قاتل صامت يفتك بالسكان.. تصاعد لافت في إصابات الجلطات القلبية والدماغية بتعز

  • تعز، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
  • منذ ساعة

في ظل واقع معيشي صعب، تسجل مدينة تعز تصاعدًا لافتًا في حالات الإصابة بالجلطات القلبية والدماغية، في مؤشر مقلق يعكس تداخل الأزمات الاقتصادية والنفسية مع تراجع الخدمات الطبية، إذ لم تعد هذه الحالات مجرد وقائع فردية معزولة، بل تحولت إلى ظاهرة متنامية تتكرر بشكل شبه يومي، حاصدة أرواحًا ومخلّفة إعاقات دائمة، في وقت يجد فيه السكان أنفسهم عالقين بين ضغوط الحياة المتفاقمة ونظام صحي محدود الإمكانات، عاجز عن مواكبة حجم التحديات.

وخلال الفترة الأخيرة، شهدت محافظة تعز، تصاعدًا ملحوظًا في حالات الإصابة بالجلطات، في ظاهرة باتت تثير قلقًا واسعًا لدى الأوساط الطبية والمجتمعية، وسط تزايد حالات الوفاة، وظهور نمط متكرر يربط بين هذه الإصابات والظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها السكان.

ويحذر أطباء ومختصون من أن استمرار هذا التوجه قد يشكل مؤشرًا خطيرًا على تدهور الصحة العامة، خصوصًا في ظل ضعف الإمكانيات الطبية، وتراجع برامج الوقاية والكشف المبكر، إلى جانب الضغوط النفسية والاقتصادية المتراكمة التي يعيشها المواطنون منذ سنوات.

واقع صحي معقد

في مستشفيات مدينة تعز، يلاحظ العاملون في القطاع الصحي ارتفاعًا في عدد الحالات التي تصل بأعراض جلطة دماغية أو قلبية، بعضها في مراحل متقدمة لا تسمح بتدخل علاجي فعال، ما يؤدي إلى مضاعفات خطيرة أو الوفاة.

أحد الأطباء العاملين في مستشفى حكومي بتعز يصف الوضع بأنه "مقلق ويتزايد بشكل تدريجي"، موضحًا أن "الجلطات لم تعد مقتصرة على كبار السن فقط، بل بدأت تظهر في فئات عمرية أصغر، خصوصًا بين الأربعينيات وأحيانًا الثلاثينيات".

ويضيف أن أغلب الحالات التي تصل إلى المستشفى تكون مرتبطة بعوامل متعددة، من أبرزها ارتفاع ضغط الدم غير المشخص أو غير المعالج، السكري، التدخين، إضافة إلى التوتر النفسي المزمن الناتج عن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.


شهادات مواطنين
حياة تحت الضغط

تتكرر هذه القصص في غالبية أحياء مدينة تعز المحاصرة، وتعكس حجم المعاناة اليومية التي يعيشها السكان، والتي لا تتوقف عند حدود الدخل المحدود أو غلاء الأسعار، بل تمتد إلى تأثيرات نفسية وصحية عميقة.

يقول أحمد صادق، وهو موظف حكومي لـ "الساحل الغربي": "نعيش تحت ضغط مستمر، الرواتب لا تكفي، الأسعار ترتفع بشكل يومي، والقلق من المستقبل لا يفارقنا. قبل أشهر أصبت بارتفاع حاد في الضغط كاد أن يسبب لي جلطة، وأخبرني الطبيب أن السبب الأساسي هو التوتر المستمر".

ويضيف: "أصبحت أشعر أن أي مشكلة بسيطة يمكن أن تؤثر على صحتي بشكل مباشر، لم نعد نعيش حياة طبيعية، بل حالة من القلق الدائم".

وتروي فاطمة سعيد، وهي معلمة في إحدى المدارس، تجربة فقدان أحد أقاربها بسبب جلطة دماغية مفاجئة، قائلة: "كان محمد في بداية الأربعينيات، لم يكن يعاني من أمراض مزمنة معروفة، لكن الضغوط كانت تلاحقه يوميًا بسبب العمل والظروف المعيشية. في يوم واحد فقط أصيب بجلطة ولم ينجُ منها". وتشير إلى أن "هذه الحالات أصبحت تتكرر بشكل مخيف، وكأن الناس يعيشون تحت تهديد صحي غير مرئي".

في حين يقول المواطن خالد علي: "التوتر أصبح جزءًا من حياتنا اليومية، حتى النوم لم يعد مريحًا. كل شيء يضغط عليك، بدءًا من الالتزامات، الديون، وضع السوق، وحتى الأخبار اليومية.. هذا كله ينعكس على الصحة دون أن نشعر".


الضغوط النفسية
عامل خفي وخطير

يرى مختصون أن العامل النفسي بات يلعب دورًا متزايد الأهمية في تفسير ارتفاع حالات الجلطات، خاصة في البيئات التي تعاني من أزمات اقتصادية ممتدة.

يقول أخصائي أمراض باطنية وأمراض القلب لـ "الساحل الغربي"، إن "التوتر المزمن الناتج عن الضغوط المعيشية يمكن أن يؤدي إلى تغيرات فسيولوجية في الجسم، مثل ارتفاع ضغط الدم، وزيادة إفراز هرمونات التوتر، وهو ما يرفع احتمالية حدوث الجلطات".

ويضيف: "نحن لا نتحدث فقط عن عوامل تقليدية مثل الكوليسترول أو التدخين، بل عن نمط حياة كامل قائم على القلق المستمر، انعدام الاستقرار، والضغط النفسي اليومي، وهذه كلها عوامل أصبحت حاضرة بقوة في المجتمع".

ويؤكد أن "هناك علاقة مباشرة بين الحالة النفسية والصحة القلبية والدماغية، وقد أثبتت الدراسات أن التوتر المزمن يزيد من احتمالية الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بشكل كبير".


ضعف الكشف المبكر
تحديات النظام الصحي

إلى جانب العوامل النفسية، يشير مختصون إلى أن ضعف برامج الفحص الدوري والكشف المبكر في مدينة تعز يلعب دورًا مهمًا في تفاقم المشكلة.

ويقول أحد العاملين في مستشفى خاص إن "الكثير من الحالات لا تكتشف إلا بعد حدوث الجلطة، لأن الناس لا يقومون بالفحوصات الدورية بسبب الكلفة أو ضعف الوعي الصحي".

ويضيف: "لو كانت هناك متابعة طبية منتظمة، لكان بالإمكان اكتشاف عوامل الخطر مثل ارتفاع الضغط أو السكري مبكرًا، وبالتالي تقليل احتمالية حدوث الجلطات". ويشير إلى أن "المرافق الصحية تعاني من ضغط كبير ونقص في الإمكانيات، ما يحد من قدرتها على تقديم خدمات وقائية متكاملة".


نمط حياة مرهق
غياب الاستقرار

يلفت مختصون إلى أن نمط الحياة اليومي في تعز قد يساهم في زيادة المخاطر الصحية، سواء من خلال العادات الغذائية أو قلة النشاط البدني؛ فمع ارتفاع أسعار المواد الغذائية، يعتمد الكثير من السكان على أطعمة رخيصة غالبًا ما تكون عالية الدهون أو منخفضة القيمة الغذائية، إلى جانب قلة ممارسة الرياضة نتيجة الانشغال بالعمل أو الظروف المعيشية.

ويقول أحد الأطباء: "الجلوس الطويل، قلة الحركة، سوء التغذية، والتدخين، كلها عوامل تتجمع مع الضغط النفسي لتشكل بيئة مثالية لحدوث الجلطات".

خوف متزايد

في الأحياء الشعبية، بات الحديث عن الجلطات يتكرر بشكل ملحوظ بين الناس، خاصة بعد انتشار أخبار حالات وفاة مفاجئة أو إصابات خطيرة.. يقول أحد سكان حي السعيد: "كل أسبوع نسمع عن شخص أصيب بجلطة، بعضهم شباب.. أصبحنا نخاف حتى من الأخبار اليومية، وكأن المرض أصبح قريبًا من الجميع".

هذا الشعور العام بالقلق يضيف بدوره عبئًا نفسيًا جديدًا على السكان، في حلقة مغلقة من التوتر والخوف.. ويرى كثيرون أن مواجهة هذا التصاعد في حالات الجلطات يتطلب تدخلًا متعدد الجوانب، يبدأ من تعزيز برامج التوعية الصحية، مرورًا بتوسيع خدمات الفحص المبكر، وصولًا إلى تحسين الظروف المعيشية بشكل عام.

ويؤكد مختصون أن الصحة النفسية لم تعد قضية ثانوية، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من الصحة العامة، ويجب التعامل معها بجدية أكبر، كما يدعون إلى ضرورة دعم القطاع الصحي في تعز، وتوفير برامج متابعة للأمراض المزمنة، وتخفيف العبء المالي على المواطنين في ما يتعلق بالفحوصات والعلاج.

ذات صلة