اليمن.. معركة التطهير المستمرة ضد إرث الموت الحوثي

  • أحمد حوذان، الساحل الغربي:
  • منذ ساعة

لم تتوقف مآسي اليمنيين عند حدود الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل، بل امتدت لتلاحقهم حتى في تفاصيل حياتهم اليومية، عبر آلاف الألغام والعبوات الناسفة التي زرعتها مليشيا الحوثي الإرهابية في مختلف المحافظات. وأصبحت هذه الألغام، التي زُرعت بصورة عشوائية في المزارع والطرقات والمراعي ومجاري السيول ومناطق التماس، تشكل تهديداً دائماً لحياة المدنيين، مخلفة آلاف الضحايا من الرجال والنساء والأطفال، فضلاً عن إلحاق خسائر كبيرة بالممتلكات والثروة الحيوانية وحرمان آلاف الأسر من الوصول إلى أراضيها ومصادر رزقها.

ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الفرق الهندسية ومشروع "مسام" لنزع الألغام، إلا أن استمرار انتشار هذه الأجسام القاتلة لا يزال يشكل تحدياً إنسانياً وأمنياً كبيراً، خاصة في المحافظات التي شهدت مواجهات عسكرية واسعة.

ويأتي ذلك في وقت أعلن فيه مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية تمديد العمل بمشروع "مسام" لنزع الألغام في اليمن لعام إضافي، في خطوة تعكس استمرار الجهود الإنسانية الرامية إلى حماية المدنيين من مخاطر الألغام ومخلفات الحرب. ويعد مشروع "مسام" من أبرز المبادرات الإنسانية العاملة في مجال تطهير الأراضي اليمنية، حيث تمكن منذ انطلاقه من انتزاع مئات الآلاف من الألغام والعبوات الناسفة والذخائر غير المنفجرة، وتأمين مساحات واسعة من الأراضي والطرق والمناطق السكنية والزراعية، بما أسهم في تمكين آلاف الأسر من العودة إلى مناطقها واستئناف حياتها بصورة أكثر أمناً.

وأكد مواطنون ووجهاء محليون في محافظتي مأرب والجوف أن الألغام الحوثية تواصل حصد الأرواح وتفاقم معاناة السكان، مشيدين في الوقت ذاته بالجهود التي يبذلها مشروع "مسام" في انتزاع الألغام وتأمين حياة المدنيين.

وقال الأكاديمي عبدالعزيز عيدان، خلال لقاء أجراه مراسل “الساحل الغربي”، إن مشروع "مسام" لا يمثل مجرد مشروع لنزع الألغام، بل هو "مشروع حياة" يسعى إلى حماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم، مشيراً إلى أن أبرز التحديات التي تواجه المشروع تتمثل في استمرار مليشيا الحوثي بزراعة الألغام بالتزامن مع عمليات النزع.

وأضاف أن العاملين في المشروع يقدمون تضحيات كبيرة، إذ يواجهون مخاطر يومية أثناء أداء مهامهم الإنسانية، مؤكداً أن جهودهم ستظل محل تقدير لدى أبناء الشعب اليمني.

وفي محافظة مأرب، تحدث أحد وجهاء مديرية الجوبة، فضّل عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية، عن المعاناة اليومية التي يعيشها السكان بسبب انتشار الألغام، موضحاً أنها أودت بحياة أعداد كبيرة من المواشي والإبل، وأجبرت الأهالي على هجر كثير من المراعي والأراضي الزراعية خوفاً من انفجارها.

وأشار إلى أن الألغام باتت منتشرة في الوديان والمراعي ومجاري السيول، الأمر الذي جعل تنقل المواطنين ورعي مواشيهم محفوفاً بالمخاطر، مطالباً بتكثيف عمليات نزع الألغام وإرسال فرق ميدانية متخصصة للوصول إلى المناطق الملوثة.

أما في محافظة الجوف، فقد وصف الشيخ يحيى مبارك هذلول الوضع الإنساني بأنه بالغ الخطورة، مؤكداً أن مساحات واسعة من المحافظة لا تزال ملوثة بالألغام والعبوات الناسفة، بما في ذلك مناطق سدباء والعقبة والمصلوب وخب والشعف واللبنات.

وأوضح أن الألغام تسببت خلال السنوات الماضية بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا بين الرعاة وجامعي الحطب والنساء والأطفال، مشيراً إلى أن كثيراً من الضحايا يعودون إلى أسرهم جثثاً هامدة أو مصابين بإعاقات دائمة.

وأضاف أن سكان الجوف يعتمدون بصورة أساسية على تربية المواشي، إلا أن انتشار الألغام حرمهم من الاستفادة من مراعيهم ومصادر رزقهم، ما ضاعف من حجم المعاناة الإنسانية والاقتصادية.

وثمّن الشيخ يحيى مبارك جهود مشروع "مسام"، مؤكداً أن المشروع تمكن من انتزاع أعداد كبيرة من الألغام، غير أن حجم التلوث الكبير بالألغام في المحافظة يتطلب مضاعفة الجهود وتوسيع نطاق عمليات النزع لضمان حماية المدنيين وتأمين المناطق المتضررة.

ويؤكد تمديد عمل مشروع "مسام" أن الحاجة إلى استمرار عمليات نزع الألغام ما تزال قائمة، في ظل اتساع رقعة المناطق الملوثة بالألغام واستمرار سقوط الضحايا بشكل شبه يومي، الأمر الذي يجعل من دعم جهود تطهير الأراضي اليمنية ضرورة إنسانية ملحة لحماية المدنيين وإنهاء معاناتهم المستمرة مع إرث الموت الذي خلفته الألغام.

ذات صلة