القبيلة اليمنية بين القمع والابتزاز.. الوجه الآخر لحرب الحوثيين

  • صنعاء، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
  • منذ 11 ساعة

تاريخيًا، شكّلت القبيلة اليمنية ركيزة أساسية من ركائز التوازن الاجتماعي والسياسي في البلاد، وعلى مدار قرون، كانت الأعراف والأسلاف القبلية بمثابة القانون غير المكتوب الذي ينظم العلاقات، ويحقن الدماء، ويضمن فض النزاعات بعيدًا عن تغول أي سلطة مركزية.

لكن ومع انقلاب مليشيا الحوثي على الدولة في سبتمبر 2014م، واجهت الجماعة معضلة حقيقية تتمثل في استقلالية القرار القبلي وعزة وكرامة مشايخ القبائل الذين يمتلكون نفوذًا حقيقيًا على الأرض ولا يخضعون تلقائيًا للولاءات الأيديولوجية الدينية.

من هنا، انطلقت الجماعة من رؤية سلالية تراتبية ترى في القبيلة "مجرد تابع" يجب أن يدين بالولاء المطلق والعبودية السياسية لزعيم الجماعة، إذ تعتبر العقيدة الحوثية أن أي بنية مجتمعية تمتلك قرارًا مستقلًا هي تهديد وجودي لها، لذلك، اعتمدت على سياسة ذات شقين، يتمثل الشق الأول بالترغيب والاحتواء للمشايخ الذين قبلوا بالانصياع التام وتحويلهم إلى أدوات لحشد المقاتلين، فيما الشق الثاني ركز على الترهيب والسحق لكل من يبدي ممانعة أو يحاول الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقلال القبلي أو يرفض إرسال أبناء قبيلته إلى جبهات القتال.


تصاعد الجرائم

منذ سنوات، تشهد المناطق المنكوبة بالمليشيا تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة الانتهاكات الموجهة ضد البنية القبلية، في سياق حرب طويلة ومعقدة أعادت تشكيل موازين القوة داخل المجتمع اليمني، وأثرت بشكل مباشر على الأدوار التقليدية التي كانت تضطلع بها القبيلة بوصفها أحد أهم مكونات التنظيم الاجتماعي والسياسي غير الرسمي.

وفي ظل هذا السياق المضطرب، تحولت القبيلة، بما تمثله من ثقل اجتماعي وتاريخي، إلى أحد أبرز ساحات الاستهداف المباشر وغير المباشر عبر أدوات متعددة تشمل الاختطاف، والإخفاء القسري، والابتزاز، والملاحقات الأمنية، والضغط السياسي الممنهج.

ولا تبدو هذه الممارسات معزولة أو طارئة، بل تأتي ضمن سياق أوسع من إعادة هندسة العلاقة بين سلطة الأمر الواقع ممثلة بالمليشيا والمجتمع القبلي، بما يفضي تدريجيًا إلى تقليص استقلالية القرار القبلي وإعادة توجيهه بما يتوافق مع موازين القوة القائمة على الأرض، إذ تشير الشواهد إلى أن الزعامات القبلية تتعرض لسياسات متكررة تستهدف دورها الاجتماعي، ونفوذها التفاوضي، وقدرتها على التأثير داخل محيطها المحلي، وهو ما انعكس على بنية العلاقات الاجتماعية التقليدية وأضعف من فاعلية الوساطة القبلية في إدارة النزاعات المحلية.

وفي هذا السياق، تشير بيانات حديثة صادرة عن الشبكة اليمنية للحقوق والحريات إلى تسجيل نحو 1937 انتهاكًا موثقًا بحق زعماء قبليين وشخصيات اجتماعية خلال عشر سنوات، وهو رقم يعكس اتساع نطاق الاستهداف من جهة، وتحوله من نمط فردي متفرق إلى ممارسة ممنهجة ومتراكمة من جهة أخرى.

وتتنوع هذه الانتهاكات بين الاختطاف والإخفاء القسري، والقتل خارج نطاق القانون، والتعذيب، والتشهير والإذلال، إضافة إلى تفجير المنازل ومصادرة الممتلكات والتهجير القسري، في سياق يُنظر إليه على أنه يتجاوز الأبعاد الأمنية التقليدية إلى أبعاد سياسية واجتماعية أعمق.

ويعكس هذا التراكم في الانتهاكات تحولًا نوعيًا في طبيعة العلاقة بين المليشيا والمجتمع القبلي، حيث لم تعد القبيلة مجرد وسيط اجتماعي أو إطار تقليدي لحل النزاعات، بل أصبحت طرفًا في معادلة صراع تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والسلطوية.

ومع استمرار هذا النهج، تتزايد المؤشرات على إعادة تشكيل البنية القبلية ذاتها، عبر إضعاف القيادات التقليدية، وإعادة إنتاج مراكز نفوذ جديدة مرتبطة بالمليشيا، بما يكرّس تحولات عميقة في البنية الاجتماعية، ويعيد تعريف مفاهيم الولاء والسلطة داخل المجتمع المحلي.


أرقام وإحصائيات

تفيد تقارير حقوقية بأن الانتهاكات الموجهة ضد الزعامات القبلية والشخصيات الاجتماعية توزعت على 13 محافظة يمنية خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي في مؤشر على اتساع النطاق الجغرافي لهذه الممارسات وتحولها إلى نمط متكرر وممتد خلال السنوات الماضية.

وتكشف هذه الإحصائيات عن مشهد مرعب من التنكيل الممنهج، حيث سُجلت 156 واقعة قتل وتصفية جسدية مباشرة بحق زعماء قبليين ووجهاء اجتماعيين، في عمليات استهدفت إنهاء وجودهم الميداني والسياسي داخل محيطهم المحلي.

كما وثقت 49 جريمة قتل بالرصاص المباشر، وقعت أثناء مداهمات لمنازل الضحايا، وفي بعض الحالات أمام أفراد أسرهم من النساء والأطفال، في سياق يُنظر إليه على أنه استخدام متعمد للعنف لإحداث أثر نفسي داخل البيئة الاجتماعية.

ورصدت التقارير أيضًا 16 حالة إحراق لجثث زعماء قبليين ووجهاء بعد قتلهم، في سلوك يتعارض مع القيم الدينية والأعراف القبلية والإنسانية، ويعكس مستوى تصعيد في أدوات العنف المستخدمة.

إلى جانب ذلك، تم تسجيل 29 جريمة سحل وتمثيل بالجثث في الميادين العامة، وهي ممارسات يُعتقد أنها استهدفت كسر الرمزية القبلية وإرهاب المجتمع المحلي عبر الإيصال العلني للعنف.

كما وثقت البيانات 32 عملية اغتيال وتصفية غامضة لزعماء قبليين، تبيّن في بعض الحالات لاحقًا أنها تصفيات داخلية طالت شخصيات كانت قد تعاملت أو تعاونت مع الجماعة في مراحل سابقة.

وفي السياق ذاته، أشارت الإحصائيات إلى إصابة 43 شخصًا بجروح بليغة نتيجة إطلاق نار مباشر أو عشوائي خلال عمليات مداهمة، كما تم تسجيل 63 حالة اعتداء جسدي ومعنوي شملت الضرب والإهانة وسوء المعاملة، سواء داخل منازل الضحايا أو في نقاط التفتيش الأمنية، بما يهدف إلى تقويض المكانة الاجتماعية للوجهاء أمام مجتمعاتهم.


ملف الاختطافات والابتزاز

تشير تقارير إلى وجود مئات حالات الاختطاف والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري التي طالت مشايخ ووجهاء قبليين، في إطار نمط واسع من الاحتجاز غير القانوني الذي يُستخدم كأداة ضغط وإخضاع سياسي واجتماعي.

وتؤكد مصادر حقوقية أن أعداد المشايخ الذين تعرضوا للاختطاف والاحتجاز التعسفي تشمل فئتين أساسيتين، فالفئة الأولى لا تزال قيد الإخفاء القسري في المعتقلات المظلمة، وفئة أخرى تشمل مئات المشايخ الذين تم الإفراج عنهم.

توضح بأن الإفراج عن هؤلاء المشايخ لم يكن تراجعًا من قبل المليشيا، بل تم كجزء من عملية ابتزاز سياسي ومالي وعسكري قذر. حيث جرى إجبارهم على توقيع تعهدات ووثائق "الشرف القبلي" المزورة التي تلزمهم بالولاء للجماعة، ودفع مبالغ مالية ضخمة تحت مسمى "المجهود الحربي" وفدية لإطلاق السراح.

وتشير إلى أن المليشيا استخدمت ملف الاختطافات كوسيلة ضغط على القبائل، من أجل تقديم أفراد من عائلاتهم وقبائلهم للقتال في الجبهات كشرط أساسي لضمان خروجهم وعدم إعادة اختطافهم، الأمر الذي حول المشايخ تحت وطأة الإكراه إلى أداة تجنيد قسري لصالح المليشيا حفاظًا على حياتهم.


وقائع وشواهد
وحشية الاستهداف

تكشف الوقائع الموثقة عن نمط واسع من الانتهاكات بحق الزعامات القبلية، اتسم بدرجة عالية من القسوة والتوحش، تجاوزت حدود الاستهداف الفردي إلى استخدام العنف كأداة لإدارة المجتمع عبر الترهيب الجماعي، إذ بدت في كثير من الحالات مصممة لإحداث أثر نفسي واجتماعي ممتد، ينعكس على كامل البنية القبلية.

وتشير شهادات إلى أن بعض الحوادث جرى تنفيذها بأساليب صادمة، أبرزها واقعة سحل الشيخ مجاهد قشيرة الغولي، في محافظة عمران عام2019م، حيث مثلت هذه الحادثة النموذج الأكثر فجاجة لغدر الجماعة؛ فالشيخ الغولي كان من القيادات التي والت الحوثيين، ومع ذلك تمت تصفيته والتمثيل بجثته وسحلها في شوارع المحافظة وتصوير ذلك ونشره، في رسالة مفادها أن الولاء للمليشيا لا يحمي صاحبه إذا تقاطعت المصالح.

كما وثقت تقارير اغتيال وتصفية الزعيمين القبليين محمد الصلاحي ومسعد محمد المعزبي داخل أحد المقار الأمنية التابعة للحوثيين في محافظة إب، بل وتعدى الأمر إلى سقوط امرأة من أسرتهما ضحية في الحادثة ذاتها، مما يعكس مدى استخفاف الحوثيين بالأعراف والأسلاف القبلية التي تحرم المساس بالنساء أو تصفية المستجيرين والمحتجزين.

إضافة إلى ذلك، تبرز قضية استمرار احتجاز جثمان الزعيم القبلي صادق أمين أبو شعر حتى اليوم كدليل على الخسة الحقوقية، حيث ترفض المليشيا تسليم جثته لأسرته لدفنها رغم قيامها بإطلاق سراح المتهم المباشر بقتله، مما يمثل تعذيبًا نفسيًا مستمرًا لعائلته وقبيلته.

وتشمل القائمة الطويلة تصفيات واغتيالات طالت مشايخ بارزين مثل: أحمد سالم السكني، سلطان محمد الوروري، أحمد الشعملي، طفيان علي طفيان، والشيخ أحمد مصلح الحضرمي الذي تم اعتقاله تعسفيًا واقتياده إلى مكان مجهول قبل أن يتم تصفيته جسديًا.

وبحسب كثيرين فإنه لم يسلم من هذه السياسة الشيخ محمد الشتوي، ووكيل محافظة إب عبدالقادر سفيان، حيث جرت تصفيتهم في إطار عملية "تطهير داخلي" تهدف للتخلص من مراكز النفوذ القبلي واستبدالها بعناصر سلالية عقائدية.


حصار خانق
عقوبات جماعية

عندما واجهت مليشيا الحوثي رفضًا جماعيًا من قبائل بأكملها، لم تقتصر إجراءاتها على اختطاف المشايخ أو استهداف الشخصيات القبلية بصورة فردية، بل صعّدت من أساليبها عبر شن حملات واسعة استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة، وفرضت حصارًا مشددًا على مناطق قبلية، في إطار سياسة هدفت إلى إخضاع القبائل وكسر إرادتها وإجبارها على الانصياع.

وتبرز قبائل حجور بوصفها أحد أبرز النماذج لهذه السياسة، إذ تعرضت لحصار طويل وعمليات عسكرية مكثفة عقب رفضها الخضوع لسلطة المليشيا، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وتدمير واسع للممتلكات، وتفاقم الأوضاع الإنسانية، في محاولة لإنهاء أي مقاومة قبلية والحيلولة دون تكرارها.

كما تعرضت قبيلة آل مسعود في مديرية قيفة بمحافظة البيضاء لحملة عسكرية عنيفة، استخدمت خلالها المليشيا الطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة في قصف القرى والمنازل والمزارع، ما أسفر عن سقوط أعداد من القتلى والجرحى، وتشريد مئات الأسر، فضلًا عن نهب الممتلكات الخاصة والاستيلاء عليها، في ممارسات رأت فيها تقارير حقوقية نموذجًا للعقاب الجماعي الذي استهدف القبائل الرافضة للمليشيا، ورسالة ردع موجهة إلى أي قبيلة تحاول الحفاظ على استقلال قرارها أو معارضة سياساتها.


الأهداف الاستراتيجية
إحلال سلطة المشرفين

يرى مراقبون أن هدف المليشيا من هذه الحملات يتمثل في إضعاف القبيلة بوصفها كيانًا اجتماعيًا مستقلًا يتمتع بسلطة عرفية مؤثرة، واستبدال نفوذ مشايخها التقليديين بمنظومة المشرفين التابعين للجماعة، وفي هذا السياق، تُستخدم حملات الاختطاف والإهانة، وأحيانًا التصفية، لإضعاف مكانة الزعامات القبلية أمام مجتمعاتها، بما يفضي إلى نقل مركز القرار المحلي من الأعراف القبلية إلى القيادات المعينة من قبل المليشيا، وترسيخ الولاء لها باعتباره المرجعية الوحيدة.

ويربط ناشطون بين استهداف المشايخ والوجهاء وبين تحقيق مكاسب مالية واقتصادية، سواء من خلال فرض مبالغ مالية مقابل الإفراج عن المختطفين، أو إلزام القبائل بدفع جبايات وإتاوات قسرية، أو مصادرة الأراضي والممتلكات العائدة لشخصيات قبلية معارضة، مؤكدين أن هذه الممارسات لا توفر موارد مالية للجماعة فحسب، بل تسهم أيضًا في إضعاف القاعدة الاقتصادية للقبائل والحد من قدرتها على تمويل أي تحركات معارضة مستقبلًا.


توصيات

يوصي مراقبون بعدد من الإجراءات العاجلة للتعامل مع هذا الملف، وفي مقدمتها حشد موقف دولي أكثر صرامة تجاه الانتهاكات المرتكبة بحق الزعامات القبلية، ودعوة المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان إلى اتخاذ خطوات عملية لمساءلة المسؤولين عنها، بما في ذلك فرض عقوبات على القيادات المتورطة في جرائم القتل والتصفية والاختطاف والإخفاء القسري، وفقًا للآليات القانونية الدولية ذات الصلة.

ويؤكد حقوقيون أهمية تعزيز التوثيق لهذه الانتهاكات، من خلال قيام الجهات الوطنية المختصة، وفي مقدمتها اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، بجمع الأدلة وتوثيق الوقائع بصورة قانونية ومهنية، بما يسهم في حفظ حقوق الضحايا، ويدعم أي مسارات مستقبلية للمساءلة وعدم الإفلات من العقاب، سواء على المستوى الوطني أو الدولي.

ويدعو كثيرون إلى تكثيف الجهود للضغط على المليشيا من أجل الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المشايخ والوجهاء المختطفين والمخفيين قسرًا، والكشف عن مصير المفقودين، ووقف استخدام الاحتجاز كوسيلة للابتزاز، إلى جانب تسليم جثامين الضحايا المحتجزة إلى ذويهم، بما ينسجم مع مبادئ القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.

وفي الجانب المجتمعي، يشدد ناشطون على ضرورة دعم التماسك القبلي وتعزيز الوعي المجتمعي والحقوقي بمخاطر استهداف القبائل وتفكيك بنيتها التقليدية، والعمل على حماية الأعراف اليمنية الأصيلة التي تقوم على صون الكرامة وحقن الدماء وحل النزاعات بالوسائل السلمية، بما يسهم في الحفاظ على النسيج الاجتماعي والحد من آثار الانقسام والاستقطاب الذي خلفته سنوات الحرب.

ذات صلة