فخ الستين يوماً.. كيف تقايض إيران "التسوية الشاملة" بـ"المكاسب السياسية"؟
- عبدالمالك محمد، الساحل الغربي:
- منذ ساعتين
في الوقت الذي تسوق فيه الولايات المتحدة للمحادثات الأخيرة التي عُقدت في سويسرا باعتبارها خطوة أولى نحو اتفاق شامل مع إيران، تبدو طهران أكثر اهتماماً باستثمار فترة التفاوض الممتدة ستين يوماً لتعزيز مكاسبها السياسية والاستراتيجية، وسط مؤشرات متزايدة على أن الطريق نحو اتفاق نهائي لا يزال طويلاً ومعقداً.
وبحسب تقرير حديث نشره منتدى الشرق الأوسط، فإن التغطية الإعلامية الإيرانية الرسمية ركزت بصورة لافتة على ملفات آنية، من بينها وقف إطلاق النار في لبنان، وإمكانية الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وترتيبات الأمن البحري في مضيق هرمز، بينما تراجعت القضايا الأساسية التي شكلت جوهر الخلاف بين الطرفين، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني والقدرات الصاروخية وشبكة الحلفاء والوكلاء الإقليميين.
تقدم محدود ومفاوضات غير محسومة
ووفقاً لما أوردته وسائل إعلام إيرانية مقربة من المؤسسة الأمنية، فإن الجولة الأولى من المحادثات لم تستغرق سوى نحو 80 دقيقة قبل تعليقها لإجراء مشاورات، في أعقاب ما وُصف بتهديدات جديدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وتعكس هذه المعطيات، بحسب التقرير، هشاشة التقدم الذي تحقق حتى الآن، إذ يبقى عرضة للتطورات السياسية والإقليمية المتسارعة، بما يجعل أي اختراق دبلوماسي رهناً بقدرة الطرفين على تجاوز أزمات الثقة المتراكمة.
ورغم الحديث عن انطلاق مرحلة جديدة من الحوار بين واشنطن وطهران، فإن المعلومات المتاحة للرأي العام لا تشير إلى انعقاد مفاوضات مباشرة وجوهرية بين مسؤولين كبار من الجانبين.. فالبيان المشترك الصادر عن الوسطاء تحدث عن تشكيل لجان عمل وقنوات اتصال وترتيبات لمحادثات مستقبلية، لكنه خلا من أي تفاصيل تتعلق بتفاهمات سياسية أو اتفاقات ملموسة تم التوصل إليها خلال الاجتماع.
كما لم تُنشر صور أو روايات رسمية توثق جلسات تفاوض مباشرة، الأمر الذي يعزز الانطباع بأن اللقاء كان أقرب إلى تجمع دبلوماسي رفيع المستوى منه إلى مفاوضات مكثفة تهدف إلى حسم الملفات العالقة.
مهلة الستين يوماً.. اختبار للتنفيذ قبل التفاوض
وتشير القراءة الإيرانية للمسار الحالي إلى أن الشهرين المقبلين لن يكونا مخصصين للتفاوض على اتفاق نهائي بقدر ما سيكونان مرحلة لاختبار تنفيذ الالتزامات المتبادلة.
فقد أكدت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية أن الطرفين اتفقا على خريطة طريق تمتد ستين يوماً، إلا أن التركيز سينصب أولاً على التحقق من تنفيذ الإجراءات المتفق عليها.. كما شدد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي على أن أي مفاوضات بشأن اتفاق نهائي لن تبدأ قبل تنفيذ بنود محددة من مذكرة التفاهم، على أساس مبدأ المعاملة بالمثل بين طهران وواشنطن.
ويرى التقرير أن هذا النهج قد يؤدي إلى استهلاك جزء كبير من المهلة الزمنية المحددة في نقاشات تتعلق بآليات التنفيذ وبناء الثقة والإجراءات الفنية، قبل الوصول إلى الملفات الأكثر حساسية وتعقيداً.
لجان فنية بدل التسويات السياسية
ويُعد تشكيل فرق العمل واللجان المتخصصة مؤشراً إضافياً على أن العملية التفاوضية ما زالت في مراحلها التمهيدية.
فمثل هذه اللجان تُكلف عادة بمعالجة القضايا الفنية وترتيب الالتزامات ووضع آليات الرقابة والمتابعة، قبل انتقال المفاوضات إلى المستوى السياسي الأعلى.. ومن المتوقع أن تتناول اللجان المرتقبة ملفات تشمل البرنامج النووي والعقوبات وآليات المراقبة والأمن البحري والوضع في لبنان.
غير أن التقرير يحذر من أن الانشغال بالتفاصيل الإجرائية قد يستهلك جزءاً كبيراً من المهلة المحددة، ما قد يؤخر التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
رسائل بروتوكولية تعكس بروداً سياسياً
وعلى هامش الاجتماع، أثارت لقطات مصورة من لوسيرن تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما أظهرت نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس في مواقف بدت خالية من التفاعل مع المشاركين الإيرانيين والقطريين.
كما لفت التقرير إلى أن الوفد الإيراني تجنب بصورة واضحة أي تواصل علني مع فانس، ولم تُنشر صور مشتركة تجمع الجانبين، في حين تجاهلت وسائل الإعلام الإيرانية إلى حد كبير حضوره في التغطيات الرسمية.
ويُنظر إلى هذا السلوك باعتباره رسالة سياسية مقصودة تعكس حرص طهران على عدم منح الإدارة الأمريكية أي مكسب رمزي يمكن تسويقه داخلياً أو خارجياً باعتباره نجاحاً دبلوماسياً.
طهران: واشنطن تحت الضغط لا العكس
ويخلص التقرير إلى أن الخطاب الإعلامي الإيراني بات يقدم المحادثات الجارية من زاوية مختلفة عن الرواية الأمريكية.. فبدلاً من تصويرها كعملية تفاوضية تتطلب من إيران تقديم تنازلات مؤلمة، يجري تقديمها للرأي العام المحلي باعتبارها مساراً تضطر فيه الولايات المتحدة إلى التكيف مع الشروط والمطالب الإيرانية.
كما تنظر بعض المنصات الإعلامية المقربة من دوائر صنع القرار في طهران إلى التأخيرات الإجرائية والخلافات القائمة وحتى التهديدات الأمريكية المتكررة باعتبارها مؤشراً على صعوبة ترجمة الضغوط العسكرية والاقتصادية إلى مكاسب سياسية على طاولة التفاوض.
وفي المحصلة، يرى التقرير أن إيران تسعى إلى استثمار نافذة الستين يوماً ليس فقط للتفاوض بل أيضاً لترسيخ مكاسبها الميدانية والسياسية، في وقت لا تزال فيه القضايا الجوهرية التي فجرت الأزمة بين الطرفين بعيدة عن أي حلول نهائية، ما يجعل مستقبل العملية الدبلوماسية مفتوحاً على احتمالات متعددة خلال الأسابيع المقبلة.