الحوثيون يعيدون توزيع قياداتهم ومراكز الإدارة والسيطرة تحسباً لضربات عسكرية.. فنادق ومخابئ وأنفاق
- عادل عبدالماجد، الساحل الغربي:
- منذ ساعة
بالتزامن مع تصاعد الاستعدادات العسكرية في اليمن، اتخذت مليشيا الحوثي إجراءات أمنية وعسكرية لإعادة توزيع قياداتها ومراكز الإدارة في مناطق سيطرتها، وسط مخاوف من استهداف مواقع القيادة والسيطرة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «الشرق الأوسط»، نقلا عن مصادر أمنية يمنية، شملت الإجراءات تحويل عدد من الفنادق في صنعاء والحديدة وصعدة ومدن أخرى إلى مقار مؤقتة لإدارة بعض الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والمؤسسات المدنية، بالتزامن مع تشديد الرقابة على حركة الأشخاص والدخول إلى المنشآت الحيوية.
وتقول المصادر التي تحدثت إلى الصحيفة إن ضباطا من «الحرس الثوري» الإيراني يشاركون في الإشراف على إدارة التصعيد الحوثي، فيما يتولى «علي رضائي» السفير الإيراني لدى المليشيا، الإشراف على غرفة عمليات تتابع الجوانب العسكرية والأمنية في مناطق سيطرة الحوثيين.
قيادات داخل الفنادق
ووفقا للمصادر التي أوردتها «الشرق الأوسط»، تلقى عدد من المسؤولين الأمنيين والاستخباراتيين والوزراء ورؤساء الهيئات التابعة لحكومة الحوثيين غير المعترف بها دوليا تعليمات بمغادرة مقار عملهم والانتقال إلى فنادق، لمواصلة إدارة أعمالهم منها.
وتفسر المصادر هذه الخطوة بأنها جزء من ترتيبات أمنية تهدف إلى تقليل احتمالات استهداف القيادات، من خلال وضعها داخل منشآت مدنية مأهولة، بما قد يجعل استهدافها أكثر تعقيدا.
ولم يقتصر الإجراء على نقل المسؤولين، إذ جرى اختيار عناصر موثوقة من الأجهزة الاستخباراتية للقيام بدور حلقة الوصل بين القيادات الموجودة في الفنادق والمؤسسات التي تشرف عليها، وتتولى هذه العناصر نقل التوجيهات والطلبات إلى المستويات التنفيذية، إلى جانب تأمين احتياجات المسؤولين ومتابعة المعلومات الواردة إليهم.
وبالتزامن مع ذلك، تراجعت مشاركة عدد من قيادات الصف الأول في الظهور العلني، وانتقل بعضهم إلى مواقع أكثر تحصينا، فيما فرضت المليشيا إجراءات أمنية إضافية حول الفنادق التي تستضيف مسؤولين وقيادات، شملت تدقيق هويات النزلاء ومراقبة حركة الدخول والخروج.
غرفة عمليات بإشراف إيراني
وتشير المصادر، إلى إنشاء «الحرس الثوري» غرفة عمليات خاصة لمتابعة التطورات الميدانية والرسائل الإعلامية المصاحبة للتصعيد.
وتتضمن هذه المهمة، متابعة الخطاب السياسي والإعلامي الذي يركز على قضايا مثل الحصار ورواتب الموظفين، في محاولة لتقديم التصعيد بوصفه مرتبطا بمطالب داخلية، بينما ترى المصادر أن الهدف الأوسع يتمثل في توفير دعم لطهران خلال مواجهتها مع الولايات المتحدة.
وتضيف المصادر أن التقديرات الإيرانية تتوقع أن يؤدي التصعيد الحوثي إلى رد عسكري يستهدف قيادات المليشيا الأمنية والعسكرية والسياسية، استنادا إلى تجارب سابقة؛ وهو ما دفع الحوثيين، إلى تشديد إجراءات الحماية وإعادة توزيع القيادات ومراكز القيادة.
صعدة.. ملاذ القيادات ومركز التحصينات
وفي موازاة نقل بعض المسؤولين إلى الفنادق، اتجه عدد من قيادات الصف الأول إلى محافظة صعدة، المعقل التاريخي للحوثيين.
وتصف المصادر المحافظة بأنها تحولت إلى منطقة أمنية شديدة الإغلاق، مع فرض قيود على الدخول والخروج وإخضاع الحركة فيها لإجراءات تدقيق وموافقات مسبقة.
كما تتحدث المصادر عن وجود منشآت محصنة داخل مناطق جبلية في صعدة، تستخدم لإدارة العمليات العسكرية وتخزين الأسلحة والاحتماء من الضربات، إلى جانب مواقع مشابهة جرى تطويرها في محافظات أخرى.
أما القيادات العسكرية والمشرفون الميدانيون، فتقول المصادر إن بعضهم تلقى توجيهات بالبقاء داخل خنادق ومواقع محصنة، بينما جرى تعزيز شبكة التحصينات والأنفاق في عدد من مناطق سيطرة المليشيا، خصوصاً في إب وحجة والحديدة.
ويبدو أن هذه الإجراءات تستند إلى خبرة الحوثيين خلال الفترة التي شهدت هجماتهم على الملاحة في جنوب البحر الأحمر، والتي بدأت أواخر عام 2023 واستمرت حتى الربع الأول من 2025.. وخلال تلك المرحلة، لجأت قيادات عسكرية وأمنية إلى مواقع سرية ومساكن بعيدة عن مراكز النشاط المعتادة، الأمر الذي ساعد على حماية عدد من المسؤولين من الضربات الأميركية والإسرائيلية.
لكن التحصينات لم توفر حماية كاملة؛ إذ تمكنت ضربات سابقة من استهداف اجتماع سري لحكومة الحوثيين، ما أسفر عن مقتل رئيس الحكومة وتسعة من وزرائها، إضافة إلى استهداف رئيس أركان المليشيا، رغم إجراءات التخفي التي كانت متبعة آنذاك.
إعادة رسم خريطة إطلاق الصواريخ والمسيرات
ولم تتوقف الإجراءات عند حماية القيادات، إذ اتجه الحوثيون، إلى إعادة توزيع مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة في مناطق التماس.
وتقول المصادر إن ضباطا إيرانيين أشرفوا على إنشاء مواقع إطلاق متعددة، بهدف تجنب الاعتماد على نقطة واحدة يمكن رصدها واستهدافها بسهولة.
وتوزعت هذه المواقع، بحسب المعلومات التي نقلتها «الشرق الأوسط»، في مناطق من محافظات إب وتعز والبيضاء، وبرز استخدامها خلال الهجوم الصاروخي المكثف الذي استهدف ميناء المخا.
وتشير المصادر إلى أن الحوثيين أطلقوا نحو 20 صاروخا من مناطق في محافظة إب، سقط بعضها داخل نطاق المحافظة، فيما استخدمت المليشيا مواقع أخرى في ريف تعز لإطلاق دفعات إضافية من الصواريخ والطائرات المسيرة.
كما أفادت مصادر باستخدام معسكري الأمن المركزي والحرس الجمهوري في مدينة إب لإطلاق عدد من الصواريخ، إلى جانب مواقع في الأقحوز بمديرية مقبنة غرب تعز، ومنطقة الحوبان الواقعة في محيط مدينة تعز.
وفي ما يتعلق بالطائرات المسيرة، قالت المصادر إن معسكرا تابعا للمليشيا في منطقة البرح بمديرية مقبنة، القريبة من المخا، استخدم لإطلاق القسم الأكبر من المسيرات المشاركة في الهجوم.
استراتيجية تقوم على التشتت والاختفاء
وتكشف هذه التحركات، وفق المعطيات التي أوردتها «الشرق الأوسط»، عن مسعى حوثي لإعادة تشكيل منظومة القيادة والسيطرة بما يتناسب مع طبيعة المرحلة العسكرية الحالية.
فبدلا من إبقاء القيادات السياسية والأمنية والعسكرية في مقار معروفة، يجري توزيعها بين فنادق ومناطق سكانية ومواقع محصنة، بالتوازي مع نقل بعض مراكز إدارة المؤسسات إلى أماكن مؤقتة، وتوزيع مواقع إطلاق الأسلحة على نطاق جغرافي أوسع.
وتعكس هذه الإجراءات محاولة لتقليل فرص اكتشاف القيادات ومراكز العمليات، والحد من أثر الضربات التي قد تستهدف البنية العسكرية والأمنية للمليشيا.
لكن تجربة السنوات الماضية، بحسب ما تشير إليه المعلومات، تظهر أن الانتقال إلى العمل السري والتحصينات والأنفاق لا يعني بالضرورة تحييد خطر الاستهداف؛ إذ سبق أن تمكنت ضربات عسكرية من الوصول إلى مواقع اعتقد الحوثيون أنها آمنة.
وبذلك تبدو المليشيا أمام معادلة أمنية معقدة.. إدارة التصعيد من داخل بيئة مدنية ومواقع متفرقة، مع محاولة الحفاظ على فاعلية القيادة والسيطرة، وفي الوقت نفسه تقليل قابلية اكتشاف القيادات ومراكز إطلاق الصواريخ والمسيرات.