الفريق صالح.. رجل القيادة والميدان
في ظل التصعيد المتواصل الذي تمارسه مليشيات الحوثي الإرهابية، واتساع نطاق اعتداءاتها واستهدافاتها شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، وتهديدها للمناطق اليمنية ولأمن الملاحة الدولية، لم يعد مقبولًا أن تبقى المعركة الوطنية تُدار بمنطق البيانات والخطابات، بينما تظل بعض القيادات السياسية والعسكرية بعيدة عن أرض الوطن وميدان المواجهة.
فالمرحلة الراهنة تفرض على مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية وقيادات الأحزاب والمكونات السياسية والعسكرية أن تكون أكثر حضورًا في الداخل، وأكثر التصاقًا بالميدان والجماهير، وأن تتجاوز الخلافات والحسابات الضيقة، وتعيد ترتيب الأولويات على أساس واحد: استعادة الدولة اليمنية وإنهاء الانقلاب الحوثي والحفاظ على النظام الجمهوري ووحدة اليمن.
ومن هنا تأتي أهمية الإشادة بالحضور الميداني للفريق طارق صالح، الذي اختار أن يكون في الميدان، وأن ينتقل إلى المناطق التي تعرضت للاستهداف، وفي مقدمتها مناطق الساحل الغربي وميناء المخا، متابعًا الأوضاع عن قرب، وملتحمًا بالقوات والمواطنين.
إن قيمة القيادة لا تقاس فقط بما تقوله في المؤتمرات أو البيانات، وإنما بما تفعله عندما تكون البلاد أمام اختبار حقيقي. والوجود في الميدان يبعث برسالة معنوية مهمة إلى المقاتل والمواطن على حد سواء: أن القيادة موجودة، وأنها تشارك أبناء الوطن مخاطر المرحلة، وليست بعيدة عنهم.
ولا يمكن في هذا السياق أن نغفل الإشادة بالحضور الميداني للواء سلطان العرادة في مأرب، وكذلك الأستاذ سالم الخنبشي، وغيرهما من القيادات التي أدركت أن المرحلة تتطلب الاقتراب من الداخل، والاستماع إلى الناس، ومتابعة المؤسسات والقوات والمجتمع بصورة مباشرة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا بعد هذا الحضور؟
إن المطلوب ليس مجرد زيارات ميدانية أو صور إعلامية، وإنما تحويل الحضور إلى مشروع وطني متكامل، وإلى قرارات ومؤسسات واستعداد حقيقي لمواجهة الاستحقاقات القادمة.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن الانقسامات داخل معسكر الشرعية كانت واحدة من أهم نقاط الضعف التي استفادت منها مليشيات الحوثي. ولذلك فإن الأولوية الأولى اليوم هي إغلاق هذه الثغرة، وتوحيد القرار السياسي والعسكري، وإنهاء كل أشكال التشرذم التي أضعفت الدولة وأطالت أمد الحرب.
وهنا تبرز أهمية ما تحقق في وزارة الدفاع وهيئة رئاسة الأركان من خطوات باتجاه توحيد المؤسسة العسكرية، بما يعزز مفهوم الجيش الوطني باعتباره مؤسسة للدولة والجمهورية، وليس مؤسسة تابعة لشخص أو حزب أو منطقة.
كما أن استمرار انعقاد المجلس الوطني الأعلى للدفاع الوطني يمثل رسالة مهمة بأن الدولة بدأت تتعامل مع التهديدات باعتبارها قضية أمن قومي، لا مجرد أحداث عسكرية متفرقة.
لكن توحيد المؤسسات العسكرية وحده لا يكفي.
فالجيش يحتاج إلى دولة تقف خلفه، والمقاتل يحتاج إلى راتب وسلاح وإمداد ورعاية، والجريح يحتاج إلى علاج، وأسرة الشهيد تحتاج إلى رعاية، والمواطن يحتاج إلى خدمات وأمن واستقرار.
ومن هنا فإن الاستعداد لأي مواجهة قادمة يجب أن يكون استعداد دولة ومجتمع، وليس استعداد مؤسسة عسكرية فقط.
المعركة القادمة تبدأ قبل إطلاق النار
إذا كانت البلاد تتجه إلى مرحلة أكثر حساسية في الصراع مع مليشيات الحوثي، فإن الاستعداد الحقيقي يجب أن يبدأ من الآن.
أولًا: توحيد القرار السياسي.
ينبغي أن يعمل مجلس القيادة الرئاسي والحكومة والأحزاب والقوى الوطنية ضمن رؤية مشتركة، وأن يتم وضع الخلافات السياسية جانبًا، خصوصًا في القضايا التي تمس الأمن القومي ومستقبل الدولة.
فالاختلاف السياسي مشروع في الدولة، لكن تحويل الخلافات إلى صراع داخل معسكر الجمهورية يخدم الانقلاب الحوثي ولا يخدم اليمن.
ثانيًا: توحيد القرار العسكري والأمني.
المطلوب استكمال عملية بناء المؤسسة العسكرية والأمنية الوطنية، وتثبيت التسلسل القيادي، ورفع مستوى التنسيق بين مختلف التشكيلات، بحيث تصبح القوة العسكرية اليمنية أكثر انسجامًا وقدرة على العمل ضمن استراتيجية وطنية واحدة.
ثالثًا: تعزيز الجبهة الداخلية.
لا يمكن تحقيق النصر العسكري في ظل مجتمع منهك وفاقد للثقة.
ولهذا فإن الحكومة مطالبة بتحسين الخدمات، وانتظام المرتبات، ورعاية أسر الشهداء والجرحى، ومكافحة الفساد، وحماية الموارد العامة، وتعزيز الأمن في المناطق المحررة.
إن المواطن الذي يرى دولة حاضرة وقادرة على حمايته وتوفير الحد الأدنى من احتياجاته سيكون أكثر استعدادًا للدفاع عنها، بينما يؤدي غياب الدولة إلى إضعاف الجبهة الداخلية مهما كانت قوة الجيش.
رابعًا: الاستعداد الاقتصادي.
أي مواجهة طويلة تحتاج إلى اقتصاد قادر على الصمود. ولذلك يجب حماية موارد الدولة، ورفع كفاءة تحصيل الإيرادات، وتقليل الهدر، ومواجهة الفساد، وتأمين احتياجات السكان من الغذاء والوقود والدواء، ووضع خطط طوارئ للتعامل مع أي اضطرابات اقتصادية قد تفرضها المواجهة.
خامسًا: بناء جبهة إعلامية ومعلوماتية وطنية.
المعركة المقبلة لن تكون عسكرية فقط؛ بل ستكون أيضًا معركة وعي ومعلومات.
فمليشيات الحوثي تدرك أهمية الحرب النفسية والشائعات والتضليل، ولذلك تحتاج الدولة إلى خطاب إعلامي مهني وموحد وسريع، يقدم المعلومات الموثوقة للمواطن، ويمنع الشائعات من ملء الفراغ، ويعزز الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
سادسًا: الاستعداد الإنساني والمدني.
الاستعداد للمعركة يعني كذلك حماية المدنيين. ولذلك ينبغي أن تكون هناك خطط للطوارئ والإسعاف والمستشفيات وحماية المنشآت الحيوية وتأمين المواد الأساسية، بما يقلل من آثار أي تصعيد على السكان.
القيادة التي لا تكون في الميدان تفقد جزءًا من تأثيرها
إن حضور القيادات الوطنية في الداخل لا يمثل مجرد موقف رمزي؛ بل له أثر سياسي وعسكري ومعنوي بالغ.
فعندما يرى الجندي قيادته إلى جانبه، ويرى المواطن المسؤول يعيش معه ظروف الحرب، تتعزز الثقة.
وعندما يشعر المواطن أن بعض قياداته لا تزال بعيدة عن أرض الوطن، بينما يتحمل هو والجندي تبعات الحرب، فإن الفجوة النفسية والسياسية تتسع.
ولهذا فإن المطلوب من بقية القيادات السياسية والعسكرية والحزبية أن تعيد النظر في مفهوم القيادة في هذه المرحلة.
اليمن اليوم بحاجة إلى قيادات في الداخل، لا إلى قيادات تدير المعركة من الخارج.
ولا يعني ذلك أن كل مسؤول يجب أن يكون في الخطوط الأمامية، فهناك مهام دبلوماسية وسياسية واقتصادية لا يمكن إنجازها من الميدان، لكن المطلوب أن يكون مركز القرار الوطني حاضرًا في الداخل، قريبًا من المؤسسات والقوات والمواطنين، وأن يشعر الجميع بأن القيادة تتحمل معهم أعباء المرحلة.
لا للحرب العبثية.. نعم للاستعداد والمبادرة
وفي الوقت نفسه، فإن الدعوة إلى الاستعداد لمعركة فاصلة لا تعني الدعوة إلى حرب عشوائية أو الاندفاع إلى مواجهة غير محسوبة بل معركة فاصلة وسريعة وليس استنزافا للقدرات و المقدرات كما يريدها الحوثي.
فالقيادة الحكيمة هي التي تستعد للحرب لكي تمنعها، وتمتلك القوة لكي تفرض السلام، وتختار توقيت المواجهة بدلًا من أن تسمح للخصم بفرض توقيته عليها.
ولهذا فإن استعادة زمام المبادرة لا تعني بالضرورة التحرك العسكري الفوري، وإنما تعني امتلاك القدرة السياسية والعسكرية والاقتصادية والمعلوماتية التي تجعل الدولة قادرة على التعامل مع أي تطور، وتمنع مليشيات الحوثي من فرض قواعد الاشتباك أو تحديد توقيت المواجهة وشروطها.
الشعب شريك في المعركة
ولا ينبغي أن يُنظر إلى الشعب باعتباره مجرد جمهور ينتظر نتائج المعارك.
الشعب هو العمق الاستراتيجي للدولة.
وعليه تقع مسؤولية دعم مؤسسات الدولة، والحفاظ على التماسك الاجتماعي، ومواجهة الشائعات، وعدم الانجرار وراء المناكفات المناطقية والحزبية، والتعاون مع الأجهزة الرسمية في حالات الطوارئ.
وفي المقابل، فإن الدولة مطالبة بأن تتعامل مع شعبها كشريك، وأن توفر له الحماية والخدمات، وأن تشرح له حقيقة الأوضاع، وأن تكون صريحة معه بشأن التحديات والتضحيات المطلوبة.
من الميدان تبدأ استعادة الدولة
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحوثي يستفيد من أي فراغ سياسي أو عسكري أو اجتماعي داخل معسكر الجمهورية.
ولذلك فإن المرحلة الجديدة يجب أن تقوم على قاعدة واضحة:
وحدة القيادة، وحدة القرار، وحدة المؤسسة العسكرية، وحدة الجبهة الداخلية.
ومن هنا فإن الحضور الميداني للفريق طارق صالح، واللواء سلطان العرادة، والأستاذ سالم الخنبشي، ينبغي ألا يبقى مجرد مواقف فردية، بل يجب أن يتحول إلى نموذج لمرحلة جديدة يكون فيها المسؤول قريبًا من مؤسسات الدولة والمواطنين والقوات المسلحة.
لقد آن الأوان أن تعود كل القيادات القادرة إلى الداخل، وأن تعمل من أجل استعادة الدولة، وأن تتحول الخلافات السياسية إلى تنافس داخل إطار الجمهورية، لا إلى صراع يضعفها.
فاليمن لا يحتاج اليوم إلى المزيد من البيانات والخطابات بقدر حاجته إلى قيادة حاضرة، ومؤسسة عسكرية موحدة، واقتصاد قادر على الصمود، وجبهة داخلية متماسكة، ورؤية سياسية واضحة.
إن المعركة الفاصلة، إن فُرضت، لن تحسمها القوة العسكرية وحدها، وإنما يحسمها تماسك الدولة وقدرتها على إدارة مواردها، ووحدة قرارها، وثقة شعبها، واستعداد مؤسساتها.
فالمعركة لا تبدأ عندما تصدر أوامر التحرك العسكري؛ بل تبدأ عندما تنتهي الخلافات، ويتوحد القرار، وتعود القيادة إلى الداخل، ويشعر الجندي أن خلفه دولة وشعبًا، ويشعر المواطن أن أمامه جيشًا ودولة.
وفي هذه اللحظة تحديدًا، يصبح شعار استعادة الدولة مشروعًا وطنيًا قابلًا للتحقق، لا مجرد خطاب سياسي.