تحقيق: ذهب اليمن في قبضة النفوذ الحوثي.. مناجم صعدة وحجة بين التنقيب العشوائي واقتصاد الحرب
- صنعاء، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
- منذ ساعة
في المناطق المنكوبة بمليشيا الحوثي، تخفي الجبال ثروة من الذهب والمعادن الثمينة تحولت تدريجيًا إلى مورد جديد للنفوذ والثراء؛ وبينما يواجه السكان الفقر وتدهور سبل العيش، تتسع أنشطة التنقيب في مناطق نائية من محافظتي صعدة وحجة، وسط استغلال قيادات المليشيا وبعض النافذين غياب الدولة، للسيطرة على مواقع غنية بالمعادن، وتوجيه عوائدها لصالحهم.
ففي محافظة صعدة، معقل المليشيا الإرهابية، تؤكد مصادر خاصة لـ "الساحل الغربي"، عن نشاط متزايد في استخراج المعادن الثمينة، وسط حديث عن سيطرة قيادات حوثية نافذة على مناطق غنية بالمعادن وتحويل عمليات الاستخراج إلى مورد خاص.
يقول "م. س"، تاجر ذهب في صعدة، التقى به معدّ التقرير، إن القيادي الحوثي عبدالله الرزامي يفرض نفوذه على مساحة واسعة في المحافظة، ويجري التعامل معها باعتبارها منطقة خاصة تخضع لنفوذه، مشيرًا إلى وجود معادن ثمينة فيها واستخراج الذهب بصورة مستمرة.
ويضيف التاجر، أن الذهب المستخرج يُنقل إلى قنوات بيع محلية، وأن الرزامي يبيع كميات من الذهب لتجار ومحال الذهب في صعدة بصورة دورية، تصل في بعض الأحيان إلى كيلوغرام أسبوعيًا.
ويشير إلى أن ما يجري في المناطق المنكوبة بمليشيا الحوثي يتجاوز عمليات التنقيب الفردية، إذ تتداخل فيه القوة والنفوذ مع السيطرة على الأراضي ومواقع استخراج المعادن، وصولاً إلى عمليات بيع الذهب وتسويقه، بما يحول الثروة المعدنية إلى مورد اقتصادي تستفيد منه جهات نافذة خارج أي رقابة رسمية.
صعدة.. النفوذ والثروة
عبدالله الرزامي ليس اسمًا هامشيًا في تاريخ مليشيا الحوثي، بل يُعد من أبرز القيادات المرتبطة بالجماعة منذ حروب صعدة الأولى؛ وخلال سنوات الحرب، راكم الرزامي نفوذًا عسكريًا وقبليًا، واحتفظ بشبكة من العناصر المسلحة المرتبطين به وبنفوذه في المحافظة، ما جعله أحد الأسماء البارزة داخل صعدة.
وتكتسب هذه الخلفية أهمية خاصة عند النظر إلى ملف التنقيب عن الذهب والمعادن الثمينة في المحافظة؛ فالثروة المعدنية لا توجد في فراغ، وإنما تقع في مناطق جبلية ونائية تحتاج السيطرة عليها إلى نفوذ وقدرة على الحركة بحرية بعيدًا عن أعين الناس، خصوصًا في ظل إحكام المليشيا سيطرتها على محافظة صعدة، وفرضها قيودًا مشددة على حركة السكان والوصول إلى كثير من المناطق.
وبحسب مصادر "الساحل الغربي"، فإن عمليات استخراج الذهب تجري بصورة مستمرة داخل المنطقة، وإن الكميات المستخرجة تصل إلى السوق المحلية عبر قنوات مرتبطة بالقيادي الحوثي عبدالله الرزامي، وتتجاوز هذه المعطيات مسألة التنقيب غير القانوني عن الذهب، لتفتح باباً أوسع حول كيفية تحول السيطرة المسلحة على الأرض إلى وسيلة للهيمنة على الموارد الطبيعية الكامنة فيها، ففي المناطق المنكوبة بات النفوذ عاملاً حاسماً في الوصول إلى مواقع التعدين، وتأمين عمليات الاستخراج، والتحكم في حركة الخام، وصولاً إلى قنوات بيعه وتسويقه.
وتوضح المصادر، أن الخام يُنقل من مواقع الاستخراج إلى جهات محددة لمعالجته وفصل الذهب، قبل أن تُطرح الكميات المستخلصة للبيع في سوق الذهب بصعدة، وتشير إلى أن عمليات البيع لا تتم بصورة عشوائية، بل يجري تصريف الكميات بشكل دوري عبر عدد من التجار ومحال الذهب.
من صعدة إلى حجة
في قرى محافظة حجة، لا يبدأ البحث عن الذهب بآلات حديثة أو شركات متخصصة، بل بحفرة ضيقة في بطن جبل، ينزل إليها عامل يحمل أدوات بدائية، بحثًا عن صخور يُشتبه في احتوائها على المعدن الثمين، وبعد استخراج الصخور، تُنقل إلى طواحين محلية لطحنها ومحاولة فصل الذهب عنها بوسائل بدائية.
وتشير إفادات محلية إلى أن المنقبين يعتمدون على وسائل تقليدية في عمليات الحفر والاستخراج، قبل بيع ما يعثرون عليه من خام أو ذهب مستخلص إلى تجار محليين، وفي ظل غياب سوق منظمة وآليات شفافة لتسعير الخام، لا يحصل المنقب بالضرورة على القيمة الحقيقية لما يستخرجه، بينما يملك التاجر قدرة أكبر على الوصول إلى الأسواق وتحقيق هامش ربح أعلى.
ويقول كثيرون إن الفقر والبطالة وتراجع مصادر الدخل دفعت مزيدًا من السكان إلى خوض مغامرة التنقيب، رغم المخاطر التي تحيط بها، من انهيار الحفر إلى التعرض للإصابات، فضلاً عن الأضرار الصحية والبيئية الناجمة عن عمليات معالجة الخام بوسائل غير آمنة.
في المقابل، يحصل من يسيطر على الأرض أو يوفر الحماية أو يتحكم في مسار الخام ووصوله إلى السوق على حصة أكبر من القيمة الاقتصادية للذهب، لتتحول ثروة مدفونة في الجبال إلى حلقة أخرى من حلقات اقتصاد الحرب، يستفيد منها قيادات المليشيا، بينما يبقى المنقب الذي يخاطر بحياته للحصول على غرامات قليلة هو الحلقة الأضعف في هذه السلسلة.
الذهب في قبضة النفوذ
لا تبدو حجة بعيدة عن هذا المشهد، فإلى جانب نشاط التنقيب الذي يمارسه السكان، ظهرت خلال السنوات الماضية تقارير تتحدث عن تدخل مليشيا الحوثي في مواقع استخراج الذهب بالمحافظة، وعن فرض قيود على المنقبين، وصولاً إلى مزاعم بشأن نقل خامات مستخرجة من حجة إلى صعدة لمعالجتها.
ولا تستند أهمية ملف الذهب في شمال اليمن إلى روايات المنقبين والتجار وحدها، إذ تشير البيانات الرسمية إلى وجود مؤشرات جيولوجية للذهب في عدد من المناطق، أبرزها صعدة وحجة، ما يجعل الحديث عن هذه الثروة قائماً على أساس علمي.
وبحسب هيئة المساحة الجيولوجية والثروات المعدنية، أظهرت أعمال الاستكشاف في منطقة الفيض بمحافظة صعدة تركيزات وصلت في بعض العينات إلى نحو 11 غراماً من الذهب للطن الواحد، وفي حجة، سجلت الدراسات مؤشرات للذهب في مناطق عدة، بينها الحارقة ووادي مور وعاهم ووادي شرس والحريرة.
وتدرج وزارة النفط والمعادن عدداً من هذه المواقع ضمن المناطق التي سبق طرحها أو منحها للاستثمار، من بينها الفيض في صعدة، والحارقة ووادي شرس ووادي مور ووادي لاعة في حجة، مع تفاوت مستويات التمعدن من موقع إلى آخر.
وتبرز منطقة الحارقة في مديرية كشر بحجة كواحدة من أهم المناطق التي حظيت باهتمام استكشافي؛ إذ قدرت الدراسات احتياطياتها بنحو 40 مليون طن بمتوسط تركيز يبلغ 1.65 غرام من الذهب للطن، فيما توثق بيانات الهيئة وجود نشاط تعدين حرفي في المنطقة.
وتعني هذه المؤشرات أن الذهب في شمال اليمن ليس مجرد ثروة تتناقل المجتمعات المحلية أخبارها، بل مورد معدني أثبتت الدراسات وجوده في مواقع متعددة، غير أن وجود مؤشرات جيولوجية مرتفعة لا يعني بالضرورة أن كامل الكميات تمثل احتياطيات اقتصادية جاهزة للاستخراج؛ فذلك يتطلب مزيداً من الاستكشاف والدراسات الفنية وتقييم الجدوى الاقتصادية والبيئية.
لكن الحرب عطّلت هذا المسار، ومع تراجع حضور الدولة وتعطل الاستثمارات النظامية، أصبحت مواقع كانت يفترض أن تخضع للاستكشاف والتنظيم الرسمي عرضة لنشاط غير منظم، وفي بعض الحالات لممارسات يحيط بها الغموض بشأن الجهات التي تسيطر عليها والعائدات التي تدرها.
ثروة تُستنزف
تبعات التنقيب العشوائي
لا تتوقف تبعات التنقيب العشوائي عن الذهب عند استنزاف مورد طبيعي يفترض أن يخضع لإدارة الدولة، بل تمتد إلى الإنسان والبيئة والاقتصاد المحلي، فغياب الدراسات الفنية والرقابة يجعل عمليات الحفر والاستخراج تتم في ظروف خطرة، ويعرّض المنقبين لانهيارات الصخور والإصابات، بينما تترك الحفر المفتوحة والمخلفات آثاراً دائمة على المناطق الجبلية.
وتزداد المخاطر مع استخدام وسائل بدائية في طحن الخام وفصل الذهب، خصوصاً عندما تدخل مواد كيميائية سامة في عمليات المعالجة من دون إجراءات حماية أو طرق آمنة للتخلص من مخلفاتها، ويمكن لهذه المواد أن تتسرب إلى التربة ومصادر المياه، مهددة صحة السكان ومواشيهم ومصادر رزقهم، خصوصاً في المناطق الريفية التي تفتقر إلى خدمات صحية وبيئية قادرة على التعامل مع آثار التلوث.
كما يفتح هذا النشاط الباب أمام نشوء اقتصاد موازٍ حول الذهب، تتداخل فيه مصالح المنقبين والتجار والوسطاء والنافذين، وقد تتحول السيطرة على مواقع التعدين إلى مصدر جديد للنفوذ، وفي مناطق الحرب، يصبح هذا الأمر أكثر خطورة، إذ يمكن للموارد الطبيعية أن تتحول من ثروة وطنية إلى مورد يمول شبكات المصالح ويعزز نفوذ القوى المسيطرة على الأرض.