هروباً من لهيب الصيف والأسعار.. "شمس تعز" ملاذ السكان
- تعز، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
- منذ ساعة
مع ارتفاع درجات الحرارة في مدينة تعز، تتغير ملامح الحياة اليومية للسكان الذين يجدون أنفسهم كل عام أمام تحدٍ جديد يتمثل في كيفية التخفيف من حرارة الطقس في ظل غياب خدمة الكهرباء الحكومية وارتفاع تكاليف المعيشة، وبينما تبدو المكيفات الهوائية الخيار الأكثر فاعلية لمواجهة الحر، إلا أنها أصبحت بعيدة عن متناول شريحة واسعة من المواطنين بسبب ارتفاع أسعارها، إضافة إلى كلفة تشغيلها التي تعتمد على الكهرباء التجارية.
هذا الواقع دفع آلاف الأسر إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة وأكثر ملاءمة لظروفها الاقتصادية، لتصبح المراوح الكهربائية الخيار الأكثر انتشارًا، في وقت تشهد أسواق الطاقة الشمسية نشاطًا متزايدًا مع توسع الإقبال على شراء الألواح الشمسية وبطاريات الليثيوم، في محاولة لتوفير مصدر كهرباء مستقر بعيدًا عن الانقطاعات المتكررة وارتفاع أسعار الطاقة.
ويؤكد كثيرون أن هذا التحول لم يعد مجرد استجابة موسمية لارتفاع درجات الحرارة، بل أصبح مؤشرًا على تغيرات عميقة في أنماط الاستهلاك داخل المجتمع، حيث باتت الأولوية تتجه نحو توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية داخل المنازل بأقل تكلفة ممكنة، وهو ما انعكس بوضوح على حركة الأسواق خلال الفترة الأخيرة.
تضاعف الطلب
منذ الساعات الأولى لفتح الأسواق في مدينة تعز، تشهد محلات بيع الأجهزة الكهربائية حركة شراء ملحوظة، إذ يقصدها مواطنون يبحثون عن مراوح تناسب إمكاناتهم المالية، بعد أن أصبحت درجات الحرارة المرتفعة تشكل عبئًا إضافيًا على حياتهم اليومية.
يقول التاجر أيمن عبدالله لـ"الساحل الغربي"، إن الطلب على المراوح يرتفع بصورة كبيرة، ويشمل مختلف الأنواع والأحجام، بدءًا من المراوح المكتبية الصغيرة وحتى المراوح الأرضية ومراوح السقف، بينما يظل الإقبال على المكيفات محدودًا مقارنة بالمراوح.
ويضيف: "هذا التفاوت يرجع إلى الفارق الكبير في الأسعار، فشراء مروحة كهربائية لا يتطلب سوى جزء بسيط من تكلفة شراء مكيف هواء، كما أن استهلاكها للكهرباء أقل بكثير، الأمر الذي يجعلها الخيار الأكثر واقعية بالنسبة لغالبية الأسر".
ويوضح: "لا يقتصر الأمر على سعر الجهاز فقط، بل يمتد إلى كلفة التشغيل اليومية، حيث تحتاج المكيفات إلى مصدر كهربائي مستقر وقدرة تشغيلية مرتفعة، في حين يمكن للمراوح العمل لساعات طويلة باستخدام منظومات شمسية صغيرة أو بطاريات منزلية، وهو ما يجعلها أكثر ملاءمة للظروف السائدة في المدينة".
معادلة جديدة
أصبحت الكهرباء التجارية أحد أبرز التحديات التي تواجه سكان تعز، إذ تعتمد المدينة بشكل كبير على الطاقة المولدة من القطاع الخاص في ظل غياب الخدمة الحكومية، وهو ما يرفع تكلفة تشغيل الأجهزة الكهربائية ذات الاستهلاك العالي.
يؤكد المواطن سيف الذبحاني أن تشغيل المكيف لساعات طويلة قد يضاعف قيمة فاتورة الكهرباء بصورة يصعب تحملها، لذلك يفضل كثيرون استخدام المراوح حتى وإن كانت أقل كفاءة في التبريد.
ويستطرد في حديثه لـ"الساحل الغربي": "المواطنون باتوا يخططون لشراء الأجهزة المنزلية وفقًا لمعدل استهلاكها للطاقة، وليس فقط وفق الحاجة إليها، إذ أصبحت كلفة التشغيل عنصرًا أساسيًا في قرار الشراء.. هذا التغير يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي يعيشها أبناء مدينة تعز المحاصرة، والتي دفعتهم إلى إعادة ترتيب أولوياتهم بما يتناسب مع الدخل المحدود وارتفاع الأسعار".
هكذا إذًا، لا تنظر كثير من الأسر في تعز إلى المراوح باعتبارها وسيلة رفاهية، بل أصبحت بالنسبة لها ضرورة يومية تساعد على التخفيف من آثار الحرارة داخل المنازل، خصوصًا خلال ساعات الظهيرة والمساء، فالمراوح تشهد مبيعات مرتفعة، لأنها تحقق توازنًا بين السعر المناسب والاستهلاك المنخفض للكهرباء، فضلاً عن سهولة تشغيلها على البطاريات أو عبر أنظمة الطاقة الشمسية الصغيرة.
وبحسب التجار فإن تنوع موديلات المراوح المتوفرة يمنح المستهلك خيارات متعددة تتناسب مع احتياجاته وإمكاناته المالية، بدءًا من الأجهزة الاقتصادية وحتى الأنواع المزودة بخيارات للتحكم في السرعة أو التشغيل عن بُعد، مؤكدين أن السوق يشهد منافسة واضحة بين العلامات التجارية المختلفة، وهو ما ساعد على توفير خيارات بأسعار متفاوتة، الأمر الذي شجع مزيدًا من المواطنين على الشراء.
وفي المقابل، بات شراء المكيفات في تعز خيارًا يقتصر على المؤسسات التجارية وبعض الأسر ذات الدخل المرتفع، في حين تواصل المراوح الحفاظ على مكانتها باعتبارها البديل الأكثر انتشارًا.
الطاقة البديلة
حل فرضته الأزمة
في ظل استمرار ارتفاع تسعيرة الكهرباء التجارية، لم تعد منظومات الطاقة الشمسية في مدينة تعز ترفًا أو خيارًا إضافيًا، بل تحولت إلى استثمار طويل الأجل تلجأ إليه الأسر والمؤسسات لتأمين احتياجاتها اليومية من الكهرباء.
ويؤكد عاملون في قطاع الطاقة البديلة أن الإقبال على المنظومات الشمسية يشهد نموًا متواصلًا، خصوصًا خلال فصل الصيف، حيث يرتفع استهلاك الكهرباء نتيجة تشغيل المراوح والثلاجات وغيرها من الأجهزة المنزلية.
ويرى ناشطون أن المواطنين باتوا ينظرون إلى الطاقة الشمسية باعتبارها وسيلة لتقليل النفقات الشهرية، إذ إن كلفة شراء المنظومة قد تبدو مرتفعة في البداية، لكنها توفر على المدى البعيد مبالغ كبيرة كانت تُدفع مقابل الكهرباء التجارية أو الوقود المستخدم في تشغيل المولدات.
ويشير هؤلاء إلى أن السوق شهد خلال الأشهر الأخيرة تطورًا ملحوظًا في أنواع الألواح الشمسية وأجهزة التحكم والمحولات الكهربائية، ما أتاح خيارات متنوعة تناسب مختلف الاحتياجات والقدرات المالية.
بطاريات الليثيوم.. نقلة في سوق الطاقة
إلى جانب المنظومات الشمسية، برزت بطاريات الليثيوم باعتبارها واحدة من أكثر المنتجات طلبًا في أسواق الطاقة البديلة، بعد أن أصبحت تمثل بديلًا عمليًا للبطاريات التقليدية.
ويقول تجار لـ"الساحل الغربي"، إن الإقبال على بطاريات الليثيوم ازداد بصورة واضحة نتيجة امتلاكها عمرًا افتراضيًا أطول، وسرعة في الشحن، وكفاءة أعلى في تخزين الطاقة، إضافة إلى انخفاض احتياجاتها للصيانة مقارنة ببطاريات الرصاص الحمضية.
ورغم أن أسعار بطاريات الليثيوم ما تزال مرتفعة نسبيًا، فإن كثيرًا من المشترين يفضلونها باعتبارها استثمارًا طويل الأمد يقلل من تكاليف الاستبدال والصيانة في المستقبل.
ويؤكد مهندسون في مجال الطاقة أن التحول نحو هذه البطاريات يعكس تغيرًا في ثقافة المستهلك داخل مدينة تعز المحاصرة، الذي أصبح أكثر اهتمامًا بجودة المنتج وكفاءته التشغيلية، وليس فقط بسعره عند الشراء.
أولويات المستهلك
قبل سنوات، كان كثير من المواطنين يختارون الأجهزة المنزلية بناءً على مواصفاتها أو العلامة التجارية أو المزايا الإضافية التي توفرها، أما اليوم فقد أصبحت الأولوية الأولى هي مقدار استهلاك الجهاز للطاقة وإمكانية تشغيله في ظل محدودية الكهرباء.
ويؤكد مختصون أن الأسر أصبحت أكثر حرصًا على شراء الأجهزة الموفرة للطاقة، حتى وإن كانت أسعارها أعلى قليلًا، لأنها تقلل من نفقات التشغيل على المدى الطويل، كما أصبح كثير من المواطنين يفضلون استبدال الأجهزة القديمة بأخرى حديثة ذات كفاءة أعلى في استهلاك الكهرباء، الأمر الذي يعكس تحولًا واضحًا في سلوك المستهلك نتيجة استمرار الأزمة.
ويقول اقتصاديون إن هذا التغير لا يعكس فقط محاولة التكيف مع ارتفاع الأسعار، بل يعبر أيضًا عن إعادة ترتيب أولويات الإنفاق داخل الأسرة، حيث باتت القرارات الشرائية مرتبطة بالحاجة الفعلية والقدرة على تحمل تكاليف التشغيل.
القدرة الشرائية
رغم تنامي الإقبال على المراوح ومنظومات الطاقة الشمسية، فإن القدرة الشرائية للمواطنين لا تزال تمثل التحدي الأكبر أمام كثير من الأسر، فارتفاع أسعار الأجهزة الكهربائية، إلى جانب تراجع مستويات الدخل وارتفاع أسعار السلع الأساسية، يجعل كثيرًا من المواطنين يؤجلون شراء ما يحتاجونه إلى حين توفر السيولة المالية.
ويشير بعض التجار إلى أن كثيراً من المواطنين يلجؤون إلى شراء الأجهزة بالتقسيط أو على مراحل، فيبدأون بشراء الألواح الشمسية أولًا، ثم يضيفون البطاريات والمحولات لاحقًا بحسب إمكاناتهم، ويعكس هذا السلوك حجم الضغوط الاقتصادية التي يعيشها المواطن، والذي أصبح مضطرًا إلى الموازنة بين احتياجاته الأساسية وقدرته المحدودة على الإنفاق.
التحديات
ويشير كثيرون إلى أن قطاع الطاقة البديلة يواجه عددًا من التحديات، أبرزها ارتفاع أسعار المعدات المستوردة، وتقلبات الأسعار، إضافة إلى دخول منتجات منخفضة الجودة إلى الأسواق، الأمر الذي قد يؤثر على ثقة المستهلك، ويؤدي إلى خسائر مالية للأسر التي تستثمر مدخراتها في شراء منظومات لا تحقق الأداء المطلوب.
ويدعو ناشطون إلى تعزيز الرقابة على الأسواق، وتشجيع استيراد المعدات ذات الجودة العالية، وتوسيع برامج التدريب الفني للعاملين في مجال تركيب وصيانة أنظمة الطاقة الشمسية.
ويرى مهندسون أن الاعتماد على الطاقة الشمسية في تعز مرشح للتوسع خلال السنوات المقبلة، خصوصًا في ظل استمرار التحديات التي تواجه قطاع الكهرباء، ويؤكدون أن التطور المستمر في تقنيات تخزين الطاقة وتحسن كفاءة الألواح الشمسية قد يسهم في خفض التكاليف مستقبلاً، ويجعل الطاقة النظيفة أكثر انتشارًا داخل المدن اليمنية.
ويشيرون إلى أن هذا التوسع يخلق فرص عمل جديدة في مجالات البيع والتركيب والصيانة والهندسة الكهربائية، بما يسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي وفتح آفاق جديدة أمام الشباب العاملين في هذا القطاع.