الجوازات اليمنية.. من خدمة رسمية إلى سوق مفتوح للسمسرة والإثراء غير القانوني

  • عدن، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
  • منذ ساعة

لم تعد أزمة الجوازات في اليمن مجرد اختلال إداري مرتبط بتأخر الطباعة أو نقص الإمكانات، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر ملفات الفساد إثارة لغضب اليمنيين، بعد أن بات الحصول على وثيقة سفر رسمية مرهونًا بالقدرة على الدفع، لا بالأولوية القانونية أو الإنسانية.

وبينما أعلنت مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في فرع خور مكسر بعدن إنهاء المعاملات المتراكمة والوصول إلى مرحلة "صفر معاملات"، تتصاعد في المقابل اتهامات واسعة لفروع أخرى، خصوصًا في مدينة تعز، بتحويل معاناة المواطنين إلى سوق سوداء تُدار عبر شبكات سماسرة ووسطاء، مستفيدة من تعطيل آلاف المعاملات الرسمية لأشهر طويلة.

وفي قلب هذه الاتهامات، تبرز خدمة استخراج الجواز عن بُعد المعروفة بـ "الإسكانر"، والتي يفترض أن تكون إجراءً استثنائيًا لتسهيل معاملات المغتربين والحالات الخاصة، لكنها تحولت إلى بوابة مفتوحة للابتزاز والاستغلال، تُنجز عبرها الجوازات خارج الأطر القانونية مقابل مبالغ مالية ضخمة وصلت في بعض الحالات إلى نحو ثلاثة آلاف ريال سعودي للجواز الواحد.

وخلال الأشهر الماضية، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بعشرات القصص الصادمة لمواطنين قالوا إن جوازاتهم بقيت معلقة منذ العام2025، بينهم مرضى وطلاب وأسر فقدت فرص علاج أو دراسة أو سفر، فيما كانت المعاملات نفسها تُنجز خلال ساعات لمن يدفعون للسماسرة المنتشرين داخل مصلحة الهجرة والجوازات بتعز، والمرتبطين بشبكات تعمل من داخل القطاع نفسه.

ومع اتساع موجة الغضب الشعبي، لم تعد التساؤلات تقتصر على أسباب تأخر طباعة الجوازات، بل تجاوزتها إلى الكشف عن كيفية تحول خدمة استخراج الجواز عن بُعد إلى تجارة سوداء تُدار خارج الأطر القانونية، وحجم الأموال التي تُجبى من المواطنين مقابل تسريع معاملاتهم، والجهات التي توفر الحماية والغطاء لاستمرار هذه الممارسات، في ظل اتهامات متزايدة بوجود مراكز نفوذ داخل القطاع تستفيد من إدامة الأزمة وتحويل واحدة من أهم الوثائق السيادية إلى وسيلة للإثراء غير المشروع على حساب معاناة اليمنيين.


الخيار الأسرع
تجارة مربحة

في الأصل، استُحدثت خدمة استخراج الجواز عن بُعد عبر "الإسكانر"، لتسهيل معاملات المغتربين أو الحالات الخاصة التي يتعذر حضورها شخصيًا، بحيث تُرسل الوثائق والبيانات إلكترونيًا إلى فروع الجوازات لاستكمال الإجراءات؛ لكن هذه الخدمة، خرجت تدريجيًا عن إطارها القانوني، وتحولت إلى مسار موازٍ لا يخضع للرقابة الفعلية، تُنجز من خلاله المعاملات مقابل مبالغ مالية باهظة.

يقول المواطن سليم عبدالله لـ "الساحل الغربي": "استخراج الجواز عبر هذا المسار لم يعد يقتصر على الحالات الإنسانية أو الطارئة، بل أصبح "الخيار الأسرع" لمن يملك المال، بينما تبقى آلاف المعاملات متكدسة لأشهر طويلة".

ويضيف: "تصور أن فترة من الفترات السابقة، وصلت تكلفة استخراج الجواز الواحد عن بُعد إلى ما يقارب ثلاثة آلاف ريال سعودي، تُدفع بصورة غير قانونية عبر وسطاء وسماسرة مرتبطين بموظفين داخل مصلحة الهجرة والجوازات، ويتم تسريع معاملاتهم بينما يتم تأخير حالات مرضية طارئة بصورة متعمدة".


"ادفع أو انتظر"
مسارات مدفوعة

موفد "الساحل الغربي"، زار مبنى مصلحة الهجرة والجوازات في تعز بهدف تجديد جواز سفره ورصد واقع العمل عن قرب، وبعد استكمال إجراءات التجديد وسداد الرسوم الرسمية، استلم إشعار المعاملة واتجه نحو بوابة الخروج، قبل أن يعترض طريقه شخصان عرضا عليه استخراج الجواز "مستعجل" مقابل مبالغ مالية تُدفع بالريال السعودي.

وبلهجة واثقة، خاطب "م. س"، أحد السماسرة في الجوازات موفد الموقع قائلاً: "تريد الجواز خلال أسبوع؟ ادفع 500 ريال سعودي فقط والجواز معك"، وعندما أبدى الموفد رفضه، رد الرجل بسخرية: "إذا ما دفعت، جوازك بيخرج بعد خمسة أشهر.. أنت الخسران".

تكشف هذه الواقعة جانبًا من النشاط العلني لشبكات السمسرة التي باتت تتحرك بصورة شبه طبيعية داخل ومحيط مبنى الجوازات، مستفيدة من حالة التكدس والتأخير الطويل للمعاملات، لدفع المواطنين نحو خيارات غير قانونية تضمن تسريع استخراج الجوازات مقابل مبالغ مالية باهظة.

وبحسب شهادات متطابقة، لم يعد السماسرة مجرد وسطاء يقفون خارج المبنى الحكومي، بل أصبحوا جزءًا من منظومة موازية تتحكم بأولوية الطباعة، خصوصًا في معاملات "الإسكانر" والجوازات المستعجلة، في ظل اتهامات بوجود ارتباطات مباشرة بينهم وبين موظفين داخل القطاع، الأمر الذي حول معاناة المواطنين إلى سوق مفتوحة للابتزاز والجباية.

ويرى كثيرون أن أخطر ما في القضية ليس وجود السماسرة فقط، بل وجود بيئة متعمدة لصناعة الأزمة، فالمعاملات الرسمية، قد تبقى معلقة لأشهر دون أي مبررات واضحة، بينما تُنجز معاملات أخرى خلال ساعات بمجرد دفع مبالغ إضافية.

وفي السياق، نشر ناشطون عشرات الرسائل التي وصلتهم من مواطنين يؤكدون فيها أن الجوازات لا تتحرك إلا عبر السماسرة، ففي إحدى الرسائل، يقول مواطن إن معاملة جواز ابنته ظلت معلقة منذ أكتوبر 2025، لكن بعد دفع 200 ريال سعودي "خرج الجواز بنفس اليوم".

ويضيف آخر أنه دفع 200 سعودي لاستخراج جواز مستعجل، ثم اضطر لدفع 500 سعودي إضافية لتصحيح خطأ ارتكبه الموظفون أنفسهم في كتابة الاسم باللغة الإنجليزية.. هذه الشهادات تكشف أن التأخير لم يعد نتيجة عجز إداري فقط، بل أصبح وسيلة ضغط لدفع المواطنين نحو المسارات المدفوعة.


بين الموت وضياع الفرص

تعكس القصص المتداولة حول أزمة الجوازات جانبًا بالغ القسوة من المعاناة الإنسانية المرتبطة بتعطيل الوثائق الرسمية في بلد أنهكته الحرب والانهيار الاقتصادي، والنسبة لآلاف اليمنيين، لم يعد جواز السفر مجرد وثيقة تنقل، بل وسيلة للعلاج أو الدراسة أو العمل، غير أن الحصول عليه بات مرهونًا بالانتظار الطويل أو القدرة على دفع الأموال للسماسرة.

يروي مواطن قصة عمته التي استكملت معاملة الجواز في أكتوبر2025 بغرض السفر لأداء العمرة، لكنها ظلت تنتظر لأشهر دون أن يُطبع الجواز، قبل أن تتدهور حالتها الصحية وتفارق الحياة وهي لا تزال تترقب استلام وثيقتها.

وتحدث مواطن عن والد أحد أصدقائه المصاب بسرطان الرئة، والذي استُخرجت له معاملة "مستعجل" في فرع تعز تمهيدًا لنقله إلى مصر لتلقي العلاج، إلا أن المعاملة بقيت معلقة لأشهر، بينما كانت حالته الصحية تتدهور يومًا بعد آخر، حتى توفي في يناير2026 قبل أن يحصل على جوازه.

كما تحدثت شهادات أخرى عن طلاب خسروا منحًا دراسية وفرص سفر بسبب التأخير، فيما يؤكد مواطنون أن الجوازات نفسها كانت تُنجز خلال ساعات أو أيام معدودة لمن يدفعون مبالغ كبيرة للسماسرة.

وبحسب كثيرين، لم يعد الوصول إلى السماسرة أمرًا استثنائيًا أو سريًا، بل تحول إلى جزء شبه معروف من إجراءات استخراج الجواز، في ظل اقتناع واسع بأن المعاملة الرسمية وحدها لا تكفي لإنجاز الوثيقة خلال فترة معقولة.

ويؤكد ناشطون أن بعض السماسرة باتوا يمتلكون نفوذًا فعليًا داخل المصلحة، ويتحكمون بأولوية الطباعة وفقًا لحجم المبالغ المدفوعة، فيما تبقى آلاف المعاملات الرسمية عالقة لأشهر.. الإعلامي أحمد باشا تحدث عن تكدس آلاف الجوازات في فرع تعز، مرجعًا ذلك إلى "التوسع في طباعة معاملات المستعجل الخاصة بالسماسرة دون سقف"، الأمر الذي أدى إلى تعطيل المعاملات العادية وتراكمها بصورة غير مسبوقة.

ويشير الباشا، إلى أن الإدارة الجديدة للمصلحة اضطرت لاحقًا إلى تقييد طباعة الجوازات المستعجلة في فرع تعز إلى 100 جواز يوميًا، بعد أن كانت الأولوية تُمنح بصورة كبيرة للمعاملات المدفوعة، على حساب آلاف المواطنين المنتظرين منذ أشهر طويلة.


الاتجار بوثيقة سيادية

يقول حقوقيون إن ما يحدث في ملف الجوازات يتجاوز حدود الفساد الإداري التقليدي، ليصل إلى الاتجار بوثيقة سيادية؛ فالجواز اليمني، الذي يُفترض أن يُستخرج وفق رسوم رسمية محددة، أصبح بالنسبة لكثير من المواطنين مرتبطاً بحجم ما يمكن دفعه تحت الطاولة.

وفي ظل انهيار الأوضاع الاقتصادية والحرب المستمرة، تحولت حاجة اليمنيين للسفر إلى فرصة استثمار ضخمة لشبكات الفساد، وسط تساؤلات واسعة حول الجهات التي تستفيد من هذه الأموال، وكيف يمكن تمرير هذا الحجم من العمليات دون وجود حماية أو تغاضٍ من داخل المؤسسة.

ويرى مراقبون أن استمرار هذه الشبكات لسنوات يشير إلى وجود مراكز نفوذ مستفيدة من بقاء الأزمة، لأن إنهاء التكدس والقضاء على السمسرة يعني توقف تدفقات مالية هائلة.

وتذهب اتهامات متداولة إلى الحديث عن تضخم غير مبرر في نفوذ وثروات بعض العاملين المرتبطين بملف الجوازات، بالتزامن مع اتساع المعاملات غير الرسمية.. يقول ناشطون إن غياب الرقابة والمحاسبة سمح بتحويل معاناة المواطنين إلى مصدر إثراء غير مشروع، خصوصًا مع استمرار التعامل النقدي خارج القنوات القانونية.

ويتهم مواطنون بعض القيادات داخل مصلحة الهجرة والجوازات بالتغاضي عن نشاط السماسرة، أو الاستفادة غير المباشرة من استمرار الأزمة، عبر إبقاء المعاملات العادية متكدسة وفتح الباب للمعاملات المدفوعة، الأمر الذي يكشف كيف تحولت الوثيقة الرسمية إلى أداة ابتزاز، يُترك فيها المواطن بين خيارين، إما الانتظار المفتوح أو الدفع للسماسرة.


أزمة ثقة
مطالب شعبية

تكشف أزمة الجوازات المتفاقمة في تعز خاصة، عن ما هو أبعد من مجرد اختلال إداري أو تأخر في الطباعة، إذ باتت تمثل واحدة من أكثر القضايا التي عمّقت فجوة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، في ظل اتهامات بتحويل الخدمة العامة إلى سوق مفتوحة للابتزاز.

ويؤكد ناشطون أن استمرار الأزمة دون معالجات حقيقية يهدد ما تبقى من ثقة اليمنيين بالمؤسسات الرسمية، خصوصًا عندما تتحول وثيقة سيادية يفترض أن تُمنح وفق القانون إلى امتياز لا يحصل عليه إلا من يملك المال أو العلاقات والنفوذ.

ويرى حقوقيون أن غياب الشفافية حول آليات الطباعة والتوزيع، واستمرار التفاوت الكبير بين الفروع، ساهم في اتساع الشائعات وتصاعد الغضب الشعبي، لا سيما مع بقاء آلاف المعاملات معلقة لأشهر، مقابل إنجاز معاملات أخرى خلال ساعات عبر السماسرة.

وتصاعدت مطالبات شعبية بفتح تحقيق مستقل وشامل في ملف الجوازات، يشمل مراجعة آليات استخراج الجواز عن بُعد، وتتبع شبكات السمسرة والجبايات غير القانونية، والتحقق من الاتهامات المتعلقة باستغلال النفوذ والإثراء غير المشروع داخل قطاع الجوازات.

وطالب ناشطون مجلس القيادة الرئاسي والحكومة بالتدخل العاجل لوضع حد لحالة الفوضى والفساد التي تحيط بملف الجوازات في مدينة تعز، بعد أن تحولت معاناة المرضى والطلاب والمسافرين إلى مصدر أرباح غير قانونية تُحصّل يوميًا على حساب المواطنين.

وبينما ينتظر آلاف اليمنيين جوازاتهم منذ أشهر طويلة، تتزايد القناعة لدى كثير من المواطنين بأن المشكلة لم تعد مرتبطة بنقص الإمكانات أو دفاتر الطباعة بقدر ما ترتبط بوجود منظومة مصالح تستفيد من استمرار الأزمة، وتحوّل التأخير المتعمد إلى وسيلة لدفع المواطنين نحو المسارات غير القانونية.

ذات صلة