الجامعة خارج الحسابات.. لماذا يعزف الشباب في مناطق سيطرة الحوثي عن التعليم العالي؟

  • صنعاء، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
  • منذ ساعتين

لم يكن حلم الالتحاق بالجامعة بالنسبة للشاب زياد عبدالله، من أبناء العاصمة المختطفة صنعاء، مختلفًا عن أحلام آلاف الطلاب اليمنيين الذين كانوا يرون في الشهادة الجامعية بوابةً لمستقبل أفضل، غير أن سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي وتراجع قيمة التعليم دفعت به إلى ترك حلمه الأكاديمي والعمل في بيع الهواتف المستعملة داخل أحد الأسواق الشعبية، بعدما أصبح الحصول على دخل يومي أكثر إلحاحًا من انتظار شهادة قد لا تفتح بابًا للوظيفة، حد تعبيره.

قصة هذا الشاب ليست استثناءً، بل تعكس واقعًا متسارعًا في المناطق المنكوبة بمليشيا الحوثي الإرهابية، حيث يشهد التعليم العالي تراجعًا غير مسبوق في أعداد الملتحقين بالجامعات، وسط ظروف اقتصادية خانقة وانهيار في سوق العمل، ما دفع أعدادًا متزايدة من الشباب إلى العزوف عن الدراسة الجامعية والبحث عن مصادر دخل فورية، أو الانخراط في مسارات أخرى فرضتها ظروف الحرب.

عوامل التراجع

على مدى سنوات ما قبل حرب المليشيا، كانت الجامعات الحكومية في صنعاء وإب وذمار والحديدة تستقبل عشرات الآلاف من الطلاب سنويًا، وكانت المنافسة على المقاعد الجامعية تمثل محطة رئيسية في حياة الشباب اليمنيين، أما اليوم، فتبدو الصورة مختلفة بشكل واضح.

ففي عدد من الكليات الإنسانية والعلمية، تراجعت أعداد الملتحقين بصورة لافتة، وأصبحت بعض الأقسام تستقبل أعدادًا محدودة من الطلاب مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2014، وسط تأكيدات أن القاعات الدراسية التي كانت مكتظة بالطلاب أصبحت تشهد فراغًا متزايدًا عامًا بعد آخر.

ويرى كثيرون أن هذا التراجع لا يرتبط فقط بالأزمة الاقتصادية، بل يمثل نتيجة تراكمية لعوامل متعددة، تشمل انهيار مؤسسات الدولة، وتوقف التوظيف الحكومي، وتراجع جودة التعليم، وتدهور أوضاع أعضاء هيئة التدريس، فضلًا عن فقدان الثقة بقدرة الشهادة الجامعية على تحسين الواقع المعيشي للخريجين.

اقتصاد منهك

منذ انقلاب مليشيا الحوثي الإرهابية على مؤسسات الدولة في صنعاء، تعرض الاقتصاد اليمني لسلسلة من الصدمات العنيفة، فقد تراجعت الأنشطة الاقتصادية، وتقلصت فرص الاستثمار، وتدهورت القدرة الشرائية للمواطنين، بينما وجد ملايين اليمنيين أنفسهم يكافحون لتأمين الاحتياجات الأساسية.

وفي ظل هذا الواقع الصعب، باتت تكاليف التعليم الجامعي تمثل عبئًا إضافيًا على الأسر، سواء من خلال رسوم الدراسة أو تكاليف المواصلات والمواد التعليمية والسكن بالنسبة للطلاب القادمين من المحافظات الأخرى أو من القرى والأرياف.

يقول عدد من الطلاب لـ "الساحل الغربي"، إن الأولوية اليوم لم تعد الحصول على شهادة جامعية، بل تأمين دخل يساعد الأسرة على مواجهة متطلبات الحياة اليومية، ولذلك اتجه كثير من الشباب إلى العمل في الأسواق والورش والمحال التجارية أو ممارسة أعمال حرة ذات عائد سريع، بدلًا من قضاء سنوات طويلة في الدراسة دون ضمان فرصة عمل لاحقة.

الشهادة تفقد بريقها

قبل سنوات الحرب، كانت الوظيفة الحكومية تمثل الحافز الأكبر للالتحاق بالجامعة، فيما اليوم، فقد تبدد هذا الحافز بصورة كبيرة، فآلاف الخريجين يقضون سنوات طويلة بعد التخرج دون الحصول على وظيفة، فيما يعاني موظفون حكوميون وأكاديميون من تراجع دخلهم الفعلي وانعدام الاستقرار المالي.

أمام هذه الصورة، بدأت نظرة الشباب إلى التعليم العالي تتغير تدريجيًا، وبات كثير من الطلاب ينظرون إلى الشهادة الجامعية باعتبارها استحقاقًا أكاديميًا لا يضمن مستقبلًا مهنيًا، بينما تبدو بعض الأعمال التجارية أو المهنية أكثر قدرة على تحقيق دخل مباشر.

يتحدث المهندس عمر الشرعبي: "عشرات الطلاب الذين درسوا معي في قسم تقنية المعلومات بجامعة صنعاء، عجزوا بعد التخرج عن الحصول على فرصة عمل في صنعاء وفي غيرها من المحافظات، رغم أنهم من أذكى المهندسين في المجال، ولكن ظروف الحرب وقلة الفرص دفعتهم للهجرة إلى المملكة العربية السعودية والعمل هناك في مهن مختلفة لا تتعلق بالتخصص".

ويضيف الشرعبي لـ "الساحل الغربي": "غالبية الشباب من خريجي الثانوية العامة يتجهون مباشرة إلى الاغتراب والعمل، خاصة بعد أن أدركوا صعوبة الوضع داخل اليمن، وشاهدوا العديد من الطلاب الجامعيين يعيشون ظروفًا قاسية بعد التخرج، لذلك يفضلون المغادرة إلى سوق العمل في وقت مبكر".

ويؤكد أن الشاب اليمني اليوم يقارن بين سنوات طويلة يقضيها في الدراسة الجامعية وما تتطلبه من نفقات وجهد، وبين فرصة عمل قد يحصل عليها خارج البلاد وتوفر له دخلًا مباشرًا يمكنه من إعالة أسرته وتحسين وضعه المعيشي، مشيرًا إلى أن هذه المقارنة دفعت كثيرًا من الشباب إلى إعادة النظر في جدوى التعليم الجامعي، ليس بسبب ضعف الرغبة في التعلم، وإنما نتيجة غياب الضمانات التي تربط الشهادة الجامعية بفرص العمل والاستقرار الوظيفي، الأمر الذي أسهم في اتساع ظاهرة العزوف عن التعليم العالي وتزايد معدلات الهجرة والاغتراب بين أوساط الشباب.

ويرى خبراء اجتماعيون أن هذه التحولات تشكل تغيرًا عميقًا في الثقافة المجتمعية تجاه التعليم الجامعي، إذ لم يعد ينظر إلى الجامعة باعتبارها المسار الطبيعي للترقي الاجتماعي كما كان الحال في العقود الماضية.


تسييس التعليم

إلى جانب الضغوط الاقتصادية، واجهت الجامعات الواقعة تحت سيطرة مليشيا الحوثي انتقادات متزايدة تتعلق بتسييس العملية التعليمية وإخضاع المؤسسات الأكاديمية لتوجهات الجماعة.

ويتحدث أكاديميون عن تدخلات متزايدة في إدارة الجامعات الحكومية والخاصة، وفرض تعيينات من المشرفين والموالين للمليشيا كرؤساء أقسام رغم قلة الخبرة والكفاءة، إضافة إلى تغييرات في المناهج والأنشطة الطلابية، فضلًا عن فرض توجهات أيديولوجية داخل بعض المؤسسات التعليمية.

وبحسب مراقبين فإن هذه الممارسات أضعفت البيئة الجامعية وأسهمت في تراجع جاذبية التعليم العالي، خصوصًا لدى الطلاب الذين يبحثون عن تعليم أكاديمي مستقل ومؤهل لسوق العمل، كما دفعت هذه الظروف بعض الأسر إلى البحث عن بدائل تعليمية خارج مناطق سيطرة الحوثيين أو إرسال أبنائها إلى الخارج متى ما توفرت الإمكانات المادية.


بين الهجرة والبحث عن عمل

لم تقتصر تداعيات الأزمة التي تضرب التعليم العالي في المناطق المنكوبة بالمليشيا على الطلاب وحدهم، بل امتدت إلى أعضاء هيئة التدريس الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة أوضاع معيشية متدهورة فرضتها سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي، فبعد أن كانت مهنة الأستاذ الجامعي تحظى بمكانة اجتماعية مستقرة نسبيًا، بات كثير من الأكاديميين يكافحون اليوم لتأمين متطلبات الحياة الأساسية في ظل تآكل الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة بصورة غير مسبوقة.

ومع اتساع الفجوة بين الدخل والنفقات، اضطر عدد كبير من الأكاديميين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية خارج أسوار الجامعات، حيث اتجه بعضهم إلى العمل في التجارة أو تقديم الدروس الخاصة والاستشارات، فيما انخرط آخرون في أعمال لا تمت بصلة إلى تخصصاتهم العلمية، في محاولة لتأمين احتياجات أسرهم، فالكثير من الأساتذة باتوا يقضون ساعات طويلة في أعمال إضافية على حساب الوقت المخصص للبحث العلمي والتطوير الأكاديمي.

وفي المقابل، اختار عدد من الكفاءات العلمية الهجرة إلى الخارج بعد أن فقدوا الأمل في تحسن الأوضاع داخل البلاد، واستقطبت جامعات ومؤسسات تعليمية في دول عربية وخليجية العديد من الأكاديميين اليمنيين الذين يمتلكون خبرات طويلة في مجالات الهندسة والطب والعلوم الإنسانية، ما أدى إلى خسارة الجامعات اليمنية لجزء مهم من كوادرها المؤهلة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار نزيف الكفاءات الأكاديمية سينعكس بصورة مباشرة على جودة العملية التعليمية، حيث تواجه بعض الأقسام العلمية صعوبة في توفير أعضاء هيئة تدريس متخصصين، الأمر الذي يؤثر على مستوى التحصيل العلمي للطلاب ويضعف مخرجات التعليم الجامعي، كما أن غياب الخبرات البحثية يحد من قدرة الجامعات على تطوير برامجها الأكاديمية ومواكبة المتغيرات العلمية والتكنولوجية المتسارعة.

وتتفاقم هذه التحديات مع التراجع المستمر في الموارد المالية المخصصة للجامعات، الأمر الذي انعكس على البنية التحتية والمعامل والمختبرات والأنشطة البحثية، ففي كثير من الكليات، أصبحت الأجهزة العلمية قديمة أو غير صالحة للاستخدام، بينما تراجعت مشاريع البحث العلمي بشكل ملحوظ بسبب شح التمويل.

ويشير مراقبون أن الجامعات في مناطق سيطرة الحوثيين تواجه اليوم أزمة مركبة تجمع بين استنزاف الكوادر البشرية وتدهور الإمكانات المادية، وهو ما يهدد مستقبل التعليم العالي ويعمق الفجوة بين الجامعات اليمنية ونظيراتها في المنطقة.


تغيّر أولويات الشباب

خلال السنوات الماضية، فرضت الحرب أولويات جديدة على الشباب اليمني، وأعادت تشكيل نظرتهم إلى المستقبل بصورة غير مسبوقة، ففي ظل اتساع رقعة الفقر وارتفاع معدلات البطالة، تراجعت الأحلام المهنية طويلة الأمد أمام ضغوط الحياة اليومية ومتطلبات البقاء.

كما أسهمت الحرب في توسيع ظاهرة الهجرة والاغتراب بين أوساط الشباب، إذ بات السفر إلى الخارج يمثل لدى كثيرين خياراً أكثر واقعية من مواصلة الدراسة داخل اليمن، فمع تراجع الفرص الاقتصادية وانسداد آفاق التوظيف، يتجه آلاف الشباب إلى البحث عن فرص عمل في دول الجوار، حتى وإن كانت في مهن لا تتناسب مع مؤهلاتهم أو طموحاتهم، وأدى هذا التوجه إلى استنزاف جزء مهم من الطاقات الشابة التي كان يمكن أن تشكل رافعة للتنمية وإعادة الإعمار في المستقبل.

ويرى باحثون أن استمرار هذا التحول في أولويات الشباب ينذر بعواقب بعيدة المدى على المجتمع اليمني، إذ لا يقتصر تأثيره على تراجع أعداد الملتحقين بالجامعات، بل يمتد إلى إضعاف رأس المال البشري الذي تحتاجه البلاد للنهوض من آثار الحرب، فكل شاب يبتعد عن التعليم أو يغادر البلاد بحثًا عن فرصة للعيش، يمثل خسارة إضافية لقطاع يعاني أصلًا من نقص الكفاءات، ما يهدد بإيجاد فجوة متزايدة في الكوادر المؤهلة خلال السنوات المقبلة.


التسرب المبكر

لا تبدأ أزمة التعليم العالي عند بوابة الجامعة، بل تمتد جذورها إلى مراحل التعليم الأساسي والثانوي، حيث تتشكل أولى ملامح الانقطاع عن المسار التعليمي، فقبل أن يصل الطالب إلى سن الالتحاق بالجامعة، يكون كثير من الأطفال والشباب قد غادروا بالفعل مقاعد الدراسة نتيجة ظروف اقتصادية واجتماعية متفاقمة فرضتها سنوات الحرب، ولذلك فإن التراجع الحاد في أعداد الطلاب الجامعيين يُعد في جانب منه نتيجة طبيعية لتآكل القاعدة التعليمية في المراحل السابقة.

وفي كثير من المناطق المنكوبة، دفع الفقر المتزايد وتراجع دخل الأسر آلاف العائلات إلى اتخاذ قرارات صعبة تتعلق بتعليم أبنائها، فمع ارتفاع تكاليف المعيشة وعدم قدرة الأسر على توفير احتياجاتها الأساسية، يصبح استمرار الأبناء في الدراسة أمرًا ثانويًا مقارنة بالحاجة إلى مساهمتهم في توفير دخل للأسرة، ولهذا يترك كثير من الأطفال والشباب مدارسهم في سن مبكرة للالتحاق بالأعمال الحرة أو التجارية البسيطة أو المهن اليدوية، بحثًا عن مصدر رزق يساعد أسرهم على مواجهة الأعباء اليومية.

وتشير تقديرات إلى أن معدلات التسرب المدرسي ارتفعت بصورة ملحوظة خلال سنوات الحرب، خصوصًا في الأرياف والمناطق الفقيرة، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية مع ضعف الخدمات التعليمية وتراجع البيئة المدرسية، كما أن انقطاع بعض المعلمين عن التدريس بسبب الأوضاع المعيشية، وتراجع جودة العملية التعليمية، أسهما في زيادة عزوف الطلاب عن مواصلة الدراسة، ومع مرور الوقت، تتقلص أعداد الطلاب المؤهلين للانتقال إلى المرحلة الثانوية ثم الجامعية، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على حجم الملتحقين بالتعليم العالي.

ويحذر تربويون من أن استمرار هذه الحلقة المفرغة سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على المجتمع في المستقبل، إذ إن فقدان أعداد كبيرة من الأطفال والشباب لفرص التعليم يهدد بارتفاع معدلات الأمية والبطالة والفقر، ناهيك أن ضعف التعليم في المراحل المبكرة ينعكس لاحقًا على جودة التعليم الجامعي ومخرجاته، ما يجعل أزمة التعليم في مناطق سيطرة الحوثيين أزمة ممتدة تبدأ من المدرسة وتنتهي عند الجامعة، وتهدد جيلًا كاملًا من فرص التعلم والتنمية.

تخصصات مهجورة وأخرى صاعدة

مع التراجع الذي تشهده العديد من التخصصات الإنسانية والتربوية في الجامعات الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، يلاحظ أكاديميون استمرار اهتمام نسبي ببعض التخصصات التي يُنظر إليها على أنها أكثر ارتباطًا بمتطلبات سوق العمل وفرص التوظيف المستقبلية، ويعكس هذا التحول تغيرًا واضحًا في أولويات الطلاب، الذين باتوا يبحثون عن التخصصات القادرة على توفير فرص عمل أو فتح أبواب للهجرة والعمل خارج اليمن، بدلًا من التركيز على التخصصات التقليدية التي كانت تحظى بإقبال واسع في السابق.

وتبرز علوم الحاسوب وتقنية المعلومات والأمن السيبراني ضمن أكثر التخصصات جذبًا للطلاب خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب بعض التخصصات الطبية والصحية، ويعزو مختصون هذا الإقبال إلى تنامي الطلب العالمي على المهارات التقنية وإمكانية العمل عن بُعد أو الحصول على فرص وظيفية خارج البلاد، فالكثير من الشباب يرون أن هذه التخصصات تمنحهم فرصة أكبر للتكيف مع التحولات الاقتصادية مقارنة بالتخصصات التي تعتمد بشكل أساسي على التوظيف الحكومي.

وفي المقابل، تواجه العديد من الكليات الإنسانية والتربوية والعلمية الأساسية تراجعًا ملحوظًا في أعداد الملتحقين بها، حيث باتت بعض الأقسام تستقبل أعدادًا محدودة للغاية من الطلاب بعد أن كانت تضم مئات الدارسين سنويًا، ويعود ذلك إلى تراجع فرص العمل المرتبطة بهذه التخصصات، وأصبحت الشهادة في بعض هذه المجالات تُنظر إليها من قبل كثير من الشباب باعتبارها غير كافية لضمان مستقبل مهني مستقر.

غير أن استمرار الإقبال على عدد محدود من التخصصات لا يخفي حجم الأزمة العامة التي تضرب التعليم العالي، فمعظم الجامعات تشهد انخفاضًا متواصلًا في أعداد الطلاب عامًا بعد آخر، بغض النظر عن طبيعة التخصصات المتاحة، ويحذر أكاديميون من أن اختلال التوازن بين التخصصات المختلفة قد يؤدي مستقبلًا إلى نقص حاد في بعض الكوادر العلمية والتربوية التي يحتاجها المجتمع، ما يضيف تحديًا جديدًا إلى سلسلة الأزمات التي يواجهها قطاع التعليم في المناطق المحتلة.


مخاطر طويلة المدى

هكذا تتداخل العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في المناطق المنكوبة بالمليشيا لتشكل بيئة طاردة للتعليم العالي، فالفقر المتزايد، وغياب فرص العمل، وتراجع قيمة الشهادة الجامعية في سوق العمل، إلى جانب هجرة الكفاءات وتدهور البيئة التعليمية، كلها عوامل تدفع المئات من الشباب إلى الابتعاد عن المسار الأكاديمي.

ولم يعد العزوف عن الجامعة ظاهرة فردية أو حالات استثنائية، بل أصبح اتجاهًا متناميًا يعكس حجم التحديات التي تواجه الأجيال الجديدة في ظل استمرار الحرب وانسداد آفاق المستقبل.

ويحذر مختصون من أن أخطر ما في هذه الأزمة، ما يمكن أن يترتب عليها من آثار طويلة الأمد تمس مستقبل البلاد بأكمله، فكل شاب يغادر مقاعد الدراسة، وكل موهبة تضيع بسبب الفقر أو الهجرة أو غياب الفرص، تمثل خسارة إضافية لرصيد اليمن من الكفاءات البشرية التي يحتاجها للنهوض من آثار الحرب.

وبينما تتسع الفجوة بين التعليم وسوق العمل، يتساءل كثيرون: كم جيلًا يمكن لليمن أن يخسر قبل أن يدرك الجميع أن إنقاذ التعليم لم يعد قضية أكاديمية فحسب، بل معركة وطنية تتعلق بمستقبل الدولة والمجتمع والتنمية لعقود قادمة؟.

ذات صلة