حقيقة وسم الغدير.. كيف صنعت "شبكات التضخيم" و"غرف الصدى" انطباعاً زائفاً بالإجماع الوطني؟

  • عبدالمالك محمد، الساحل الغربي:
  • منذ ساعة

كشف تقرير حديث صادر عن منصة "مسند" المعلوماتية أن الحملة الرقمية المصاحبة لوسم #عيد_الغدير_الأغر على منصة "إكس" لم تعكس، وفقاً لنتائج الرصد والتحليل، حالة إجماع شعبي كما حاولت بعض الحسابات إظهارها، إذ اعتمدت على شبكة رقمية منظمة نجحت في تضخيم حضور المناسبة وإنتاج انطباع واسع بوجود تأييد جماهيري شامل.

وبحسب التقرير الذي أعده فريق التحليل في المنصة، فقد شهدت الفترة الممتدة بين 28 مايو و3 يونيو 2026 نشاطاً مكثفاً تحت الوسم، حيث جرى نشر أكثر من 15 ألف منشور حققت ما يزيد على 41 ألف تفاعل، فيما بلغ الوصول المحتمل للمحتوى نحو 28 مليون حساب.

وأوضح التقرير أن المشهد الرقمي بدا للوهلة الأولى وكأنه يعكس احتفالات واسعة النطاق في مختلف أنحاء اليمن، مع تدفق آلاف المنشورات والصور ومقاطع الفيديو والرسائل التي تتحدث عن "فرحة اليمنيين" و"الجماهير المحتشدة" في مناسبة الغدير؛ غير أن تحليل البيانات أظهر، أن النشاط كان مدفوعاً من شبكة رقمية متماسكة تدور حول مركز فكري وعقائدي محدد، أعادت تدوير الرسائل ذاتها عبر مئات الحسابات والمنصات والوسوم الفرعية.

تصعيد رقمي منظم

وأشار التقرير إلى أن منحنى النشاط لم يشهد انفجاراً مفاجئاً كما يحدث عادة في القضايا التي تفرض نفسها على الرأي العام، لكنه اتخذ مساراً تصاعدياً تدريجياً ومدروساً؛ وبدأت وتيرة النشر بمستويات محدودة قبل أن ترتفع بصورة متسارعة مع اقتراب موعد المناسبة، لتبلغ ذروتها في الثالث من يونيو.

ورأى معدو التقرير أن هذا النمط يعكس ما يعرف في دراسات الحملات الرقمية بـ"التصعيد التراكمي للسردية"، حيث يجري ضخ الرسائل بشكل متدرج لإنتاج زخم متنامي يمنح المحتوى حضوراً أكبر داخل المنصة ويخلق انطباعاً بوجود اتجاه عام واسع.

الوصول المرتفع لا يعني التمثيل الشعبي

ورغم أن الحملة حققت وصولاً محتملاً قُدر بنحو 28 مليون حساب، فإن التقرير أكد أن هذه الأرقام لا تعني بالضرورة اتساع قاعدة التأييد الشعبي، موضحاً أن الجزء الأكبر من الانتشار جاء عبر حسابات تمتلك قواعد جماهيرية جاهزة، ومنصات إعلامية ودينية وشخصيات مؤثرة مرتبطة بالبيئة العقائدية المؤيدة للمناسبة.

ووفقاً للتقرير، فإن هذا النمط يندرج ضمن ما يُعرف بـ"شبكات التضخيم"، التي تعتمد على عقد مؤثرة قادرة على إيصال الرسائل إلى أعداد كبيرة من المستخدمين خلال فترة زمنية قصيرة، دون أن يعكس ذلك بالضرورة تنوعاً حقيقياً في المشاركين أو تمثيلاً مجتمعياً واسعاً.

إيجابية مرتفعة داخل "غرف الصدى"

كما أظهرت البيانات أن المحتوى الإيجابي شكل نحو 43.7% من إجمالي التفاعل، مقابل 8.5% فقط للمحتوى السلبي؛ إلا أن التقرير حذر من تفسير هذه النسبة باعتبارها دليلاً على قبول شعبي واسع، مشيراً إلى أن الحملات العقائدية المغلقة غالباً ما تتحرك داخل بيئات متجانسة فكرياً، حيث يعيد المشاركون تداول الرسائل نفسها داخل دوائر متقاربة.

وأضاف أن هذه الظاهرة تندرج ضمن ما يعرف إعلامياً بـ"غرف الصدى"، حيث تتكرر الرسائل بين الحسابات ذاتها بصورة مستمرة، ما يؤدي إلى رفع مؤشرات الإيجابية دون أن يعكس ذلك بالضرورة موقفاً مجتمعياً عاماً.

امتداد إقليمي يتجاوز اليمن

وفي الجانب الجغرافي، كشف التقرير أن التفاعل لم يقتصر على اليمن، إذ امتد إلى دول عدة بينها العراق وإيران ولبنان والكويت والبحرين، وهي بيئات ترتبط بالشبكة العقائدية ذاتها.

واعتبر التقرير أن هذا الامتداد يشير إلى أن الحملة تحركت داخل فضاء أيديولوجي عابر للحدود أكثر من كونها نقاشاً يمنياً خالصاً، الأمر الذي يتعارض مع الخطاب الذي سعى إلى تقديم المناسبة باعتبارها تعبيراً عن إجماع وطني يمني شامل.

مركزية الرسالة وصناعة الانطباع العام

وبينت خرائط التأثير الرقمي الواردة في التقرير أن عدداً محدوداً من الحسابات والمنصات شكل مركز الثقل الرئيسي للحملة، حيث لعبت حسابات ومنصات عقائدية وإعلامية أدواراً محورية في عملية النشر وإعادة التدوير والترويج للمحتوى.

وأشار التقرير إلى أن هذا النمط يعكس ما تصفه دراسات الاتصال السياسي بـ"مركزية الرسالة"، وهي إحدى أدوات البروباغندا الرقمية التي تقوم على إنتاج الخطاب من مصادر محددة قبل إعادة نشره عبر شبكة رقمية واسعة من الحسابات الداعمة، بما يمنح المتلقي انطباعاً بوجود رأي عام واسع ومتجانس.

خطاب يتجاوز الاحتفال إلى إعادة تشكيل الهوية

ولفت التقرير إلى أن الكلمات الأكثر تداولاً داخل الحملة لم تركز على مفاهيم الدولة أو المجتمع أو الهوية الوطنية، بل تصدرتها مفردات ذات طابع عقائدي مثل "الولاية" و"أمير المؤمنين" و"الإمام علي" و"الوعي القرآني" و"محور المقاومة".

وبحسب التقرير، فإن هذا التركيز يعكس محاولة لترسيخ منظومة رمزية وفكرية متكاملة داخل الفضاء الرقمي، تتجاوز حدود الترويج لمناسبة دينية إلى إعادة إنتاج خطاب أيديولوجي أوسع يرتبط بقضايا السلطة والشرعية والهوية.

وخلص تقرير منصة مسند المعلوماتية إلى أن الصورة التي روجت لها بعض الحسابات على أنها تعبير عن احتفال يمني جامع بعيد الغدير لا تنسجم مع مؤشرات الرصد والتحليل.. وأوضح أن النشاط الرقمي والفعاليات المتداولة أظهرت تمركزاً واضحاً داخل مناطق محددة خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي وفي أوساط عقائدية مرتبطة بالمناسبة، في حين لم تظهر البيانات ما يدعم الادعاءات التي قدمت الحدث باعتباره حالة احتفال وطنية شاملة.

وأشار التقرير إلى أن ما جرى تداوله رقمياً كان أقرب إلى عملية تضخيم إعلامي ورقمي لمشاهد وفعاليات محدودة جغرافياً واجتماعياً، بهدف تقديمها بوصفها تمثل اليمن بأكمله، بينما تعكس الوقائع –وفقاً للبيانات– نشاطاً محصوراً ضمن بيئات ومناطق بعينها جرى إبرازها بكثافة لإنتاج انطباع يتجاوز حجمها الفعلي على الأرض.

ذات صلة