"سكاي واسب" تتسيد أجواء صنعاء.. مسيرات الشرعية تضرب العمق وتحاصر التجنيد الحوثي

  • الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
  • منذ ساعة

في تطور عسكري لافت، دخلت مسيرات هجومية بعيدة المدى الخدمة القتالية لدى القوات المسلحة اليمنية، منفذة سلسلة ضربات استهدفت مواقع لمليشيا الحوثي في محيط العاصمة المختطفة صنعاء، في عملية قالت وكالة "شيبا إنتليجنس" إنها تمثل أول استخدام قتالي موثق لهذه المنظومة.

الضربات ركزت على مواقع ذات قيمة عسكرية، بينها أنظمة دفاع جوي ومستودعات أسلحة ومنشآت مرتبطة بالطائرات المسيرة والصواريخ، في مناطق جبلية تطل على صنعاء، ما يعكس طبيعة الأهداف التي جرى اختيارها في العملية.

اللافت في العملية لم يكن فقط وصول الطائرات إلى محيط العاصمة المختطفة، بل ظهور إحداها في سماء صنعاء خلال ساعات النهار، حيث تمكن سكان من تصويرها، قبل أن تحدد "شيبا إنتليجنس" هويتها باعتبارها طائرة "سكاي واسب" الهجومية أحادية الاتجاه بعيدة المدى، والتي سبق أن ربطتها الوكالة ببرنامج الطائرات المسيرة الناشئ لدى القوات الحكومية اليمنية.

وتشير المعطيات إلى أن العملية حملت، إلى جانب بعدها الهجومي، جانبًا استخباريًا محتملًا؛ إذ قد يتيح مسار الطائرة ورصد استجابة الدفاعات الجوية جمع معلومات عن آليات الكشف والاعتراض ومواقع انتشارها، بما يساعد على بناء صورة أدق عن منظومة الدفاع الحوثية.

ويرى مراقبون أن أهمية العملية تتجاوز حدود الضربات التي نُفذت في محيط صنعاء، لتكشف عن انتقال تدريجي في أدوات المواجهة الجوية، مع دخول قدرات هجومية بعيدة المدى إلى ساحة القتال، وقدرتها على الوصول إلى عمق المناطق المنكوبة بالمليشيا واستهداف منشآت مرتبطة بأهم قدراتها الصاروخية والجوية.

صعوبة التجنيد

تواجه مليشيا الحوثي صعوبة متزايدة في استقطاب مجندين جدد؛ ففي المحافظات التي اعتمدت عليها في حملات التجنيد، تتزايد مؤشرات العزوف عن الالتحاق بصفوفها، بالتزامن مع تصاعد الخسائر البشرية في صفوفها، ما يصعب عليها تعويض خسائرها البشرية، ولا تبدو هذه الصعوبة منفصلة عن التطورات الميدانية الأخيرة، خصوصًا مع اتساع نطاق استخدام القوات الحكومية للطيران المسيّر في تعقب عناصر المليشيا وآلياتها واستهداف تجمعاتها ومواقعها في مختلف الجبهات.

وخلال أغسطس2026، ظهرت المسيّرات الحكومية بصورة متكررة في مشاهد نشرها المركز الإعلامي للقوات المسلحة، وهي تتعقب آليات حوثية وتستهدف تجمعات وعناصر في أكثر من جبهة، حيث شملت العمليات مناطق في مأرب وتعز وصعدة وحجة، فيما أظهرت مشاهد أخرى استهداف آليات وتجمعات حوثية على الساحل الغربي، إلى جانب عمليات في الضالع والبيضاء وجبهات أخرى.

ولا تكمن أهمية هذه العمليات في حجم الخسائر التي تعلنها القوات الحكومية عقب كل ضربة، بل في تأثيرها المباشر على القوة البشرية للمليشيا وقدرتها على الحفاظ على عناصرها في الجبهات، فاستمرار عمليات الرصد والاستهداف الجوي يرفع مستوى المخاطر التي يواجهها عناصر المليشيا، ويجعل التحرك والتمركز في المواقع أكثر صعوبة، كما يزيد من الضغوط التي تواجهها في الحفاظ على عناصرها وتعويض خسائرها البشرية.

تفيد مصادر مطلعة لـ "الساحل الغربي"، إن المشاهد التي تبثها القوات المسلحة اليمنية لعمليات الاستهداف أصبحت حاضرة في أحاديث المجندين والوسطاء المحليين، وإن رؤية الآليات وهي تُستهدف من الجو تثير مخاوف لدى بعض الشباب الذين يجري استقطابهم للالتحاق بصفوف المليشيا. وتؤكد المصادر أن الخوف لم يعد مرتبطًا بما يسمعه الشاب عن مخاطر القتال، وإنما بما يراه بصورة مباشرة في تسجيلات تظهر كيفية تعقب عناصر المليشيا والآليات واستهدافها.

هكذا تحولت المسيّرة من أداة قتالية إلى عامل نفسي أيضًا، فالمجند الذي يعرف أن تحركه قد يكون مرصودًا، وأن الطقم الذي يستقله قد يصبح هدفًا، يواجه مستوى مختلفًا من الضغط مقارنة بمن يقاتل في جبهة لا يمتلك فيها خصمه قدرة مستمرة على الرصد والاستهداف، وقد أظهرت تحليلات أن مشاهد المسيّرات الحكومية، ولا سيما عمليات تعقب الأهداف المتحركة، تحمل أثرًا تكتيكيًا ونفسيًا على خطوط التماس.

يأتي ذلك في وقت تحاول فيه المليشيا تعويض خسائرها البشرية بحملات تجنيد جديدة في عدد من المحافظات، غير أن ارتفاع مستوى الخطر في الجبهات يجعل عملية الاستقطاب أكثر صعوبة؛ فالشاب الذي يُطلب منه الذهاب إلى الجبهات يستطيع اليوم أن يرى بنفسه نوع العمليات التي تنتظره، وأن يقارن بين الوعود الزائفة التي تقدم له وبين مصير مجندين سبقوه.


الفرار.. خسارة لا تنتهي

لا تتوقف مشكلة مليشيا الحوثي عند صعوبة استقطاب عناصر جديدة؛ فالجماعة تواجه حالات فرار من الجبهات، في مؤشر يضيف ضغطًا آخر على منظومة تعتمد على تدفق بشري مستمر لإبقاء جبهاتها مأهولة.

ويمثل المقاتل الفار خسارة مزدوجة للمليشيا، فهي تفقد عنصرًا موجودًا بالفعل في الجبهة، بعد أن أنفقت موارد على استقطابه ونقله وتسليحه وإبقائه في موقعه، وتضطر في الوقت ذاته إلى البحث عن مقاتل آخر لسد الفراغ الذي تركه؛ لكن الخسارة الأهم قد تتجاوز الحساب المباشر، لأن العائد إلى قريته لا يعود خالي اليدين؛ بل يحمل معه تجربة مباشرة عن واقع الجبهة.

وتؤكد مصادر لـ "الساحل الغربي" أن بعض الفارين يتعرضون للملاحقة والضغط بعد عودتهم إلى مناطقهم، في محاولة لمنع انتشار أخبار الفرار والظروف التي يعيشها المقاتلون، لكن السيطرة على المقاتل لا تعني بالضرورة السيطرة على تجربته؛ فما يرويه لأسرته وأقاربه وأبناء قبيلته يمكن أن يتحول إلى معرفة اجتماعية تتجاوز حدود شخص واحد.

وتتضاعف المشكلة عندما تتزامن حالات الفرار مع عمليات الاستهداف الجوي، فالمجند الذي يرى آلية حوثية تُدمّر أمامه من الجو، ثم يسمع عن فرار مقاتلين من جبهة أخرى، يواجه صورة أكثر قتامة عن البقاء في صفوف المليشيا، ومع تراكم هذه التجارب، تصبح الجبهة مصدر للخوف ينتقل تأثيره إلى القرى والأسر التي تعتمد عليها المليشيا في التجنيد.

يرى خبراء عسكريون أن الطيران المسيّر أصبح من أهم الأدوات التي تمتلكها القوات المسلحة، لأنه قلّص الفجوة الناتجة عن غياب الطيران النفاث، وأتاح مهام الاستطلاع والرقابة والرصد والتعقب وتنفيذ الهجمات والوصول إلى خلف خطوط الخصم، مشيرين إلى أن دخول هذه القدرة أنهى احتكار الحوثيين لسلاح الطيران المسيّر.

وتكمن أهمية هذا التطور في أنه يضيف قدرة عسكرية جديدة إلى القوات الحكومية، ويغيّر طبيعة العمليات في الجبهات، مع توسع قدرات الرصد والاستهداف الجوي لمواقع وتحركات مليشيا الحوثي، ويزيد ذلك من مستوى المخاطر التي تواجه عناصر المليشيا، ويحد من قدرتها على التحرك والتمركز بأمان، في وقت تتداخل فيه نتائج العمليات الميدانية مع تأثيراتها النفسية على الشباب الذين تستهدفهم حملات التجنيد.


المسيّرة تغيّر المعادلة

لأعوام طويلة، اتسم أداء القوات الحكومية في كثير من الجبهات بطابع دفاعي، يقوم على صد هجمات مليشيا الحوثي الإرهابية والحفاظ على خطوط التماس ومنع اختراق المواقع، فيما التطورات الأخيرة تظهر استخدامًا مختلفًا للمسيّرات، يشمل الرصد، التعقب، اختيار الهدف، ثم الضرب في الوقت والمكان المناسبين.

وهذا التحول ظهر بوضوح عندما توالت مشاهد استهداف الآليات والتجمعات الحوثية في الساحل الغربي وتعز، ومأرب وحجة وصعدة والضالع والبيضاء، حيث أظهرت المشاهد في إحدى العمليات تعقب آليات حوثية قبل استهدافها، بينما وثقت مشاهد أخرى ضرب تجمعات وعناصر ومعدات تستخدم في التحصين.

وهذا يعني أن المسيّرة لا تعمل منفردة؛ إذ تظهر قيمتها العسكرية الحقيقية عندما ترتبط بمنظومة رصد واتصال وقرار ميداني، فكلما قصرت المدة بين اكتشاف الهدف واستهدافه، زادت فرصة إصابته قبل أن يغيّر موقعه أو يختبئ.

ومن هذه الزاوية، يمثل انتشار المسيّرات الحكومية تحولًا من استنزاف ثابت على خطوط التماس إلى استنزاف متحرك، حيث وسعت هذه القدرة نطاق المهام التي تستطيع القوات المسلحة تنفيذها في مناطق المواجهة وخلف خطوط الخصم، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على الضغط على المليشيا وليس الدفاع أمامها.


معركة استنزاف طويلة

يقول مراقبون إن استمرار القوات الحكومية في استخدام الطيران المسيّر بوتيرة متصاعدة قد يتجاوز أثره نتائج الضربات المباشرة، ليؤثر في طريقة إدارة مليشيا الحوثي لجبهاتها وتحركاتها الميدانية، ومع اتساع نطاق الرصد والاستهداف، قد تضطر المليشيا إلى تقليل تجمعات عناصرها وآلياتها، وتغيير مسارات الإمداد والتحرك، واتخاذ إجراءات إضافية لإخفاء مواقعها، ما يفرض عليها كلفة عملياتية أكبر ويستنزف وقتًا وموارد إضافية.

ويؤكدون أنه كلما اضطرت المليشيا إلى تشتيت عناصرها وآلياتها خشية الرصد والاستهداف، تراجعت قدرتها على الحشد السريع وتنفيذ الهجمات المنظمة، في حين يمنح استهداف الأهداف المتحركة القوات الحكومية قدرة أكبر على الضغط على مواقع المليشيا دون الحاجة إلى خوض اشتباكات برية مباشرة في كل مرة.

وتبرز هنا أهمية الاستنزاف البشري على وجه الخصوص؛ فالخسائر لا تقتصر على المعدات والآليات، وإنما تمتد إلى العناصر والقادة ذوي الخبرة الذين يصعب تعويضهم بالسرعة ذاتها.. ويشير مراقبون إلى أن تزامن هذا الاستنزاف مع صعوبة استقطاب مجندين جدد وتزايد حالات الفرار من الجبهات، قد يحوّل الخسائر المتفرقة تدريجيًا إلى أزمة في قدرة المليشيا على إعادة إنتاج قوتها العسكرية والحفاظ على جاهزيتها القتالية.

وبحسب كثيرين فإنه كلما اتسعت الفجوة بين الخسائر البشرية وقدرة المليشيا على تعويضها، تزداد الضغوط على بنيتها العسكرية، وتتراجع قدرتها على الحفاظ على الكثافة البشرية اللازمة للجبهات، بما قد ينعكس تدريجيًا على مستوى جاهزيتها وقدرتها على مواصلة العمليات القتالية بالوتيرة ذاتها.

ذات صلة