خبراء "معهد واشنطن" يفككون التفاهم الأمريكي الإيراني: ثغرات خطيرة وتداعيات إقليمية
- عبدالمالك محمد، الساحل الغربي:
- منذ ساعة
عاد الملف الإيراني إلى واجهة المشهد الدولي مع إعلان مذكرة تفاهم جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، في خطوة يرى محللون أنها قد تؤسس لمرحلة مختلفة من التوازنات الإقليمية، لكنها في الوقت ذاته تثير أسئلة جوهرية بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وأمن الخليج، ومستقبل النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.
وخلال منتدى سياسات افتراضي عقده "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"، ناقش ثلاثة من أبرز المتخصصين في الشأن الإيراني والإقليمي أبعاد الاتفاق الجديد وتداعياته المحتملة على المنطقة، محذرين من ثغرات جوهرية قد تجعل التفاهم الحالي مجرد هدنة سياسية مؤقتة أكثر منه حلاً دائماً للأزمات القائمة.
إعادة فتح هرمز مقابل تخفيف العقوبات
فبحسب ما عرضه منسق الولايات المتحدة لمكافحة الفساد العالمي في وزارة الخارجية الأمريكية ريتشارد نيفيو، فإن جوهر مذكرة التفاهم يقوم على مقايضة مباشرة بين إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية وإنهاء القيود الأمريكية المفروضة على الموانئ الإيرانية، إلى جانب منح طهران حزمة واسعة من التسهيلات الاقتصادية وتخفيف العقوبات.
وأشار نيفيو إلى أن الاتفاق لم يقدم حلولاً حقيقية للملف النووي الإيراني بل اكتفى بتجميد الوضع القائم؛ إذ تتعهد إيران بعدم توسيع أنشطتها النووية مقابل إبقاء الولايات المتحدة على الإطار العام للعقوبات الحالية مع تخفيف بعض القيود الاقتصادية.
وأضاف أن القضايا الأكثر حساسية، وعلى رأسها مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب وآليات الرقابة الدولية، جرى تأجيلها إلى مفاوضات لاحقة يفترض أن تقود إلى اتفاق نهائي خلال مهلة زمنية مدتها 60 يوماً.
مليارات الدولارات بانتظار طهران
ويثير الجانب الاقتصادي من الاتفاق مخاوف متزايدة لدى عدد من الخبراء، فإلى جانب مشروع صندوق إعادة إعمار ضخم تصل قيمته إلى 300 مليار دولار في حال التوصل إلى اتفاق نهائي، تتيح المذكرة بصورة فورية توسيع صادرات النفط الإيرانية وإمكانية وصول طهران إلى أموال مجمدة تتراوح قيمتها بين 24 و100 مليار دولار.
ويرى نيفيو أن هذا التدفق المالي قد يمنح السلطات الإيرانية قدرة سريعة على إعادة بناء قدراتها العسكرية والصاروخية، فضلاً عن دعم حلفائها الإقليميين وشبكات نفوذها في المنطقة.
كما حذر من أن غياب آليات رقابة واضحة ودور فاعل للوكالة الدولية للطاقة الذرية يمثل إحدى أبرز نقاط الضعف في التفاهم الجديد مقارنة بالاتفاقات السابقة.
مخاوف من منح إيران نفوذاً إضافياً في هرمز
من جانبه، اعتبر المسؤول الأمريكي السابق دينس روس أن البنود المتعلقة بمضيق هرمز تحمل تداعيات استراتيجية بعيدة المدى، لافتاً إلى أن المذكرة تنص على إبقاء المضيق مفتوحاً لمدة ستين يوماً قبل الانتقال إلى ترتيبات تفاوضية جديدة تشارك فيها سلطنة عُمان ودول الخليج.
وحذر روس من أن هذه الصيغة قد تمنح طهران نفوذاً متزايداً على أحد أهم الممرات البحرية العالمية، بما يشكل سابقة غير مسبوقة في إدارة نقاط الاختناق الاستراتيجية للتجارة الدولية.
كما انتقد الربط الذي تقيمه المذكرة بين استقرار الوضع في لبنان وبنود الاتفاق، معتبراً أن إيران تسعى في المقام الأول إلى حماية "حزب الله" والحفاظ على نفوذه، وليس إلى دعم الدولة اللبنانية أو تعزيز سيادتها.
مقارنة مع الاتفاق النووي السابق
ورغم المقارنات المتكررة بين التفاهم الجديد والاتفاق النووي المبرم عام 2015، يؤكد روس أن الظروف الحالية تختلف جذرياً عن تلك المرحلة.
ففي حين فرض الاتفاق السابق قيوداً صارمة على نسب التخصيب وألزم إيران بإخراج الجزء الأكبر من مخزونها النووي خارج البلاد، لا يتضمن التفاهم الجديد إجراءات مماثلة، كما لا يحدد بصورة واضحة آليات الرقابة أو الجهات المكلفة بمتابعة تنفيذ الالتزامات الإيرانية.
ويرى أن هذا الغموض يثير تساؤلات جدية حول قدرة الاتفاق على منع عودة الأزمة النووية في المستقبل.
دول الخليج بين القلق وإعادة الحسابات
وتوقف روس أيضاً عند انعكاسات الحرب الأخيرة على الحسابات الأمنية الخليجية، مشيراً إلى أن المواجهة كشفت هشاشة البنية الدفاعية الإقليمية وأعادت التأكيد على الحاجة إلى منظومة دفاع جوي وصاروخي مشتركة.
وأوضح أن انسحاباً أمريكياً دائماً أو تقليصاً للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة قد يترك دول الخليج أمام تحديات أمنية متزايدة، رغم التراجع الذي تعرضت له القدرات العسكرية الإيرانية خلال الحرب.
وفي المقابل، توقع أن تدفع التطورات الأخيرة دول المنطقة إلى تسريع مشاريع الربط الاقتصادي والبنية التحتية البديلة لمضيق هرمز، بما في ذلك الممر الاقتصادي الممتد بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.
جدل داخل إيران حول "اتفاق المنتصر"
أما الباحثة هولي داغريس، فقد سلطت الضوء على التفاعلات الداخلية الإيرانية التي رافقت الإعلان عن الاتفاق.
وأشارت إلى أن وسائل الإعلام والتيارات السياسية الإيرانية قدمت مذكرة التفاهم بوصفها انتصاراً سياسياً لطهران، مستفيدة من الرمزية السياسية المرتبطة بمكان توقيع الاتفاق، في حين انقسمت النخب الإيرانية بين مؤيد يرى في التفاهم اعترافاً أمريكياً بالنفوذ الإيراني، ومعارض يعتبره تنازلاً غير مبرر لصالح واشنطن.
وأكدت أن الجدل الدائر في طهران لا يختلف كثيراً عن السجالات السياسية التي تشهدها واشنطن بشأن جدوى الاتفاق ومستقبله.
حقوق الإنسان.. الغائب الأكبر
ورأت داغريس أن ملف حقوق الإنسان كان الغائب الأبرز عن مذكرة التفاهم، رغم تصاعد الانتقادات الدولية الموجهة إلى السلطات الإيرانية على خلفية الإعدامات والاعتقالات السياسية.
وأوضحت أن شريحة واسعة من الإيرانيين المعارضين للنظام تشعر بخيبة أمل نتيجة تجاهل الاتفاق لهذه القضايا، معتبرة أن التركيز الحصري على الجوانب الأمنية والاقتصادية جاء على حساب مطالب الحريات والإصلاحات السياسية.
كما شككت في قدرة تخفيف العقوبات وحده على تحسين الظروف المعيشية للإيرانيين، في ظل استمرار مشكلات الفساد وسوء الإدارة داخل مؤسسات الدولة.
مرحلة انتقالية لا تسوية نهائية
وفي تقييمها للمشهد المقبل، توقعت داغريس أن تنصرف إيران خلال الفترة القادمة إلى ترتيب أوضاعها الداخلية وإعادة إعمار ما تضرر من قدراتها جراء الحرب، بدلاً من الانخراط في مغامرات إقليمية واسعة النطاق.
ومع ذلك، حذرت من أن التوتر قد يعود سريعاً إذا استمرت المواجهات المرتبطة بلبنان أو تعثرت المفاوضات الخاصة بالاتفاق النهائي.
اتفاق مؤقت وأسئلة مفتوحة
ويخلص النقاش الذي استضافه معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى أن مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية نجحت في وقف التصعيد وفتح نافذة جديدة للدبلوماسية، لكنها لم تعالج القضايا الجوهرية التي كانت سبباً للأزمة أساساً.
فبينما تراهن واشنطن على أن الانفتاح الاقتصادي سيدفع طهران إلى تغيير سلوكها الإقليمي، يرى عدد من الخبراء أن الاتفاق يمنح إيران مكاسب اقتصادية وسياسية ملموسة دون ضمانات كافية بشأن برنامجها النووي أو سياساتها الإقليمية، ما يجعل مستقبل الشرق الأوسط بعد الحرب الأخيرة رهناً بنتائج المفاوضات المقبلة.