تعز أمام محاولة حوثية لإعادة رسم خريطة الحرب.. معركة مفتوحة على الطرق والمرتفعات وخطوط الإمداد
- الساحل الغربي، عبدالمالك محمد:
- منذ ساعة
تشهد محافظة تعز تصعيداً عسكرياً واسعاً، مع تكثيف مليشيا الحوثي تحركاتها على عدد من الجبهات الغربية والشمالية والجنوبية، في محاولة لتوسيع نطاق نفوذها وقطع ما تبقى من خطوط الإمداد والربط بين مدينة تعز والمناطق المحررة، بالتزامن مع تحركات ميدانية للقوات الحكومية لاستعادة مواقع تسللت إليها المليشيا ومنعها من إعادة فرض الحصار على المدينة.
وتزامن التصعيد مع مواجهات عنيفة في مناطق متفرقة من المحافظة، تمكنت خلالها القوات الحكومية، مسنودة بالمقاومة والقبائل، من استعادة مواقع وقرى كانت مليشيا الحوثي قد وصلت إليها في ريف تعز الغربي، ودفعها باتجاه مناطق جديدة، بالتوازي مع غارات جوية استهدفت تجمعات وتعزيزات وآليات ومنصات إطلاق صواريخ تابعة للمليشيا.
وقالت مصادر محلية وعسكرية إن القوات الحكومية خاضت مواجهات عنيفة مع الحوثيين في منطقة غيل بني عمر الواقعة بين مديريتي الوازعية والشمايتين، وانتهت باستعادة عدد من القرى التي كانت المليشيا قد وصلت إليها خلال الأيام الماضية.
كما استعادت القوات الحكومية مواقع مطلة على منطقة جرداد في مديرية الشمايتين، وتقدمت باتجاه غيل بني عمر، بعد معارك مع عناصر حوثية تسللت إلى عدد من المواقع في غرب المحافظة.
وأفادت مصادر عسكرية بأن القوات الحكومية تمكنت خلال العمليات من الاستيلاء على عتاد ومعدات عسكرية تركتها مليشيا الحوثي، وإيقاع خسائر بشرية في صفوفها.
وفي جبهتي المحاولة والخزم، شمال مديرية المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج، تصدت القوات الحكومية، بإسناد من القبائل، لهجوم حوثي وأجبرت المليشيا على التراجع بعد تكبيدهم خسائر في الأرواح والمعدات.
وفي مدينة تعز، أحبطت القوات الحكومية هجمات حوثية على مواقعها في جبهتي الدفاع الجوي شمال غربي المدينة والتشريفات شرقيها، كما تصدت لمحاولة اقتحام المنفذ الشرقي وأجبرت المهاجمين على التراجع تحت ضغط النيران.
وشهدت مناطق أخرى في مديرية جبل حبشي اشتباكات بين الطرفين، فيما تحدثت المصادر عن تراجع الحوثيين من عدد من مواقع الاشتباك.
وتزامنت المعارك البرية مع تكثيف الغارات الجوية على مواقع وتحركات حوثية في جبهات متعددة.
واستهدفت الغارات أطقماً وتجمعات وآليات حوثية في مديريات ذوباب والوازعية وحيفان، إلى جانب تجمع للمسلحين في منطقة العفيرة بمديرية جبل حبشي، حيث أفادت مصادر عسكرية بتدمير عدد من الآليات وانفجار مخزون من ذخائر الأسلحة المتوسطة، ومقتل 10 مسلحين على الأقل.
كما طالت الغارات تعزيزات وعربات ومدرعات حوثية على «خط الـ60» شمال مدينة تعز، إضافة إلى مواقع وثكنات وآليات في الربيعي وحيفان والكدحة والمخا والأحكوم والضباب والستين.
واستهدفت إحدى الضربات منصة لإطلاق الصواريخ الباليستية في منطقة الستين شمال مدينة تعز.
وقال المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية العقيد الركن ماجد النزيلي، إن القوات الجوية دمرت عتاداً وتجمعات حوثية في منطقة «صندوق القتل» ضمن نطاق العمليات العسكرية في مديريتي ذوباب والمخا.
وفي جبهة كهبوب المطلة على الشريط الساحلي ومضيق باب المندب، أكدت مصادر عسكرية تمركز عناصر حوثية في المرتفعات، فيما أعلنت ألوية العمالقة تدمير آلية عسكرية تابعة للمليشيا في المنطقة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن التحركات الحوثية في ريف تعز الغربي لا تقتصر على محاولة السيطرة على مواقع عسكرية، وإنما ترتبط بمعركة أوسع للسيطرة على الطرق والمرتفعات وخطوط الإمداد المحيطة بالمحافظة.
وبحسب مصادر محلية، توغلت عناصر حوثية خلال الأيام الماضية انطلاقاً من جبهة الكدحة باتجاه مناطق في الريف الغربي، ونفذت عملية التفاف عبر منطقة بني عمر مروراً بقرية الأحراز باتجاه قرية العجرم، في محاولة للوصول إلى الطريق الإسفلتي الذي يربط مدينة التربة ومركز الحجرية بمدينة تعز.
وتحركت عناصر حوثية في بعض المناطق سيراً على الأقدام أو باستخدام الدراجات النارية، بسبب وعورة التضاريس وصعوبة تحرك الآليات، قبل أن تتمكن القوات الحكومية والمقاومة من دحر المهاجمين إلى حدود مناطق الغيل مع الوازعية، والاستيلاء على معدات ثقيلة وعربات تركها الحوثيون خلال المواجهات.
وتحدثت المصادر عن استمرار تحركات الحوثيين في عزلة بني بكاري بمديرية جبل حبشي، حيث تمركزت عناصر للمليشيا في عدد من القرى، بالتزامن مع محاولات للسيطرة على المرتفعات الجبلية المشرفة على المنطقة، خصوصاً في بني عمر وبني بكاري، والوصول إلى أعلى المرتفعات في جبل حبشي.
وفي مديرية خدير، دفعت المليشيا بتعزيزات عسكرية إلى مدينة الدمنة، بالتزامن مع تحركات في منطقة الأقروض بمديرية المسراخ وباتجاه مديرية الصلو، بالقرب من خطوط التماس مع القوات الحكومية.
وتكتسب التحركات في الريف الغربي أهمية استراتيجية بالنظر إلى ارتباط المنطقة بشبكة الطرق التي تصل تعز بالمناطق الجنوبية والغربية، وصولاً إلى لحج وعدن من جهة، والساحل الغربي وميناء المخا من جهة أخرى.
وخلال سنوات الحرب، تحول الوصول إلى مدينة تعز ومنافذها إلى واحدة من أبرز القضايا العسكرية والإنسانية، بعدما تعرضت الطرق الرئيسية المؤدية إلى المدينة للقطع والتضييق، ما صعب حركة السكان والسلع والإمدادات والخدمات.
وتشير المصادر المحلية إلى أن الحوثيين يسيطرون على الطريقين الرئيسيين اللذين كانا يربطان تعز بالساحل الغربي؛ الأول من جهة الشمال عبر مفرق البرح، والثاني عبر محور الكدحة باتجاه الساحل وميناء المخا.
كما تمتد خريطة التحصينات والدفاعات حول تعز على سلسلة واسعة من المرتفعات والمناطق الجبلية، تبدأ من شمال مديرية جبل حبشي مروراً بالمشاولة وبني عمر وراسن والمقاطرة وحيفان جنوباً، وصولاً إلى سامع والصلو والأقروض شرقاً، فضلاً عن خطوط التماس المحيطة بمدينة تعز من مختلف الجهات.
ويجعل هذا الاتساع المواجهة أكثر تعقيداً، إذ لم تعد المعركة محصورة في جبهات محددة حول المدينة، وإنما أصبحت مرتبطة بالسيطرة على شبكة واسعة من الجبال والطرق والممرات التي يمكن استخدامها للتسلل والالتفاف وقطع خطوط الإمداد.
تعز ترفع الجاهزية وتوحد الجبهة الداخلية
في موازاة التحرك العسكري، رفعت السلطة المحلية في تعز مستوى الجاهزية السياسية والميدانية، وتحركت لتوحيد الجبهة الداخلية في مواجهة التصعيد الحوثي.
والتقى محافظ تعز نبيل شمسان، مشايخ وأعيان ووجهاء وشخصيات اجتماعية في مديرية الشمايتين، ضمن تحركات هدفت إلى تعزيز التماسك الداخلي وتوحيد الموقف المحلي خلف القوات الحكومية.
واستمع المحافظ إلى شرح بشأن الاستعدادات لرفد الجبهات وتعزيز وحدة الصف، مؤكداً أن أمن المحافظة «خط أحمر»، ورافضاً تحويل الخلافات الداخلية إلى ثغرات يمكن للحوثيين استغلالها.
وأكد شمسان أن تعز ستواصل الصمود في مواجهة المليشيا، مشيداً بالدور الذي لعبته المحافظة خلال سنوات الحرب في الحفاظ على مؤسسات الدولة، وبالدعم السعودي للحكومة والشعب اليمني في مواجهة الحوثيين.
وتفقد رئيس أركان محور تعز اللواء عبدالعزيز المجيدي، المقاتلين المرابطين في عدد من الجبهات المحيطة بمدينة تعز، للاطلاع على الأوضاع الميدانية وتفقد احوال المقاتلين وتعزيز معنوياتهم.
وخلال الزيارة أشاد اللواء المجيدي بصمود المقاتلين و معنوياتهم وثباتهم مؤكداً أهمية رفع مستوى الجاهزية واليقظة والحذر.
كما تفقد قائد محور طور الباحة قائد «اللواء الرابع مشاة جبلي» اللواء الركن أبو بكر الجبولي، جبهة جرداد الاستراتيجية الواقعة شرق الوازعية وغرب الشمايتين، واطلع على مستوى الجاهزية وانتشار القوات.
وأكد الجبولي أن القوات الحكومية في حالة يقظة واستعداد للتعامل مع أي تحركات حوثية، نافيًا ما وصفها بأنها ادعاءات للجماعة بشأن تحقيق تقدم ميداني خلال الأيام الماضية.
وتنبع أهمية جبهة جرداد من موقعها بين الوازعية والشمايتين، إذ إن أي اختراق فيها يمكن أن يضغط على طرق الحركة بين المناطق المحررة غرب تعز والداخل، فيما يمثل تثبيت القوات الحكومية لمواقعها هناك جزءاً من جهود منع الحوثيين من توسيع نطاق الحصار المفروض على مدينة تعز.
دعوات لتوحيد القوى المناهضة للحوثيين
ومع اتساع رقعة المواجهات، تتزايد الدعوات داخل تعز إلى توحيد جهود القوى السياسية والعسكرية والمكونات الاجتماعية، وتجاوز الخلافات البينية، والاستفادة من المقاتلين العائدين من جبهات الساحل الغربي لتعزيز خطوط الدفاع عن المحافظة.
ويرى أصحاب هذه الدعوات أن الأولوية تتمثل في منع الحوثيين من إغلاق آخر المنافذ التي تربط تعز بمناطق نفوذ الحكومة، خصوصاً الطريق المؤدي جنوباً إلى لحج وعدن.
ويحذر متابعون من أن أي تقدم حوثي جديد في الريف الغربي لا ينبغي النظر إليه باعتباره تحركاً عسكرياً محدوداً، بل جزءاً من صراع أوسع على الطرق والمرتفعات وخطوط الإمداد.
وفي المناطق التي شهدت تقدماً حوثياً، أفادت مصادر محلية بمغادرة عدد من السكان لمنازلهم، في ظل تصاعد المخاوف الأمنية. ويرى بعض أبناء المنطقة أن هذا النزوح لا يرتبط فقط بالخوف من المواجهات، وإنما يعكس أيضاً رفضاً اجتماعياً للمليشيا.
ويأتي التصعيد في تعز ضمن موجة أوسع امتدت إلى الحديدة ومأرب، وخلفت خسائر بشرية وحركة نزوح واسعة، وفق حصيلة أولية أعلنتها وزارة حقوق الإنسان اليمنية.
وقالت الوزارة إنها وثقت، أو تلقت بلاغات بشأن، مقتل 150 مدنياً وإصابة أكثر من 200 آخرين ونزوح نحو 85 ألف شخص خلال الفترة من 3 إلى 13 سبتمبر، جراء العمليات العسكرية والقصف بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة ومختلف أنواع الأسلحة.
وأفادت الوزارة بأن التصعيد طال مناطق مأهولة ومخيمات للنازحين وقوافل مدنيين فروا من مناطق القتال، مشيرة إلى أن منظمة الهجرة الدولية سجلت وصول نحو ألفي شخص إلى جيبوتي نتيجة التصعيد، في مؤشر على امتداد تداعيات المواجهات إلى خارج الحدود اليمنية.
وفي تعز، قالت الوزارة إن مناطق سكنية تعرضت للقصف، بينها منطقة الشقب، حيث قُتلت امرأة حامل وجنينها، إلى جانب موجات نزوح جديدة من المناطق التي شهدت اشتباكات.
كما تحدثت الوزارة عن انتهاكات قالت إنها شملت اقتحام ونهب مقار منظمات دولية ومنازل ومؤسسات حكومية، واختطاف صحافيين وموظفين ومسؤولين حكوميين وعاملين في السلطة القضائية، فضلاً عن بلاغات بشأن إعدامات ميدانية واستهداف جرحى داخل منشآت صحية.
وحذرت الوزارة من أن استهداف المدنيين والنازحين والمنشآت المدنية والطبية، إلى جانب القتل خارج نطاق القانون والاختطاف والاحتجاز التعسفي ونهب الممتلكات، يمثل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وقد ترقى بعض الوقائع إلى جرائم حرب وفق ظروف كل حادثة وما تثبته التحقيقات.
وتضع التطورات الميدانية محافظة تعز أمام مرحلة جديدة من التحدي العسكري والأمني، في ظل تعدد الجبهات واتساع مسرح العمليات وتغير خطوط التماس في الساحل الغربي.. وبينما تحاول مليشيا الحوثي استثمار هذه المتغيرات للوصول إلى الطرق والممرات الحيوية، تبدو معركة تعز مرتبطة بصورة مباشرة بمنع عزل المدينة، وتأمين منافذها، والحفاظ على خطوط الإمداد والحركة مع المناطق الواقعه تحت نفوذ الحكومة المعترف بها.