مداهمات وحصار جماعي يشعلان مواجهة غير محسوبة بين مليشيا الحوثي وقبائل الزرانيق

  • هاشم علي، الساحل الغربي:
  • 07:37 2026/01/09

تشهد مديرية بيت الفقيه شرقي محافظة الحديدة، تصعيدًا أمنيًا خطيرًا نفذته مليشيا الحوثي الإرهابية خلال اليومين الماضيين، تمثّل في حملات مداهمة واسعة واعتقالات تعسفية طالت قرى مدنية مأهولة بالسكان، في واحدة من أعنف الحملات التي شهدتها المحافظة الساحلية.
 
ويعكس هذا التصعيد حالة واضحة من الارتباك والفوضى داخل صفوف المليشيا، ويكشف في الوقت ذاته عن تحوّلات عميقة في أسلوب إدارتها للمناطق الخاضعة لسيطرتها، القائمة على القمع المفرط واستخدام القوة كوسيلة وحيدة لفرض النفوذ.
 
تقول مصادر محلية، إن المليشيا الإرهابية دفعت بعشرات الأطقم العسكرية المدججة بالأسلحة المتوسطة والخفيفة إلى سوق نفحان الشعبي وقرى قبائل الزرانيق المجاورة، في استعراض مسلح غير مسبوق، تحت ذريعة فرض جبايات مالية بالقوة.
 
غير أن الحملة سرعان ما تحولت إلى عملية ترويع جماعي للسكان، شملت مداهمات للمنازل، ونصب نقاط تفتيش مفاجئة، وتنفيذ اعتقالات تعسفية بحق مدنيين، بينهم كبار في السن وشباب.. وأثار هذا الانتشار المسلح حالة واسعة من الذعر والهلع في أوساط النساء والأطفال، وأدى إلى شلل شبه كامل في الحركة التجارية داخل سوق نفحان، أحد أهم الأسواق الشعبية في المديرية، إضافة إلى إغلاق الطرقات الرئيسية والفرعية، وتعطّل مصالح المواطنين اليومية.
 
كما أعاد إلى الواجهة المخاوف المتزايدة من تحوّل المديرية إلى ساحة مفتوحة لانتهاكات ممنهجة، واستمرار المليشيا في التعامل مع المناطق المدنية باعتبارها ساحات عقاب جماعي ومصادر تمويل قسري.
 
وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع من التصعيد الذي تشهده محافظة الحديدة عمومًا، عقب تبدّل القيادات الميدانية والعسكرية التابعة للمليشيا، وما رافق ذلك من تشدد مفرط في السياسات الأمنية، وتصاعد في وتيرة الجبايات والانتهاكات، الأمر الذي ينذر بتفاقم الأوضاع الإنسانية في واحدة من أكثر المحافظات معاناة جراء الحرب الحوثية.
 
 
مصرع قيادات حوثية
 
تفاجأت عناصر المليشيا برفض الأهالي، ولا سيما أبناء قبائل الزرانيق، التي رفضت الانصياع لهذه الحملة القمعية، في موقف عكس حجم الاحتقان الشعبي المتراكم جرّاء سياسات المليشيا، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات عنيفة مع عناصر الحوثيين الذين حاولوا فرض سيطرتهم بالقوة.
 
وأسفرت هذه المواجهات عن مصرع القيادي الحوثي صدام جبار جرموز، المكنّى "أبو سند الجرموزي"، مشرف المليشيا في منطقة نفحان، إلى جانب مقتل أحد مرافقيه ونجل مدير أمن مديرية بيت الفقيه، إضافة إلى إصابة منتحل صفة مدير الأمن المعيّن من قبل المليشيا، المدعو عبدالرحيم أبو عهلان، بجروح بالغة، وسقوط قتلى آخرين في صفوف المليشيا.
 
تقول مصادر ميدانية، لـ "الساحل الغربي" إن هذه الخسائر جاءت رغم الحشد العسكري الكبير الذي دفع به الحوثيون إلى المنطقة، ما يكشف عن فشل واضح في تقدير الموقف، وسوء إدارة ميدانية اعتمدت على الاستعراض المسلح والعنف المفرط، الأمر الذي فاقم حدة المواجهات ووسّع دائرة الاشتباك.
 
وتُعد هذه الأحداث من أعنف ما شهدته مديرية بيت الفقيه خلال الفترة الأخيرة، ليس فقط من حيث مستوى الاشتباكات، بل لكونها عرّت هشاشة القبضة الأمنية الحوثية، وأظهرت محدودية فعاليتها رغم الكثافة العسكرية وانتشار الأطقم المدججة بالسلاح، كما كشفت اعتماد المليشيا شبه الكلي على القوة المسلحة كأداة وحيدة لإدارة المجتمع، في ظل غياب أي قبول اجتماعي، وهو ما يحوّل أي حملة أمنية إلى مواجهة مفتوحة، ويزيد من احتمالات انفجار الوضع في المناطق المنكوبة بالمليشيا.
 
ويرى مراقبون أن هذه المواجهات تمثل مؤشرًا على اتساع الفجوة بين المجتمع المحلي والمليشيا، وتؤكد أن سياسة القمع والجباية بالقوة لم تعد قادرة على ضمان الاستقرار، بل باتت عاملًا رئيسيًا في تغذية المقاومة الشعبية.
 
 
اعتقالات تعسفية
 
ومع تصاعد حدة التوترات، عززت مليشيا الحوثي الإرهابية وجودها العسكري في مديرية بيت الفقيه، عبر الدفع بالمزيد من الآليات العسكرية والأطقم المسلحة، ورمت بكل ثقلها في محاولة لإحكام السيطرة وكسر حالة الرفض الشعبي، وقادت حملة اقتحامات واسعة للمنازل في قرى قبائل الزرانيق والمناطق المجاورة، ترافقت مع تفتيش عشوائي وتخريب للممتلكات الخاصة، وترويع للنساء والأطفال، واعتقال عدد من المواطنين.
 
وبحسب مصادر محلية، نُفذت هذه الاقتحامات بأسلوب انتقامي واضح، شمل محاصرة القرى، وقطع الطرقات، ومنع الأهالي من التنقل، إلى جانب فرض قيود مشددة على الحركة، وتحويل المديرية إلى ما يشبه الثكنة العسكرية.
 
وفي السياق، وثّقت مصادر حقوقية اختطاف عدد من المدنيين، من بينهم المواطن المسن "محمد طه الأهدل"، الذي يتجاوز عمره 70 عامًا، والشاب "محمد عمر الأهدل"، وكلاهما من أبناء قرية الدمنة شرقي مديرية بيت الفقيه.
 
وتضيف المصادر، أن عناصر المليشيا اقتادت المختطفين بالقوة إلى سجن بيت الفقيه، دون إبراز أي أوامر قضائية أو توجيه تهم قانونية واضحة، في انتهاك للقانون، مؤكدة أن المختطفين لا يزالون رهن الاعتقال حتى اليوم، وسط تعتيم كامل على مصيرهما، وغياب أي معلومات حول وضعهما الصحي أو ظروف احتجازهما، الأمر الذي يثير مخاوف جدية بشأن تعرضهما لسوء المعاملة.
 
وتؤكد هذه الوقائع استمرار نمط ممنهج من الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري الذي تمارسه مليشيا الحوثي بحق المدنيين، كأداة انتقامية وعقابية ضد المجتمعات التي تُبدي رفضًا أو مقاومة اجتماعية لسياساتها القمعية، وبحسب مراقبين فإن هذه الاعتقالات تهدف إلى كسر إرادة السكان، وبث الخوف في أوساطهم، وردع أي شكل من أشكال الاعتراض أو الرفض المحلي.
 
كما تعكس هذه الانتهاكات توجّه المليشيا نحو توسيع دائرة العقاب الجماعي، عبر استهداف المدنيين العزّل وأسرهم، في محاولة لفرض السيطرة بالقوة بعد فشلها في كسب أي قبول اجتماعي، وهو ما يفاقم من الأزمة الإنسانية والأمنية في مديرية بيت الفقيه، ويزيد من حدة الاحتقان الشعبي في المناطق المنكوبة بسيطرة المليشيا بمحافظة الحديدة.
 
 
مقاومة فردية
استشهاد شيخ قبلي 
 
وفي تطور لافت حمل دلالات كثيرة، استشهد الشيخ محمد موسى طه الأهدل، أحد وجهاء قبائل الزرانيق، بعد حصار خانق فرضته مليشيا الحوثي استمر قرابة 48 ساعة في بوادي نفحان بمديرية بيت الفقيه.
 
وبحسب مصادر محلية، جاء استشهاده إثر نفاد ذخيرته، بعد مقاومة مسلحة خاضها بسلاحه الشخصي في مواجهة قوة كبيرة حشدتها المليشيا بمختلف أنواع الأسلحة، في محاولة لكسر إرادته وإخضاع المنطقة بالقوة.
 
وتضيف المصادر أن الشيخ الأهدل ظل صامدًا طوال فترة الحصار، رافضًا الاستسلام، في مشهد يعكس حجم الاحتقان الشعبي والرفض المحلي لسياسات المليشيا القمعية، وتؤكد أن الشيخ تمكن قبل استشهاده من إيقاع خسائر في صفوف الحوثيين، بينهم قيادات ميدانية، ما شكّل ضربة معنوية للمليشيا، وأربك حساباتها الميدانية رغم التفوق العددي والتسليح.
 
وقد تحولت هذه الحادثة إلى رمز للمقاومة الفردية في وجه آلة القمع الحوثية، وأثارت موجة تعاطف واسعة في أوساط أبناء المنطقة، باعتبارها تعبيرًا عن رفض الخضوع للجباية القسرية والانتهاكات المتواصلة.. ويرى ناشطون أن استشهاد الشيخ الأهدل بهذه الطريقة يعكس فشل المليشيا في بناء حاضنة شعبية، واعتمادها المطلق على الحصار والقوة المسلحة في إدارة المناطق المحتلة، وهو ما يفاقم مشاعر الغضب لدى الأهالي وقد تتوسيع دائرة المواجهة في المديريات الأخرى.
 
 
تبدّل القيادات
تغوّل الانتهاكات
 
يقول مراقبون إن هذا التصعيد لا يمكن فصله عن التحولات التي شهدتها بنية القيادة الحوثية في محافظة الحديدة خلال العام الماضي، عقب مصرع عدد من قيادات الصف الأول التي كانت تدير الملف الأمني والعسكري في المديريات المحتلة، جراء ضربات أمريكية وإسرائيلية استهدفت مواقع ومخازن قيادية للمليشيا.
 
وأضافوا لـ "الساحل الغربي"، أن هذا الفراغ أدى إلى الدفع بقيادات معظمها من محافظات صعدة وذمار وحجة، تفتقر للمعرفة بالنسيج الاجتماعي المحلي، وتعتمد نهجًا أكثر عنفًا وتوحشًا، قائمًا على الجبايات القسرية ونهب الأراضي العامة والخاصة، والاستيلاء على منازل وممتلكات المواطنين، واختطاف المعارضين أو المشتبه بعدم ولائهم.
 
وتنظر القيادات الحوثية الوافدة إلى المناطق الساحلية، كما لو أنها غنيمة ومصدرًا مفتوحًا للتمويل، لا كمجتمعات لها خصوصيتها الاجتماعية والتاريخية وتركيبتها القبلية المعقّدة.. هذه النظرة القاصرة أسهمت في تصعيد الانتهاكات وفرض سياسات قمعية قائمة على الجبايات القسرية ونهب الأراضي والممتلكات، ما فاقم حالة الاحتقان الشعبي، ووسّع دائرة الرفض المجتمعي للمليشيا.
 
 
مواجهات مفتوحة
بيئة قابلة للانفجار
يحذر حقوقيون من أن استمرار هذه السياسات القمعية، في ظل غياب تام لأي مساءلة أو ضوابط داخل منظومة المليشيا، ينذر بانفجار اجتماعي واسع في مديريات محافظة الحديدة، خصوصًا في المناطق القبلية التي ترفض بطبيعتها الخضوع للإذلال أو القبول بالجباية المفروضة بالقوة.
 
ويؤكد هؤلاء أن تجاهل المليشيا للخصوصيات القبلية، ومحاولتها إخضاع المجتمعات المحلية عبر العنف والترهيب، قد يدفع إلى مواجهات مفتوحة يصعب احتواؤها لاحقًا.
 
وفي الوقت الذي تواصل فيه مليشيا الحوثي حملاتها الانتقامية باقتحام المنازل وترويع السكان، تتعمق معاناة المدنيين يومًا بعد آخر، ويتآكل ما تبقى من مظاهر الأمن المجتمعي والاستقرار النسبي، وتتحول محافظة الحديدة إلى نموذج صارخ لكيفية إدارة المليشيا للمناطق المنكوبة بسيطرتها.

ذات صلة