شباب تعز في مواجهة حصار البطالة.. من انتظار الوظيفة المفقودة إلى صناعة الفرصة البديلة
- تعز، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
- منذ ساعة
لم يعد الحصول على وظيفة في مدينة تعز يمثل المرحلة الطبيعية التي تعقب سنوات الدراسة والتخرج، بل أصبح تحديًا يوميًا يواجه آلاف الشباب في ظل اقتصاد يعاني من تداعيات حرب مليشيا الحوثي والانكماش وتراجع الاستثمار؛ فبين الوظائف الحكومية المتوقفة، والقطاع الخاص الذي تقلصت قدرته على التوظيف، يجد الشباب أنفسهم أمام خيارات محدودة لا توفر غالبًا الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
ورغم هذه التحديات، لم يتوقف كثير من الشباب عند حدود البحث التقليدي عن العمل، بل اتجهوا إلى ابتكار وسائل جديدة لكسب الدخل، مستفيدين من المهارات المهنية أو المشاريع الصغيرة أو العمل الحر، في محاولة لتحويل الأزمة إلى فرصة، ولو بقدرات وإمكانات محدودة.
البطالة في تعز
أزمة نقص الوظائف
لا ترتبط أزمة البطالة في تعز بمجرد قلة الوظائف، بل تعكس واقعًا اقتصاديًا معقدًا تشكل على مدى سنوات الحرب والحصار الخانق التي تفرضه مليشيا الحوثي، فقد أدى تراجع النشاط الاقتصادي، وتوقف عدد كبير من المؤسسات والمنشآت، إلى تقلص فرص العمل، في وقت تتزايد فيه أعداد الخريجين والباحثين عن وظيفة سنويًا.
يقول الشاب محمد عدنان خريج جامعي لـ "الساحل الغربي": "تخرجت قبل أكثر من عامين، ومنذ ذلك الوقت وأنا أبحث عن وظيفة في تخصصي دون جدوى.. قدمت طلبات إلى جهات كثيرة، لكن فرص التوظيف محدودة، وفي النهاية اضطررت للعمل في مهنة يومية بعيدة عن تخصصي حتى أتمكن من إعالة أسرتي، لأن الانتظار لم يعد خيارًا".
وبحسب كثيرين فإن الانتظار الطويل للحصول على فرصة عمل أصبح جزءًا من حياة كثير من الشباب في مدينة تعز، خصوصًا خريجي الجامعات الذين يصطدمون بسوق عمل لا يستوعب تخصصاتهم، أو يفرض عليهم العمل في مجالات بعيدة عن مؤهلاتهم الأكاديمية.
ويرى مختصون أن استمرار هذا الواقع يؤدي إلى اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، ويجعل البطالة إحدى أبرز القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر في مستقبل الشباب.
صناعة الفرصة
في مواجهة محدودية الفرص، بدأ كثير من الشباب في تعز بإعادة تعريف مفهوم العمل، فبدلًا من انتظار وظيفة حكومية أو مكتبية، اتجه بعضهم إلى إنشاء مشاريع صغيرة أو ممارسة أعمال حرة تعتمد على المهارات الشخصية.
وتتنوع هذه الأعمال بين التجارة الإلكترونية، وخدمات التوصيل، وصيانة الهواتف والأجهزة، والتصميم الجرافيكي، والبرمجة، والتسويق الرقمي، إضافة إلى المهن الحرفية والمشاريع المنزلية التي توفر مصدر دخل، وإن كان محدودًا.
يتحدث الشاب عاصم الشرعبي لـ "الساحل الغربي": "في البداية كنت أعتبر الوظيفة الحكومية هدفي الأساسي، لكن مع مرور الوقت أدركت أن الواقع مختلف، لذا تعلمت مهارة تصميم الجرافيك والتسويق الرقمي من خلال دورات تدريبية، وبدأت أعمل مع عملاء عبر الإنترنت.. صحيح أن الدخل ليس ثابتًا، لكنه أفضل من البقاء بلا عمل، وأشعر أن تطوير المهارات أصبح أهم من انتظار وظيفة قد لا تأتي".
ورغم أن هذه الأنشطة لا توفر استقرارًا وظيفيًا أو ضمانات اجتماعية، إلا أنها أصبحت بالنسبة لكثير من الشباب الخيار الأكثر واقعية في ظل الظروف الراهنة، كما أنها تعكس قدرة الشباب على التكيف مع بيئة اقتصادية شديدة التعقيد.
التدريب المهني
الفجوة بين التعليم وسوق العمل
بالتوازي مع تنامي العمل الحر، اتجهت أعداد متزايدة من الشباب إلى الالتحاق بمراكز التدريب المهني والدورات المتخصصة لاكتساب مهارات تتوافق مع احتياجات السوق، وتشمل هذه البرامج مجالات متعددة، مثل الطاقة الشمسية، وصيانة الهواتف، والبرمجة، واللغات، والتسويق الرقمي، والخياطة، والأعمال الحرفية، وهي تخصصات باتت توفر فرصًا أكبر للعمل الذاتي مقارنة ببعض التخصصات الأكاديمية التقليدية.
كما تنفذ منظمات مجتمع مدني ومبادرات شبابية برامج تدريب وتأهيل تستهدف الشباب، وتسعى إلى تعزيز قدراتهم وربطهم بفرص عمل أو مساعدتهم على تأسيس مشاريع صغيرة، وبحسب ناشطين فإن هذه المبادرات لا تزال محدودة مقارنة بحجم الطلب المتزايد على التدريب وفرص التشغيل.
الهجرة.. خيار اضطراري
مع استمرار ضيق سوق العمل، باتت الهجرة الداخلية أو الخارجية أحد الخيارات التي يلجأ إليها كثير من الشباب، فالكثير من أبناء مدينة تعز فضل الانتقال إلى مدن يمنية أخرى بحثًا عن فرص أفضل، بينما يسعى آخرون إلى السفر خارج البلاد، أملاً في الحصول على دخل أكثر استقرارًا وتحسين أوضاعهم الاقتصادية.
يؤكد الشاب شهاب العديني أن: "معظم أصدقائي إما غادروا إلى محافظات أخرى أو سافروا خارج اليمن بحثًا عن فرصة أفضل.. أنا أيضًا أفكر في الهجرة، ليس لأنني أرغب في ترك مدينتي، بل لأنني أريد أن أؤسس مستقبلي". ويضيف: "عندما لا تجد فرصة عمل مستقرة أو دخلًا يكفي لتغطية احتياجاتك، تصبح الهجرة بالنسبة لك خيارًا اضطراريًا أكثر من كونها رغبة".
ويشير مراقبون أن هذه الهجرة تعكس مدى تراجع ثقة شريحة واسعة من الشباب بقدرة السوق المحلية على استيعاب طموحاتهم، في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية وضعف الاستثمار في المدينة المحاصرة من قبل المليشيا.
تحديات الاستقرار
رغم تنامي المبادرات الفردية، إلا أن الشباب الذين يختارون تأسيس مشاريعهم الخاصة يواجهون تحديات كبيرة، أبرزها صعوبة الحصول على التمويل، وارتفاع أسعار المعدات والمواد الخام، وضعف الخدمات الأساسية، إلى جانب محدودية الإرشاد الفني والتسويقي.
كما أن ضعف القوة الشرائية للمواطنين يؤثر على استمرارية كثير من المشاريع الصغيرة، ما يجعل بعضها يتوقف خلال فترة قصيرة، رغم امتلاك أصحابها أفكارًا قابلة للنجاح في ظروف اقتصادية أكثر استقرارًا.
ويرى خبراء اقتصاديون أن معالجة البطالة تتطلب أكثر من توفير وظائف مؤقتة، إذ تحتاج إلى سياسات تنموية تستهدف تحفيز الاستثمار المحلي، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع برامج التمويل الأصغر، وربط التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل.
ويؤكد هؤلاء أهمية تطوير مراكز التدريب المهني، وتوفير حاضنات أعمال للشباب، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال، بما يسهم في تحويل الطاقات الشابة إلى قوة إنتاجية قادرة على دعم الاقتصاد المحلي.
ما الذي يحتاجه الشباب؟
تكشف تجربة الشباب في تعز أن البطالة لم تعد مجرد غياب للوظيفة، بل أصبحت انعكاسًا لأزمة اقتصادية ممتدة أعادت تشكيل العلاقة بين الشباب وسوق العمل، وبين محدودية الفرص التقليدية ومحاولات صناعة البدائل، يواصل كثير من الشباب البحث عن مسارات جديدة تحقق لهم الحد الأدنى من الاستقرار.
ورغم صعوبة الواقع، فإن قصص المبادرات الفردية والتدريب والعمل الحر تؤكد أن الشباب لا يفتقرون إلى الإرادة أو القدرة على الإبداع، بقدر ما يحتاجون إلى بيئة اقتصادية أكثر استقرارًا، وسياسات تنموية تفتح أمامهم آفاقًا حقيقية للعمل والإنتاج، بدلًا من دفعهم إلى البطالة أو الهجرة بحثًا عن فرصة خارج حدود مدينتهم أو وطنهم.