إرث اليمن الأثري تحت المطرقة.. تصاعد مقلق لظهور القطع النادرة في الأسواق العالمية
- مأرب، الساحل الغربي، تقرير/ عبدالله العطار:
- منذ ساعة
في تطور يثير قلق المختصين والمهتمين بالتراث الثقافي، تصاعدت خلال الأيام الأخيرة وتيرة ظهور وبيع قطع أثرية ذهبية تعود للحضارات اليمنية القديمة في الأسواق والمجموعات الخاصة خارج البلاد، إذ جرى عرض ثلاث مجموعات من الحلي الذهبية المنسوبة إلى اليمن خلال أسبوع واحد فقط، في مؤشر وصفه خبراء بأنه الأخطر منذ سنوات.
ويرى مختصون أن تكرار ظهور هذه القطع النادرة لا يمثل مجرد عمليات بيع منفصلة، بل يكشف عن نشاط متزايد لشبكات تهريب منظمة تستغل حالة الحرب وضعف مؤسسات الدولة، ما يهدد بفقدان المزيد من الكنوز الأثرية التي تمثل جزءاً من الهوية التاريخية والحضارية لليمن.
أرقام تدق ناقوس الخطر
الخبير في الآثار عبدالله محسن وصف عرض ثلاث مجموعات أثرية ذهبية خلال أسبوع واحد بأنه "رقم قياسي" منذ بداية العام، مؤكداً أن ما يظهر في الأسواق العالمية لا يمثل سوى جزء يسير مما يهرّب بعيداً عن الأنظار.
وأشار إلى أن المجموعة الأخيرة تضم قطعاً تحمل سمات يمنية واضحة، من بينها قلادة على هيئة أسد منفذة بتقنية "الكلوازونيه" (التكفيت بالذهب والأحجار الكريمة)، وتميمة هلالية، وأخرى على هيئة رأس ثور، وهي نماذج سبق أن ظهرت مثيلاتها في مزادات عالمية أو ضمن مقتنيات متاحف ومجموعات خاصة خارج اليمن.
وأوضح أن هذه الرموز ليست مجرد حُلي للزينة، بل تحمل دلالات دينية ورمزية ارتبطت بالحضارات اليمنية القديمة، ما يعزز من قيمتها التاريخية والعلمية ويزيد من خطورة فقدانها.
الانقلاب والحرب.. بيئة خصبة لنهب الآثار
من جانبه، يرى نائب رئيس مركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية، الدكتور ذياب الدبأ، أن تهريب الآثار يمثل مشكلة عالمية، إلا أن الوضع في اليمن شهد تحولاً غير مسبوق منذ اندلاع الحرب وانهيار مؤسسات الدولة.
ويؤكد أن سيطرة مليشيا الحوثي على مؤسسات الدولة وفرت، بيئة سمحت لشبكات التنقيب والتهريب بالتوسع والعمل بحرية أكبر، مؤكداً أن ما يجري يمثل أحد مظاهر استهداف الهوية التاريخية اليمنية وإضعاف ارتباط المجتمع بإرثه الحضاري.
شبكات منظمة تستغل غياب الرقابة
بدوره، يؤكد مدير عام مكتب حقوق الإنسان بأمانة العاصمة، فهمي الزبيري، أن تكرار ظهور القطع الأثرية اليمنية في المزادات والأسواق الخارجية يكشف عن وجود شبكات منظمة تعمل في التنقيب غير المشروع والاتجار بالآثار عبر الحدود.
ويشير إلى أن استمرار هذه الظاهرة يعكس استغلالاً واضحاً لظروف النزاع وضعف أجهزة الحماية والرقابة، الأمر الذي يسرّع من استنزاف الممتلكات الثقافية اليمنية وخروجها بطرق غير مشروعة.
القانون الدولي إلى جانب اليمن
ويؤكد الزبيري أن الآثار اليمنية تتمتع بحماية قانونية محلية ودولية، باعتبارها جزءاً من الأموال العامة والإرث الحضاري للشعب اليمني، مستنداً إلى اتفاقية اليونسكو لعام 1970م واتفاقية لاهاي لعام 1954م، إضافة إلى التشريعات اليمنية التي تحظر التصرف بالآثار أو إخراجها من البلاد.
ويشدد على أن القانون يمنح الدولة الحق في ملاحقة القطع المهربة والمطالبة باستعادتها عبر القنوات القانونية والدبلوماسية.
ما المطلوب من الدولة؟
ويجمع المختصون على أن مواجهة الظاهرة تتطلب تحركاً رسمياً عاجلاً يتجاوز بيانات الإدانة، يبدأ بحصر وتوثيق القطع المفقودة وإنشاء قاعدة بيانات رقمية شاملة للآثار اليمنية، بما يسهل تعقبها واستعادتها.
كما يدعون إلى مخاطبة الشرطة الدولية (الإنتربول)، والتواصل مع منظمة اليونسكو، ومطالبة دور المزادات والمتاحف بإثبات مصادر القطع المعروضة وسندات ملكيتها، مع تحريك دعاوى قانونية لاسترداد أي قطعة يثبت خروجها من اليمن بصورة غير مشروعة.
ويرى الخبراء أن حماية المواقع الأثرية، ومكافحة الحفر والتنقيب غير القانوني، وتعزيز الرقابة على المنافذ، تمثل خطوات أساسية لوقف استمرار نزيف التراث اليمني.
تراث يُنهب وهوية مهددة
ويحذر المختصون من أن استمرار ظهور القطع الذهبية اليمنية في الأسواق العالمية بوتيرة متسارعة لا يعني فقط خسارة مقتنيات أثرية نادرة، بل يشكل تهديداً مباشراً لذاكرة اليمن الحضارية الممتدة لآلاف السنين.
وفي ظل استمرار الحرب وضعف مؤسسات الدولة، تتزايد المخاوف من أن تكون مئات القطع الأخرى قد غادرت البلاد بالفعل دون توثيق أو متابعة، الأمر الذي يجعل من حماية التراث واستعادة المنهوب منه مسؤولية وطنية ودولية لا تحتمل مزيداً من التأخير، حفاظاً على هوية اليمن الثقافية وحق الأجيال القادمة في إرثها التاريخي.