رسوم المجاري تشعل الجدل في تعز.. أعباء جديدة مقابل خدمات متوقفة
- الساحل الغربي- تقرير هاشم علي
- منذ ساعة
في تعز حيث توقفت الخدمات الأساسية منذ أكثر من عشر سنوات نتيجة حرب مليشيا الحوثي التي عصفت بالمدينة، يواجه السكان معضلة جديدة تضاف إلى معاناتهم اليومية المستمرة، فقد أثار قرار المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي فرض ما يُعرف بـ "رسوم المجاري" على المنازل والشقق والمحلات التجارية، وحتى المساجد والمحاكم والنيابات، جدلاً واسعًا بين المواطنين وأصحاب المؤسسات والمحامين والهيئات المدنية، في وقت تتعثر فيه المدينة تحت وطأة أزمات متعددة ومتداخلة.
يأتي هذا القرار في ظل واقع مأساوي يعيشه السكان، يتمثل في أزمة المياه، وارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع الأساسية والخدمات، وغياب فرص العمل، وتراجع القدرة الشرائية للأسر، وهو ما يجعل أي رسوم إضافية، مهما كانت رمزية، عبئًا ماليًا ثقيلًا يزيد من الضغط على المواطنين والمؤسسات الصغيرة والكبيرة على حد سواء.
وتتجلى حدة الأزمة في أن شبكة الصرف الصحي، التي يفترض أن تكون خدمة أساسية للمواطنين، لم تعد تعمل بكفاءة منذ سنوات الحرب، حيث أدت أعمال التخريب والحصار المستمر إلى تدهور البنية التحتية وفشل الشبكة في أداء دورها الصحي والبيئي، ما يجعل فرض رسوم عليها أمرًا مثيرًا للجدل القانوني والاجتماعي، ويطرح تساؤلات حول مدى شرعية الإجراءات المتخذة ومراعاتها للمعايير الإنسانية والقانونية.
وفي ظل هذه الظروف، يشعر المواطنون أن القرار يمثل ثقلًا إضافيًا على كاهلهم، ويضعهم بين خيارين صعبين، إما دفع رسوم مقابل خدمة لا يحصلون عليها فعليًا، أو مواجهة إجراءات تهدد حياتهم اليومية وصحة أسرهم، مثل تهديدات سد خطوط الصرف الصحي في المنازل والمؤسسات، ما يضاعف معاناتهم ويعرض المدينة لمخاطر صحية وبيئية متزايدة.
كما يثير القرار تساؤلات حول مدى مطابقة هذه الإجراءات للدستور اليمني والقوانين المحلية، خاصة وأن الدستور ينص على مبدأ واضح "لا رسوم إلا بقانون"، فيما لا يوجد أي أساس قانوني أو لائحة تسمح بفرض رسوم مستقلة على شبكة الصرف الصحي، خارج إطار فاتورة المياه المعتمدة سابقًا، ما يجعل هذا الإجراء موضع نقد واسع من المحامين وأصحاب الحقوق المدنية.
فرض رسوم
الإجراءات والسلوك
تحدث مواطنون في مدينة تعز لـ "الساحل الغربي" بأن المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي بدأت مؤخرًا في تنفيذ خطة لفرض ما يُعرف بـ"رسوم المجاري" على المنازل والشقق والمحلات التجارية، إضافة إلى بعض المؤسسات الحكومية والدينية، إذ تزعم المؤسسة أن هذه الخطوة تأتي في محاولة تغطية تكاليف تشغيل شبكة الصرف الصحي وصيانتها، لكنها أثارت اعتراضات واسعة.
ويضيف الأهالي أن الإجراءات التي تتبعها المؤسسة تعتمد على ضغط مباشر على أصحاب المؤسسات، من خلال تهديدهم بسد خطوط الصرف الصحي في حالة عدم تسديد المبالغ المستحقة، سواء كانت فواتير متراكمة منذ سنوات أو رسوم اشتراك شهرية جديدة، مؤكدين أنه في بعض الحالات، تم تنفيذ إجراءات السد الجزئي في مختبرات وفنادق معينة، ما أثار قلق أصحابها بشأن تأثير ذلك على أعمالهم اليومية وسمعتهم أمام العملاء والمراجعين.
وتؤكد المصادر أن المؤسسة بعثت رسائل تحذيرية للمواطنين وأصحاب المؤسسات، مفادها أن أي تأخير في الدفع سيؤدي إلى إغلاق خطوط الصرف الصحي الخاصة بهم، وقد بدأت بعض المختبرات والفنادق بالفعل تشعر بتأثير هذه الإجراءات، ما يفرض عليها دفع الرسوم لتجنب توقف خدماتها.
فيما تتمسك المؤسسة بضرورة تحصيل الرسوم بأي وسيلة كانت، مشددة على أن الهدف من الإجراءات هو ضمان استمرارية عمل شبكة الصرف الصحي، بغض النظر عن الظروف المعيشية للسكان أو المخاطر البيئية والصحية الناجمة عن هذه السياسات.. هذا الموقف يثير تساؤلات حول مدى مراعاة المؤسسة لحقوق السكان، وما إذا كانت هناك خطة قانونية واضحة لتطبيق هذه الرسوم بطريقة عادلة وشفافة.
ويلاحظ مراقبون أن هذه الإجراءات، على الرغم من كونها رسمية، قد تؤدي إلى تفاقم المشكلات البيئية والصحية في المدينة، إذ إن سد المجاري أو وضع قيود على تدفق الصرف الصحي يمكن أن يسبب تراكم النفايات، وارتفاع خطر انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه، إضافة إلى تلف شبكة الصرف الصحي نفسها على المدى الطويل.
استياء السكان
يشكو سكان مدينة تعز من أن فرض رسوم على شبكة الصرف الصحي يمثل عبئًا إضافيًا غير مبرر يزيد من معاناتهم اليومية، معتبرين أن هذه الإجراءات تأتي في وقت لا تتوافر فيه أبسط الخدمات الأساسية، ما يجعل مطالبتهم بالدفع عبئًا ماليًا ثقيلًا لا مبرر له.
يقول المواطن عبدالله عبدالوهاب: "نعيش حصارًا مطبقًا منذ سنوات، والمياه مقطوعة، وبالتالي مطالبتنا بدفع رسوم الصرف الصحي يزيد من معاناتنا اليومية، خصوصًا مع غلاء الأسعار وندرة الوظائف".
ويوضح الرجل أن الأسر تواجه صعوبات كبيرة في تأمين احتياجاتها الأساسية، وأن فرض رسوم إضافية في هذه الظروف يشكل ضغطًا مضاعفًا، يثقل كاهل السكان الذين لم يعودوا قادرين على تغطية احتياجاتهم اليومية، مشيرًا إلى أن التهديد بفصل خدمات الصرف الصحي لا يقتصر على الجانب المالي، بل يمتد إلى تهديد الصحة العامة وسلامة البيئة في المدينة، حيث يمكن أن يؤدي توقف المجاري إلى طفح مياه الصرف في الشوارع والمنازل، ما يفاقم المخاطر الصحية.
ومن جهته، يصف مالك محل تجاري أكرم القحطاني الإجراءات بأنها نوع من الابتزاز المالي والضغط على أصحاب الأعمال: "كيف يمكن أن تُفرض رسوم على خدمة لا نحصل عليها؟ تهديدنا بفصل خدمات الصرف الصحي يعرض حياتنا وصحة المدينة للخطر، ونحن لا نملك الموارد الكافية لمواجهة هذه المطالب المفاجئة".
ويشير إلى أن هذه الإجراءات تؤثر أيضًا على النشاط التجاري، خاصة أن أصحاب المحلات والمختبرات والفنادق أصبحوا مضطرين لدفع مبالغ كبيرة لتجنب توقف خدمات الصرف الصحي، ما يرفع من تكلفة تشغيل أعمالهم ويؤثر على استقرار السوق المحلي.
إلى ذلك، رأت جمعية حماية المستهلك أن هذه الممارسات تمثل انتهاكًا لحقوق المواطنين وتشكل جريمة بيئية ذات خطر عام، حيث يمكن أن يؤدي سد المجاري ووضع المواد الصلبة في شبكة الصرف الصحي إلى تلوث البيئة وانتشار الأمراض، بالإضافة إلى تلف أساسات المباني والشوارع العامة.
وبدورها أصدرت الجمعية بلاغًا رسميًا إلى النيابة العامة بمحافظة تعز، طالبت فيه بالتحقيق الإداري في سلوك المؤسسة واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المواطنين والحد من المخاطر البيئية والصحية.
هذه الاحتجاجات تظهر مدى استياء المجتمع المدني بشكل واضح، حيث يعتبر السكان أن هذه الرسوم تُفرض عليهم بطريقة غير عادلة وغير قانونية، وتزيد من تفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية في المدينة، في وقت يحتاج فيه المواطنون إلى أي تخفيف عن معاناتهم اليومية، وليس المزيد من الأعباء المالية.
جدل قانوني
يقول محامون إن فرض رسوم الصرف الصحي المستقلة عن فاتورة المياه التقليدية يفتقر إلى أي سند قانوني واضح أو معترف به، مؤكدين أن هذه الرسوم تفرض على المواطنين بطريقة تجاوزت الأطر القانونية والدستورية المعتمدة، ولا تستند إلى أي تشريع أو لائحة رسمية تسمح للمؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي بتحصيلها بشكل منفصل عن فاتورة استهلاك المياه.
ويشير قانونيون إلى أن أي رسوم إضافية تُفرض على شبكة الصرف الصحي، خصوصًا في ظل انقطاع الخدمة أو توقفها منذ سنوات الحرب، يعتبر تجاوزًا قانونيًا، ويضع المواطنين في موقف لا يملكون فيه أي حماية قانونية للمطالبة بحقوقهم أو الاعتراض على هذه الرسوم.
ويرى مراقبون أن هذا الإجراء قد يفتح المجال لملاحقة المؤسسة قانونيًا، باعتباره انتهاكًا لمبادئ العدالة وحقوق المواطنين في الحصول على خدمات عامة مقابل رسوم عادلة وقانونية، مشيرين إلى أن استمرار فرض هذه الرسوم دون سند قانوني قد يشكل سابقة خطيرة يمكن أن يُستند إليها مستقبلاً لتبرير فرض أي رسوم جديدة على السكان دون إطار دستوري أو تشريعي، ما يزيد من المخاطر القانونية والاجتماعية.
تأثير الرسوم
الأضرار البيئية والصحية
يواجه سكان مدينة تعز ضغوطًا مضاعفة نتيجة فرض رسوم الصرف الصحي في وقت تتوقف فيه الخدمات الأساسية، حيث يجد المواطنون أنفسهم أمام معضلة مزدوجة دفع رسوم مقابل خدمة غير مقدمة، والتعامل مع ظروف معيشية صعبة تتمثل في ارتفاع أسعار السلع، ندرة فرص العمل، وتدهور القدرة الشرائية للأسر.
تؤكد هذه المواقف أن فرض الرسوم يضيف عبئًا ماليًا إضافيًا على المواطنين، ويجعل من الصعب عليهم تأمين متطلبات أسرهم اليومية، ويجعلهم عرضة لمخاطر صحية وبيئية ناتجة عن تراكم المياه العادمة أو استخدام بدائل غير رسمية.
وعن إجراءات "سد المجاري" التي تستخدمها المؤسسة كوسيلة ضغط، أدت إلى تراكم المواد الصلبة في غرف التفتيش والشوارع، ما تسبب في تلوث البيئة وارتفاع الروائح الكريهة، وأدى إلى تدهور مستوى الصحة العامة في المدينة.
هذه الإجراءات لا تهدد صحة السكان فحسب، بل تؤثر أيضًا على سلامة المباني والبنية التحتية للشبكة، حيث أن تراكم المواد الصلبة داخل المجاري يضعف قدرة الشبكة على العمل مستقبلاً ويزيد من احتمالية تلفها بشكل دائم.
ويرى مختصون أن هذه الممارسات قد تعرض الشبكة للتلف طويل الأمد، وتزيد من تكلفة إعادة تشغيلها بعد سنوات من توقف الخدمة، ما يجعل الحلول الطارئة المستخدمة غير فعّالة على المدى البعيد.. كما أن تراكم المواد الصلبة يؤدي إلى انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة، مثل الالتهابات الجلدية وأمراض الجهاز الهضمي، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا لصحة الأطفال وكبار السن الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية.
الخطر الاجتماعي
يفرض فرض رسوم الصرف الصحي على سكان مدينة تعز ضغوطًا مالية مباشرة في ظل ظروف معيشية استثنائية، حيث تتقاطع عدة أزمات تجعل أي رسوم إضافية عبئًا كبيرًا على الأسر والمواطنين.
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار فرض هذه الرسوم قد تجعل المدينة أكثر عرضة لفوضى الصرف الصحي، ويزيد من احتمال تفشي الأمراض المرتبطة بالمياه والصرف الصحي.. كما أن هذه السياسات قد تُفاقم من عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية في المدينة، حيث يضطر الأفراد الأكثر فقراً لتحمل أعباء مالية تفوق قدرتهم، بينما قد يجد أصحاب الموارد القدرة على الالتزام بالدفع، ما يخلق فجوة جديدة بين المواطنين ويضعف التماسك الاجتماعي.
بلاغات
دعوات ومطالب
عقب الإجراءات الأخيرة، قدمت جمعية حماية المستهلك بلاغًا رسميًا إلى النيابة العامة بمحافظة تعز، طالبت فيه بالتحقيق الإداري في سلوك المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي، معتبرة أن استمرار سد المجاري ووضع المواد الصلبة داخل الشبكة يشكل جريمة بيئية وتهديدًا مباشرًا للصحة العامة.
ويشير البلاغ إلى أن هذه الإجراءات تعرض أساسات المباني والبنية التحتية العامة للخطر، وتزيد من احتمالية حدوث طفح مياه المجاري، ما يفاقم المخاطر البيئية والصحية ويهدد حياة السكان، وأكد أن هناك وسائل قانونية شرعية يمكن للمؤسسة استخدامها لتحصيل الرسوم إذا كانت مشروعة، دون اللجوء إلى أساليب ضغط تهدد المواطنين والبيئة.
وطالب كثيرون بإعادة النظر في سياسة فرض رسوم الصرف الصحي، معتبرين أن استمرار هذه الإجراءات في ظل غياب الخدمات الأساسية يشكل عبئًا غير مبرر على السكان، وتشمل المطالب الرئيسية إيقاف فرض الرسوم على خدمات الصرف الصحي، لضمان عدم تحميل المواطنين أعباء مالية مقابل خدمات غير موجودة.
هكذا إذًا يمثل فرض رسوم الصرف الصحي على المنازل، المحلات التجارية، والمساجد أزمة جديدة متعددة الأبعاد؛ فهي تجمع بين الضغط المعيشي على الأسر والمواطنين، والجدل القانوني حول شرعية هذه الرسوم، والمخاطر البيئية والصحية الناجمة عن سياسات سد المجاري.. الأمر الذي يستدعي من الجهات الرسمية والمجتمع المدني العمل بسرعة على إعادة النظر في السياسات المتبعة، ووضع آليات قانونية وشفافة لتحصيل أي رسوم مستقبلية، بما يضمن حماية حقوق المواطنين، استدامة الشبكة، والحفاظ على البيئة والصحة العامة، في خطوة ضرورية لتخفيف حدة الأزمات المتراكمة في المدينة.