هل تدخل إيران مرحلة تآكل الدولة؟

  • عدن، الساحل الغربي:
  • منذ ساعتين

تشير قراءة تحليلية نشرها منتدى الشرق الأوسط إلى أن الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت مواقع داخل إيران في 28 فبراير/شباط 2026 لم تُسقط النظام الإيراني، لكنها أضعفت قدرة الدولة على الحكم والإدارة.. ويرى التقرير أن انهيار الدول لا يبدأ بالضرورة بسقوط الأنظمة السياسية بل بتآكل قدرة الحكومات على إدارة البنية التحتية، وتأمين الإيرادات، وضمان استمرار التجارة والخدمات الأساسية.

دخلت إيران هذه الأزمة وهي تواجه ضغوطاً اقتصادية وهيكلية حادة، إذ حذر البنك الدولي مسبقاً من تصاعد آثار العقوبات، وارتفاع التضخم، ونقص الطاقة والمياه، وضعف البنية التحتية، ما ترك الدولة بهامش محدود لامتصاص صدمة خارجية كبيرة.. وتأتي الضربات الأخيرة لتضاعف هذا الضعف عبر استهداف أنظمة حيوية ورفع تكلفة إدارة الدولة.

ويعتمد قطاع النفط والغاز الإيراني على عدد محدود من المراكز الحيوية.. يبلغ إنتاج النفط الخام نحو 3.3 مليون برميل يومياً، إضافة إلى 1.3 مليون برميل من المكثفات والسوائل الأخرى.. ويتركز إنتاج النفط في خوزستان، بينما يتمركز إنتاج الغاز في بوشهر حول حقل بارس الجنوبي.

كما يمر نحو 90٪ من صادرات النفط عبر جزيرة خارك ومن ثم عبر مضيق هرمز، ما يجعل البنية التصديرية عرضة للاختناق في حال استهداف هذه النقاط.. ويشير التقرير إلى أن قدرة الدولة على الصمود تعتمد على وجود مسارات بديلة ورأس مال احتياطي وقدرات إصلاح سريعة - وهي عناصر محدودة لدى إيران حالياً.

إيرادات غير مستقرة وضغوط مالية متصاعدة

تعتمد استمرارية الدول على تحويل الموارد إلى تدفقات مالية مستقرة.. ورغم استمرار صادرات النفط الإيرانية، فإن العقوبات دفعت طهران إلى البيع بخصومات كبيرة، والاعتماد على قاعدة عملاء محدودة وترتيبات شحن هشة.. كما قامت بتخزين كميات قياسية من النفط في ناقلات بحرية تحسباً للاضطرابات.

ويتوقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني في السنة المالية 2026–2027 مع تشديد القيود التجارية.. وتزيد الضربات الأخيرة من تكاليف النقل والتأمين والتسويات المالية، ما يضعف قدرة الدولة على دفع الرواتب، وتمويل الواردات، وإصلاح البنية التحتية، واحتواء تقلبات الأسعار.

التعقيدات اللوجستية: تأثير فوري للصراع على النقل والتجارة

بعد الضربات ورد إيران، شهدت الأجواء فوق إيران والعراق والكويت وإسرائيل والبحرين انخفاضاً حاداً في حركة الطيران التجاري، مع تعليق أو تغيير مسارات الرحلات من قبل شركات أوروبية وخليجية وآسيوية.

ولا يقتصر التأثير على السفر بل يعكس سرعة تأثر النقل والتأمين وسلاسل الإمداد بالصراع.. وفي اقتصاد يخضع للعقوبات، يؤدي ارتفاع تكاليف النقل والتأخير إلى تقليص قدرة الدولة على إدارة سلاسل التوريد واستقرار الأسواق.

ضعف القدرة الإدارية: تآكل الثقة والحوكمة

فقد الريال الإيراني نحو نصف قيمته خلال عام 2025، وشهدت البلاد في يناير/كانون الثاني 2026 احتجاجات عقب تزايد شعور التجار بعدم فعالية المؤسسات الرسمية، مقابل توسع نفوذ الشبكات الأمنية في قطاعات اقتصادية رئيسية.

ويشير التقرير إلى أنه عندما تفشل الوزارات في ضبط الأسعار وتنظيم التجارة وتخصيص الموارد، تلجأ الدولة إلى إدارة الأزمات بدلاً من الإدارة الروتينية، وهو اتجاه يتفاقم عادة في ظل الضغوط العسكرية الخارجية.

وحتى قبل الضربات، حذر البنك الدولي من أن نقص الطاقة والإجهاد المائي وضعف البنية التحتية يعرقل النشاط الاقتصادي.. ومع تراجع الإيرادات وارتفاع تكاليف النقل وتحويل الموارد إلى الاستجابة للأزمة، يتضاءل هامش الحكومة لاحتواء ارتفاع أسعار الغذاء ونقص الأدوية وانقطاع الكهرباء.

ويؤكد التقرير أن الدول لا تفشل فجأة بل عبر تآكل تدريجي في قدرتها على أداء وظائفها اليومية؛ المستشفيات تعمل بإمدادات أقل، والأسواق تبقى مفتوحة باستقرار أقل، والقرارات الحكومية تُنفذ بفعالية أضعف.

ويخلص التقرير إلى أن إيران لا تحتاج إلى انهيار سياسي فوري لتدخل مسار التآكل المؤسسي.. فالسؤال المحوري لم يعد قدرة الدولة على فرض السيطرة بل بقدرتها على الحكم بفعالية.

فبعد أحداث 28 فبراير، تبدو قدرة الدولة أضعف نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، والضغط المالي المتزايد، وتعطل الخدمات اللوجستية، والتحول نحو إدارة تفاعلية للأزمات بدلاً من التخطيط المؤسسي.

وقد يظل النظام متماسكاً سياسياً، لكن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى تراجع الموارد المالية، وضعف الإدارة، وتراجع القدرة الوظيفية للدولة - وهي المؤشرات التي تُشكل بداية تآكل الدول.

ذات صلة