نزيف الجبهات يدفع الحوثيين لتوسيع التجنيد وإخضاع الأحياء والمدارس للرقابة والتعبئة

  • عادل عبدالماجد، الساحل الغربي:
  • منذ ساعة

تكشف التطورات الأخيرة في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي عن تصاعد الضغوط التي تواجهها، بالتزامن مع تزايد خسائرها البشرية في جبهات الساحل الغربي، الأمر الذي دفعها إلى توسيع عمليات التجنيد والتعبئة والجباية، وتشديد الرقابة على الأحياء، وصولاً إلى إدخال التجنيد بصورة منظمة إلى المدارس.

نزيف في الجبهات وتكتم على الخسائر

وقالت مصادر ميدانية إن مستشفيات خاضعة لسيطرة الحوثيين في الحديدة وصنعاء استقبلت خلال الأيام الأخيرة عشرات القتلى والجرحى من عناصر المليشيا، جرى نقلهم من جبهات الساحل الغربي عقب مواجهات وعمليات تصد لهجمات حوثية متكررة.

وشهدت مستشفيات الحديدة تدفقاً للقتلى والجرحى، قبل نقل عدد من الحالات إلى مرافق صحية في صنعاء، كما استقبلت مستشفيات في العاصمة أعداداً أخرى من المصابين والقتلى القادمين من جبهات مختلفة، وسط تكتم حوثي على حجم الخسائر وهويات القتلى.

وبالتزامن، فرضت المليشيا إجراءات أمنية مشددة حول عدد من المنشآت الصحية في صنعاء، وقيدت حركة العاملين والزوار، فيما أفادت مصادر طبية بتوجيهات لنقل مرضى مدنيين من بعض المستشفيات لإفساح المجال أمام استقبال المصابين والقتلى القادمين من الجبهات.

تعويض الخسائر بالتجنيد

وفي مواجهة هذا النزيف، كثفت المليشيا عمليات الاستقطاب والتجنيد، مستغلة الأوضاع الاقتصادية وانعدام فرص العمل لاستدراج الفئات الأكثر هشاشة إلى صفوفها.

ووفق مصادر محلية، دفعت المليشيا خلال الأيام الأخيرة بنحو 95 شخصاً من المهمشين، معظمهم من عمال النظافة في محافظة إب ومديرياتها، إلى جبهات القتال، بعد إخضاعهم بصورة عاجلة للتعبئة الفكرية والتدريب العسكري.

وأوضحت المصادر أن المجندين اقتيدوا إلى مواقع للتجميع والتدريب قبل الدفع بهم إلى مناطق المواجهات، فيما انقطع التواصل مع عدد منهم عقب نقلهم، وسط مخاوف أسرهم من الزج بهم في الخطوط الأمامية.

إخضاع «عقال الحارات»

وبالتوازي مع حملات التجنيد والجباية، شددت مليشيا الحوثي قبضتها على شبكة «عقال الحارات» في صنعاء، التي تعتمد عليها في مراقبة السكان وتنفيذ عمليات الحشد والتعبئة وجمع الأموال والمعلومات.

وقالت مصادر محلية إن المليشيا استدعت نحو 53 عاقل حي ومشرفاً ميدانياً في مديريات الثورة وبني الحارث والسبعين للتحقيق معهم بشأن ما تسميه «التقارير الميدانية»، قبل أن تحتجز أكثر من 30 منهم وتقيل نحو 23 آخرين، على خلفية اتهامهم بالإخفاق في تحقيق حصص التجنيد وجمع التبرعات ومراقبة السكان.

وتركزت التحقيقات، بحسب المصادر، على أسباب تراجع استقطاب مقاتلين جدد، ومستوى تحصيل الأموال والمساعدات العينية، ومدى تنفيذ مهام جمع المعلومات عن السكان.

كما كثف مشرفو المليشيا نزولهم إلى الأحياء والأسواق للضغط على السكان والتجار وتحصيل مبالغ مالية تحت مسمى دعم «المجهود الحربي».

وتعكس هذه الإجراءات، بحسب المصادر، حجم الضغوط التي تواجهها المليشيا في ملفي التجنيد والموارد المالية، ومحاولتها تحميل عناصرها مسؤولية ضعف الاستجابة الشعبية لحملات التعبئة والجباية، في وقت تتزايد فيه مؤشرات التذمر من سياساتها في مناطق سيطرتها.

من المراكز الصيفية إلى المدارس

ولم تتوقف جهود الحوثيين عند الأحياء والأسواق، إذ بدأت المليشيا، وفق مصادر تربوية، اعتماد آلية لإدماج التجنيد داخل المؤسسات التعليمية، عبر تسجيل الطلاب بصورة منظمة ضمن ما يسمى «قوات التعبئة والاستنفار».

وأوضحت المصادر أن ما تسمى «هيئة التعبئة العامة» التابعة للمليشيا، وبالتنسيق مع وزارة التربية الخاضعة لها، بدأت توزيع استمارات عسكرية داخل المدارس لإدراج الطلاب ضمن برامج التعبئة، تمهيداً لإخضاعهم لدورات قتالية وبرامج أيديولوجية قبل الدفع بهم إلى جبهات القتال.

ويمثل هذا التوجه، في حال استمراره، انتقالاً من استغلال المراكز الصيفية إلى تحويل المدرسة نفسها إلى قناة للتعبئة العسكرية والفكرية، بما يهدد العملية التعليمية ويفتح المجال أمام استقطاب المراهقين والزج بهم في الصراع.

ويتزامن ذلك مع إفادات مصورة لأسرى لدى القوات الحكومية تحدثوا فيها عن عمليات تجنيد قسري طالت أطفالاً وطلاباً وعمالاً صغاراً، قالوا إنهم اقتيدوا من الأسواق أو المدارس إلى الجبهات تحت الضغط والإكراه.

استنزاف الجبهات يتسع إلى المجتمع

وتتقاطع الخسائر البشرية المتزايدة في جبهات القتال مع تصعيد متزامن في التجنيد والجباية والرقابة والقمع الداخلي؛ فالمليشيا، التي تواجه نزيفاً في صفوف مقاتليها، لا تكتفي بتوسيع الاستقطاب بين الفئات الفقيرة والمهمشة، بل تضغط على عقال الأحياء لتحصيل المزيد من المجندين والأموال، وتدفع بالتعبئة إلى داخل المدارس.

وتزامناً مع تصاعد حملات التجنيد والجباية، شددت مليشيا الحوثي قبضتها الأمنية على السكان في مناطق سيطرتها، ووسعت رقابتها على التجمعات في المقاهي والأحياء، وسط مخاوف من الاحتجاز بتهم «الخيانة» أو «التخابر».. وأفادت مصادر محلية بأن السكان باتوا يتجنبون التعبير علناً عن مواقفهم من التصعيد الحوثي، في وقت ارتبطت مراحل التصعيد السابقة بتشديد إجراءات التجسس والرقابة واختطاف ناشطين وموظفين في منظمات دولية ومحلية.

ويعكس هذا التشدد اتساع الفجوة بين الأجندة الحوثية والأولويات المعيشية للسكان، الذين يرزحون تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة وانقطاع المرتبات وتدهور مصادر الدخل، بينما تدفع المليشيا بالمجتمع نحو مزيد من الاستنزاف البشري والمالي لخدمة عملياتها العسكرية.. ومع تصاعد الرفض الشعبي، تتحول أدوات الرقابة والقمع إلى وسيلة لإجبار السكان على الصمت وضمان استمرار تدفق المجندين والأموال إلى آلة الحرب.

ذات صلة