بين القوة الصلبة والشرعية الناعمة.. قراءة في مستقبل الحكم بإيران
- عدن، الساحل الغربي:
- منذ ساعة
في مرحلة سياسية حرجة تمر بها إيران، تتقاطع مؤشرات الاضطراب داخل هرم السلطة مع تحولات أعمق في بنية الشرعية الدينية، لتكشف عن مشهد معقد يتجاوز الرواية الرسمية عن (وحدة النظام).. ووفقاً لتحليلين صادرين عن منتدى الشرق الأوسط، فإن السؤال لم يعد حول من يحكم إيران، بقدر ما هو من يملك النفوذ الحقيقي على الأرض ومن يحظى بالقبول الشعبي والديني.
خطاب الوحدة.. وسلطة الحرس الثوري
بدأت ملامح هذا الجدل بالتصاعد عقب تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ألمح فيها إلى وجود صراع داخلي بين ما وصفهم بـ(المتشددين والمعتدلين) داخل النظام الإيراني.. هذه التصريحات دفعت شخصيات إيرانية بارزة، من بينها رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، إلى نفي وجود أي انقسام، مؤكدين الولاء الكامل للمرشد ووحدة الدولة.
غير أن هذا الخطاب الرسمي يصطدم بواقع أكثر تعقيداً، خاصة مع الغموض المحيط بغياب مجتبى خامنئي عن المشهد منذ أسابيع، ما يثير تساؤلات حول من يدير السلطة فعلياً.
من يمتلك القوة على الأرض؟
فبحسب تحليل الكاتب ماردو سوغوم المنشور عبر منتدى الشرق الأوسط، فإن مركز الثقل الحقيقي للسلطة لا يكمن في المؤسسات السياسية التقليدية بل في الحرس الثوري الإيراني، الذي بات اللاعب الأهم في ظل تراجع دور القيادات المدنية.
شخصيات مثل قاليباف أو الرئيس مسعود بزشكيان –رغم حضورها السياسي– لا تملك أدوات القوة العسكرية، ما يجعل قدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجية "كالتفاوض مع واشنطن" محدودة للغاية.
ويشير التقرير إلى أن أي حديث عن "انقسام داخلي" يظل مبالغاً فيه ما لم يمتد إلى داخل الحرس الثوري نفسه، وهو أمر لم تظهر مؤشراته بعد.
ضغط خارجي يعمق التوتر الداخلي
تزايدت الضغوط على النظام الإيراني عقب الضربات الجوية الأميركية-الإسرائيلية في مارس 2026، والتي ساهمت في رفع مستوى التوتر داخل مؤسسات الحكم.. ومع ذلك، يرى التقرير أن هذه الضغوط لم تُنتج انقساماً حقيقياً، لكنها عززت من تمسك الحرس الثوري بمواقفه، خاصة في ظل رهانه على تجنب مواجهة عسكرية أوسع.
في المقابل، تبرز مخاوف داخلية من هشاشة الوضع الأمني، دفعت إلى استقدام مقاتلين أجانب لتعزيز السيطرة ومنع تجدد الاحتجاجات.
الشرعية الدينية.. عامل الحسم الصامت
على الجانب الآخر، يسلط تقرير ثان للباحث محمد طه علي عبر منتدى الشرق الأوسط الضوء على بُعد غالباً ما يُغفل في تحليل السلطة بإيران: «الخُمس».
هذا النظام المالي الديني، الذي يقوم على تبرعات يقدمها المؤمنون لمرجع ديني يختارونه، يمثل آلية غير مباشرة لتحديد النفوذ الديني، وبالتالي التأثير في شرعية الحكم.
فكل دفعة من "الخُمس" تعكس –عملياً– تصويتاً فردياً على المرجعية الدينية، ما يجعل السلطة الدينية نتاجاً لتراكم اختيارات شعبية، وليس فقط قرارات مؤسساتية.
الدولة مقابل المجتمع.. مفارقة السلطة
تكشف هذه الديناميكية عن مفارقة لافتة؛ الدولة الإيرانية قوية من حيث السيطرة المؤسسية والأمنية، لكنها ضعيفة عندما يتعلق الأمر بالشرعية الدينية والشعبية.
فبينما تستطيع الدولة فرض القوانين، لا يمكنها فرض القناعات.. ويبرز ذلك بوضوح في التنافس بين مراكز دينية مثل قم والنجف، حيث يتوزع ولاء المؤمنين.
معركة الخلافة.. بين السياسة والدين
تزداد هذه الإشكالية تعقيداً مع اقتراب مرحلة ما بعد علي الخامنئي.. فبينما قد تسعى الدولة إلى ترتيب انتقال سياسي منظم، فإن النظام الديني الشيعي لا يعترف بالخلافة الوراثية، ما يضعف فرص صعود شخصيات مثل مجتبى خامنئي دون قبول ديني واسع.
وفي حال فشل أي مرشح في اكتساب صفة "المرجع"، فإن تدفقات "الخُمس" قد تتحول إلى مراجع أخرى، ما يؤدي إلى تفتيت الولاء الديني، وبالتالي إضعاف شرعية السلطة السياسية.
من يحكم إيران؟
يقدم تقرير منتدى الشرق الأوسط صورة مركبة لنظام يقوم على توازن هش بين القوة الصلبة التي يحتكرها الحرس الثوري، والشرعية الناعمة التي يصنعها المجتمع الديني عبر "الخُمس".
وبينما قد تبدو السلطة موحدة ظاهرياً، فإن مستقبلها يتوقف على عاملين حاسمين؛ هل يظهر انقسام داخل الحرس الثوري؟.. ومن سينجح في كسب الثقة دينياً؟
حتى ذلك الحين، تبقى إيران دولة تُحكم بقوة السلاح... لكن شرعيتها تُصاغ بصمت في جيوب المؤمنين.