من “ليست حربنا” إلى تهديد يفرض نفسه: مأزق الموقف العربي في صراع الإقليم
لا يمكن النظر إلى الصراع الدائر في الإقليم باعتباره حدثًا بعيدًا عن المجال العربي، أو مجرد مواجهة يمكن تحييد آثارها عبر إعلان موقف الحياد، لأن طبيعة الحروب في الشرق الأوسط لم تعد تقليدية أو محصورة في جغرافيا محددة، بل أصبحت حروبًا مركبة تعتمد على أدوات غير مباشرة، وتنتقل آثارها بسرعة إلى الدول المحيطة، حتى وإن لم تكن طرفًا مباشرًا فيها، وهنا تتلاشى فكرة “ليست حربنا” لصالح واقع جديد يفرض نفسه كتهديد إقليمي شامل.
تبدأ هذه التحولات عندما تتجاوز الحرب حدودها الجغرافية لتلامس المصالح الحيوية للدول العربية، خصوصًا في ما يتعلق بأمن الطاقة والملاحة البحرية، فاستهداف خطوط الإمداد أو تهديد الممرات الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز وكذلك مضيق باب المندب اذا توسعت هذه الحرب واشتركت مليشيات الحوثي في تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، ينقل الصراع من كونه نزاعًا بين أطراف محددة إلى أزمة تمس الأمن الاقتصادي والسياسي للمنطقة بأكملها، ويجعل الدول العربية تدفع كلفة الصراع دون أن تمتلك قرار إشعاله أو إيقافه.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة التعويضات كحق قانوني مشروع للدول التي تعرضت لأضرار مباشرة أو غير مباشرة، إلا أن هذا الحق يصطدم بواقع سياسي معقد، حيث إن فرض التعويض لا يتحقق إلا في ظل اختلال واضح في ميزان القوة أو وجود إرادة دولية ضاغطة، وهو ما يجعل هذا المسار أقرب إلى الطرح النظري منه إلى التطبيق العملي، خاصة في ظل تشابك الملف الإيراني مع توازنات دولية حساسة.
أما على مستوى إدارة الدول العربية لهذا النوع من الصراعات، فيتضح أن السلوك العام يتوزع بين الحياد الحذر، والانخراط غير المباشر عبر التحالفات، ومحاولات التهدئة، إلا أن هذه المقاربات تظل محكومة بردود الفعل أكثر من كونها نتاج رؤية استراتيجية عربية موحدة، وهو ما يفسر استمرار العجز عن التأثير في مسار الأحداث رغم حجم التأثيرات التي تتحملها هذه الدول.
هذا التباين في المواقف لا يمكن فصله عن طبيعة الانقسام العربي في تعريف التهديد، إذ تنظر بعض الدول إلى إيران باعتبارها مصدر تهديد وجودي، بينما ترى دول أخرى إمكانية احتوائها ضمن توازنات إقليمية، وهو ما يعكس غياب مشروع عربي موحد للأمن الإقليمي، ويؤدي إلى تشظي الموقف الجماعي وتحوله إلى مواقف قطرية متباينة، تحكمها اعتبارات خاصة بكل دولة.
ويزداد هذا التعقيد مع تداخل المصالح مع ضغوط التحالفات الدولية، حيث تجد الدول العربية نفسها مضطرة لموازنة علاقاتها مع القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا، مقابل صعود أدوار دولية منافسة، وهو ما يحد من قدرتها على تبني مواقف مستقلة، ويجعل قراراتها جزءًا من شبكة توازنات أكبر منها.
على مستوى التأثيرات، لا تقتصر تداعيات هذا الصراع على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الاقتصاد وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد، حيث إن أي تصعيد في الممرات البحرية الحيوية ينعكس فورًا على أسعار النفط وحركة التجارة العالمية، وهو ما يضع الدول العربية في قلب الأزمة حتى وإن لم تكن جزءًا من المعركة.
وفي موازاة ذلك، يلعب الإعلام دورًا مزدوجًا في تشكيل الوعي العام، إذ ينقسم بين خطاب يضخم الصراع ويقدمه كمعركة وجودية، وخطاب آخر يقلل من شأنه ويصوره كأزمة عابرة، وبين هذين الخطابين يتشكل رأي عام متأثر بالاستقطابات السياسية، وغير قادر على إنتاج موقف موحد يضغط باتجاه سياسات عربية أكثر تماسكًا.
ولا يمكن إغفال خطر تحول بعض الدول العربية إلى ساحات صراع بالوكالة، وهو خطر لم يعد افتراضيًا بل أصبح واقعًا في أكثر من ساحة، حيث تُستخدم هذه الدول كمسارح لتصفية الحسابات الإقليمية، وهو ما يعمق حالة الهشاشة ويطيل أمد الصراع.
ورغم امتلاك الدول العربية لأدوات قوة مهمة، سواء من حيث الموقع الجغرافي أو الموارد أو التأثير في أسواق الطاقة، إلا أن غياب التنسيق والاستراتيجية العربية المشتركة يحول هذه الأدوات إلى إمكانات معطلة، ويحد من قدرتها على التأثير في معادلات الردع الإقليمي والدولي، التي تبقى محكومة بصراع أطراف أخرى، فيما يجد العرب أنفسهم في موقع المتلقي لتداعياتها والخاسرين الاكبر من تداعياتها السلبية.
وفي هذا الإطار، يبرز التساؤل حول غياب الدور العربي الفاعل في إدارة أمن الممرات البحرية الحيوية كمضيقي هرمز وباب المندب، حيث تخضع هذه المسألة لتوازنات دولية معقدة، تحد من قدرة الدول العربية على فرض رؤية مستقلة، وتكشف في الوقت ذاته عن الحاجة إلى بناء منظومة أمنية إقليمية عربية قادرة على حماية المصالح المشتركة.
إن السيناريوهات المحتملة لمآلات هذا الصراع تتراوح بين استمرار حالة الاستنزاف منخفض الحدة، أو الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع، أو الوصول إلى تسوية مشروطة تعيد توزيع النفوذ، وفي جميع هذه الحالات ستظل الدول العربية متأثرة بشكل مباشر، ما لم تنتقل من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل.
وعليه، فإن تحويل هذا التهديد إلى فرصة يظل ممكنًا، لكنه مشروط بإعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي من منظور عربي جماعي، وتفعيل أدوات القوة المتاحة ضمن رؤية موحدة، وتقليل الاعتماد على الخارج في إدارة الأزمات، فالمشكلة في جوهرها لا تكمن في طبيعة الصراع بقدر ما تكمن في موقع العرب منه، بين هامش التأثر وحدود التأثير ومعادلة الأمن القومي العربي في زمن الشتات والتشرذم القطري.
* أكاديمي ومحلل سياسي يمني ـ جامعة تعز