة البحرية الدولية منذ عام 1968، لم يعد صالحاً للاستخدام في الوقت الراهن بسبب مخاطر الألغام البحرية.
وتنقل الدراسة عن مسؤولين في قطاع النقل البحري تقديرات تشير إلى وجود عشرات الألغام داخل المضيق، بينما لا تزال عمليات إزالتها مستمرة، الأمر الذي يمنع السفن- خصوصاً ناقلات النفط، من العودة إلى مساراتها التقليدية.
وفي المقابل، ظهرت خلال الأزمة مساران بديلان للعبور:
• المسار الشمالي عبر المياه الإيرانية، الذي تروج له طهران باعتباره "الممر الآمن الجديد"
• المسار الجنوبي بمحاذاة الساحل العماني، والذي استخدمته سفن عدة بتوجيهات غربية
غير أن التقرير يرى أن أياً من هذين المسارين لا يمتلك القدرة الاستيعابية التي كان يوفرها النظام الملاحي السابق.
تعافي محدود في حركة السفن
ورغم تحسن أعداد السفن العابرة بعد توقيع مذكرة التفاهم، فإن التقرير يوضح أن حركة الملاحة لا تزال أقل بكثير من مستوياتها قبل اندلاع الحرب.
وبحسب بيانات سوق الشحن البحري التي استعرضها التقرير، ارتفع عدد ناقلات النفط والغاز العابرة للمضيق تدريجياً خلال الأيام التالية للاتفاق، إلا أن الأرقام بقيت بعيدة عن المعدلات الطبيعية التي كانت تسجل قبل الأزمة.
كما رصد التقرير استمرار التهديدات الإيرانية المباشرة للسفن التجارية عبر قنوات الاتصال البحرية، بما في ذلك أوامر بتغيير المسار والتوقف، مصحوبة بتهديدات باستخدام القوة العسكرية.
السيطرة على المضيق.. ورقة تفاوض إيرانية
ويرى معهد واشنطن أن إيران تنظر إلى السيطرة على الملاحة في مضيق هرمز باعتبارها أحد أهم أوراق الضغط التي تمتلكها في أي مفاوضات مستقبلية مع الولايات المتحدة.
وبحسب التقرير، فإن إعادة العمل بالنظام الملاحي السابق ستؤدي إلى تقليص هذا النفوذ، وهو ما يفسر تمسك طهران بالنظام البحري الجديد وسعيها إلى ترسيخه كأمر واقع.
كما يحذر التقرير من احتمال استخدام إيران هذه الورقة لفرض ترتيبات جديدة، تشمل التنسيق الإلزامي مع سلطاتها البحرية، وربما فرض رسوم على السفن مقابل خدمات الملاحة مستقبلاً.
توصيات للولايات المتحدة وشركائها
ويخلص التقرير إلى أن مواجهة هذا الواقع تتطلب إجراءات تتجاوز البيانات السياسية، داعياً الولايات المتحدة وشركاءها الإقليميين إلى وضع استراتيجية جديدة لضمان حرية الملاحة في المضيق.
ومن أبرز التوصيات التي طرحها التقرير:
• توفير تعليمات وإرشادات واضحة للسفن التجارية بشأن آليات العبور والتعامل مع التهديدات
• الإسراع في الإعلان عن مواقع الألغام ووضع جدول زمني لإزالتها بما يتيح استعادة الثقة بالممر الملاحي
• الحيلولة دون تحول الرسوم المؤقتة المقترحة على خدمات الملاحة إلى نظام دائم قد يشكل سابقة في الممرات البحرية الدولية
ويرى التقرير أن استمرار الغموض الأمني في مضيق هرمز سيمنح إيران مزيداً من الوقت لترسيخ النظام الملاحي الجديد، ما قد يجعل العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب أكثر صعوبة مع مرور الوقت.