سلام معلق بخيط حرير.. هل يستعيد لبنان سيادته من قبضة "الفاعلين غير الحكوميين"؟
- عدن، الساحل الغربي:
- منذ ساعتين
تتقاطع مسارات متناقضة في لبنان؛ فمن جهة، هدنة تسعى الولايات المتحدة إلى تثبيتها تمهيداً لتتويج محادثات سلام غير مسبوقة بين إسرائيل ولبنان، ومن جهة أخرى، تصعيد ميداني تقوده تقنيات جديدة في ساحة القتال، أبرزها الطائرات المسيرة التي يعتمدها حزب الله بشكل متزايد.
هذه المعادلة المعقدة، التي رصدتها تقارير ناشونال إنترست، تعكس تحولاً مزدوجاً؛ تطور أدوات الحرب، واحتدام الصراع على شكل السلام المقبل.
حرب المسيرات.. تهديد يتطور بسرعة
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن حزب الله انتقل مؤخراً إلى استخدام جيل جديد من الطائرات المسيرة الصغيرة، بما في ذلك طائرات "منظور الشخص الأول" (FPV) وأنظمة موجهة عبر كابلات ألياف ضوئية، وهي تقنيات مستوحاة من ساحات قتال مثل الحرب في أوكرانيا.
هذا التحول يمنح الحزب ميزتين أساسيتين؛ تفادي الحرب الإلكترونية عبر التحكم السلكي، ودقة إصابة أعلى ضد أهداف قريبة مثل المدرعات والمشاة.
ورغم أن إسرائيل تمتلك منظومات دفاع جوي متقدمة، بما فيها تقنيات ليزرية قيد التطوير، فإن تقارير إسرائيلية تشير إلى فجوات في الجاهزية الميدانية، خصوصاً في مواجهة هذا النوع منخفض التكلفة وعالي المرونة من التهديدات.
وبدأت المواجهة الحالية في 8 أكتوبر 2023 بهجمات محدودة، قبل أن تتوسع تدريجياً.. ورغم اتفاقات وقف إطلاق النار، آخرها في أبريل 2026، لم تتوقف الهجمات بشكل كامل، ما يعكس نمط "الاستنزاف المتدرج" الذي بات يميز هذا الصراع.
من الجبهة إلى طاولة المفاوضات
بالتوازي مع التصعيد العسكري، شهدت واشنطن تحركاً دبلوماسياً لافتاً، حيث استضافت في 14 أبريل لقاءً مباشراً بين مسؤولين من لبنان وإسرائيل، برعاية وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.
كما أعلن الرئيس دونالد ترامب عن دعوة مرتقبة لكل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون إلى البيت الأبيض، في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها منذ عام 1983.
هذه المحادثات، إن كُتب لها النجاح، قد تمثل تحولاً استراتيجياً يفصل لبنان عن التأثير الإيراني، ويعيد رسم التوازنات.
كيف قد يحاول حزب الله إفشال المسار السياسي؟
وبحسب تحليل ناشونال إنترست، يمتلك حزب الله عدة خيارات للتأثير على مسار السلام.. أبرزها؛ «التصعيد الأمني الداخلي» إثارة اضطرابات أو توترات طائفية لإرباك الدولة اللبنانية وإضعاف موقفها التفاوضي، و«المناورة السياسية» الدخول في مفاوضات شكلية مع الاحتفاظ بالقوة العسكرية، مقابل تعزيز نفوذه داخل مؤسسات الدولة، و«العودة إلى المواجهة العسكرية» خيار عالي المخاطر، خاصة إذا تزامن مع تصعيد أوسع بين واشنطن وطهران، لكنه قد يكون وسيلة لفرض واقع جديد، و«التعطيل من الداخل» استغلال بطء المفاوضات لإعادة ترتيب أوراقه، وكسب الوقت، وإعادة إنتاج نفوذه السياسي والشعبي.
ورغم هذه السيناريوهات، تشير التقديرات إلى أن الحزب قد يتجنب التصعيد الشامل بسبب الخسائر الكبيرة التي تكبدها في جولات القتال السابقة؛ وتمثل المفاوضات الحالية فرصة نادرة للبنان لاستعادة قراره السيادي، بعيداً عن نفوذ الفاعلين غير الحكوميين.
كما أن وقف إطلاق النار يستند إلى قرارات دولية.. أبرزها؛ القرار 1559 والقرار 1701، واللذان ينصان على نزع سلاح الميليشيات وتعزيز سلطة الدولة.
لكن نجاح هذه العملية سيعتمد على قدرة الحكومة اللبنانية على فرض سيطرتها، واستمرار الدعم الدولي خصوصاً الأمريكي، واحتواء التصعيد الميداني.
معادلة الردع وحدود القوة والتهدئة
وتحتفظ إسرائيل بحق استهداف حزب الله خلال الهدنة إذا اعتبرته تهديداً، كما تسعى للحفاظ على منطقة أمنية داخل جنوب لبنان بعمق يصل إلى 10 كيلومترات.
في المقابل، تعمل الحكومة اللبنانية على تعزيز حضور الدولة عبر نشر الجيش، في محاولة لاستعادة قرار الحرب والسلم من الحزب، وهو ما قد يشكل نقطة تحول في بنية النظام السياسي اللبناني.
غير أن نجاح هذا المسار يبقى رهيناً بعامل حاسم؛ هل تستطيع الدولة اللبنانية فرض سيادتها، أم أن منطق "الفاعل غير الحكومي" سيستمر في تعطيل أي تسوية؟
في ظل هذا التوازن، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق.. إما نحو تهدئة تاريخية، أو جولة جديدة من صراع يتطور بسرعة تفوق قدرة السياسة على احتوائه.