تعز بين سيول الأمطار وبطش الحصار.. قصة أطفال يموتون مرتين

  • تقرير خاص: هاشم علي، الساحل الغربي
  • منذ ساعة

من ظاهرة طبيعية، تحوّلت السيول في مدينة تعز المحاصرة إلى تهديدٍ مباشر للحياة، بعد أن جرفت مياه الأمطار، طفلًا في حي الكوثر، وسط تراكمٍ مزمن لمشكلات شبكة تصريف المياه.. الحادثة أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في المدينة، وكيف أصبحت السيول خطرًا متوقعًا يهدد حياة السكان، خاصة الأطفال.

فالأمطار في تعز، لم تعد تُستقبل باعتبارها موسمًا زراعيًا أو حالة طبيعية مرتبطة بالدورة المناخية، بل باتت تُعامل كحدثٍ محفوف بالمخاطر؛ فكل هطول غزير يكشف سريعًا هشاشة شبكة تصريف المياه، ويفضح محدودية التدخلات الوقائية التي من المفترض أن تقلل من حجم الكوارث أو تمنعها قبل وقوعها.

وبينما تتدفق السيول في الشوارع والأحياء، تتحول المدينة إلى مساحة غير مستقرة، تتداخل فيها المخاطر الطبيعية مع عيوب البنية التحتية.. تشير تفاصيل الحادثة في حي الكوثر إلى أن الطفل كان بالقرب من منزله قبل أن تجرفه المياه إلى داخل مجرى سيل مكشوف، في لحظة قصيرة لكنها كانت كافية لتغيير مصيره.

وتكشف هذه الحادثة عن نمط متكرر من الحوادث التي تطال الأطفال بشكل خاص، حيث تتحول الشوارع والأحياء السكنية خلال الأمطار إلى بيئة عالية الخطورة، نتيجة غياب الحواجز الواقية حول العبارات والمجاري، ووجود فتحات صرف غير مؤمنة، إضافة إلى انسداد كثير من المناهل بسبب النفايات والمخلفات المتراكمة.. هذه العوامل مجتمعة تجعل من السيول حدثًا أقرب إلى الكارثة المتوقعة منه إلى الظرف الطارئ.

وفي الوقت الذي باشرت عمليات البحث، تساءل كثيرون عن طبيعة الاستعدادات المحلية لمثل هذه الحوادث، حيث يؤكد سكان محليون أن ما حدث ليس استثناءً، بل تكرار لنفس السيناريو كل موسم، مع اختلاف الضحايا، وهو ما يثير تساؤلات حول غياب المعالجات الجذرية التي يفترض أن تحول دون تحول السيول إلى مصدر خطر دائم على حياة المدنيين.

ومع استمرار هذه الحوادث، تتصاعد الدعوات المحلية لإعادة النظر في منظومة تصريف السيول بشكل شامل، بدءًا من صيانة العبارات والمجاري، مرورًا بإغلاق المناهل المفتوحة أو تأمينها، وصولًا إلى وضع خطط وقائية تمنع تحول الأمطار إلى خطر مباشر على السكان، إلا أن هذه الدعوات، رغم تكرارها، ما تزال تصطدم بواقعٍ تنفيذي محدود، لا يوازي حجم المخاطر المتزايدة.


مصائد خفية
ذاكرة المكان

في حي الكوثر، لا تُعد هذه الحادثة الأولى من نوعها، بحسب تأكيدات مواطنين، أن الموقع ذاته شهد قبل عامين حادثة مشابهة، حين جرفت السيول طفلين في ظروف متقاربة، في مشهد لا يزال حاضرًا في ذاكرة الأهالي بوصفه نقطة تحذير لم يُستجب لها بالشكل الكافي، مشيرين إلى أن تلك الحوادث لم تُقابل بأي معالجة جذرية لاحقة، ما جعل عوامل الخطر قائمة، بل وأكثر تفاقمًا مع مرور الوقت.

يقول علي سعيد، أحد سكان الحي إن "المشكلة ليست في الأمطار، بل في طريقة تعامل المدينة معها"، مضيفًا أن المناهل المفتوحة والعبّارات غير المؤمنة تحوّلت مع الوقت إلى ما يشبه "مصائد خفية"، يصعب تمييزها أثناء تدفق السيول، وتصبح أكثر خطورة حين تختفي ملامح الطريق تحت المياه الجارية.

ويؤكد الرجل أن الأطفال هم الفئة الأكثر عرضة لهذه المخاطر، نظرًا لقربهم من أماكن التجمعات المائية وعدم إدراكهم الكامل لطبيعة الخطر.. هذا التوصيف يعكس واقعًا أوسع يتجاوز حي الكوثر، ومن المتوقع أن تتكرر الحوادث ذاتها في أكثر من منطقة داخل المدينة، في دلالة على خلل بنيوي في شبكة تصريف السيول والبنية التحتية عمومًا، التي من المفترض أن تكون وسيلة حماية، لكنها باتت في تعز مصدر تهديد في كل موسم أمطار، خاصة مع غياب التدخلات الوقائية المستدامة.


الخطر الكامن
بنية تحتية متهالكة

تعاني مدينة تعز من ضعفٍ شديد في شبكة تصريف مياه الأمطار، نتيجة سنواتٍ طويلة من الإهمال وتراجع أعمال الصيانة الدورية، إلى جانب تراكم النفايات في مجاري السيول والمناهل، حيث تنكشف هذه الاختلالات بصورة أكثر حدة مع كل موسم أمطار، إذ تتحول الشوارع إلى مجارٍ مائية مفتوحة، وتفقد الشبكة قدرتها على استيعاب كميات المياه المتدفقة، ما يؤدي إلى فيضانات موضعية تتكرر في أحياء متعددة من المدينة.

وتتداخل مجموعة من العوامل التي تجعل من شبكة التصريف الحالية مصدرًا إضافيًا للخطر بدلًا من كونها وسيلة حماية، حيث تُعد انسدادات المناهل واحدة من أبرز المشكلات المزمنة، نتيجة تراكم الأكياس البلاستيكية والمخلفات الصلبة التي تعيق تدفق المياه بشكل طبيعي، وتؤدي إلى ارتدادها نحو الشوارع والأحياء السكنية.

كما تسهم ظاهرة فتح أغطية العبارات بشكل عشوائي، أو أحيانًا بشكل متعمد لتسريع تصريف المياه والنفايات، في خلق فجوات خطرة داخل الطرق العامة، تتحول في فترات الأمطار إلى مصائد غير مرئية للمارة، ويزيد من خطورة ذلك غياب الحواجز الوقائية أو العلامات التحذيرية التي يمكن أن تقلل من احتمالات السقوط أو الانجراف.

إلى جانب ذلك، تعاني شبكة الصرف من تهالك بنيوي واضح، يجعلها غير قادرة على التعامل مع كميات الأمطار المتزايدة، سواء نتيجة التغيرات المناخية أو التوسع العمراني غير المنظم، ما يؤدي إلى ضغط إضافي على البنية التحتية الهشة، ويضاعف من احتمالات الفيضانات في نقاط متعددة داخل المدينة.

ويؤكد ناشطون أن هذه العوامل تُنتج بيئة عالية الخطورة، حيث يصبح التنقل في الشوارع أثناء هطول الأمطار فعلًا محفوفًا بالمخاطر، لا سيما للأطفال الذين يفتقرون إلى إدراك كامل لطبيعة هذه المخاطر، ما يجعلهم الفئة الأكثر عرضة للحوادث المرتبطة بالسيول والمجاري المفتوحة.


السيول
بنية موازية للخطر

في سياق هذا الواقع، لم تعد السيول في تعز مجرد ظاهرة طبيعية مرتبطة بهطول الأمطار، بل تحولت إلى ما يشبه بنية موازية للخطر، تتشكل داخل الفراغات الناتجة عن ضعف التخطيط وتآكل البنية التحتية، فبدلًا أن تؤدي شبكة التصريف وظيفتها الأساسية في حماية المدينة، أصبحت في حالات كثيرة جزءًا من منظومة المخاطر، تسهم في تضخيم آثار الأمطار بدل الحد منها.

ويرى مختصون أن جذور المشكلة لا تتوقف عند الجانب الهندسي أو التقني فحسب، بل تمتد إلى سلوكيات يومية تسهم في تفاقم الأزمة، مثل رمي النفايات في مناهل تصريف المياه، أو العبث بها وفتحها دون إشراف فني، ما يؤدي إلى إضعاف كفاءة الشبكة وزيادة احتمالات الانسداد أو الانهيار.

كما أن غياب الرقابة المستمرة، وضعف التنسيق بين الجهات المعنية، وعدم وجود خطط طوارئ واضحة ومفعّلة قبل وأثناء موسم الأمطار، يجعل التعامل مع السيول في كثير من الأحيان رد فعل متأخرًا، يتركز على معالجة النتائج بعد وقوعها، بدلًا من العمل الاستباقي الذي يحد من الخسائر.

وفي ظل هذا الواقع، تتحول الأمطار من حدث طبيعي يمكن التعايش معه إلى عامل كاشف للهشاشة، يعيد في كل مرة إنتاج نفس المشهد: شوارع غارقة، بنية تحتية عاجزة، ومخاطر تتجدد دون أن تجد حلولًا جذرية توقف دورة التكرار المستمرة.


مطالب شعبية
دعوات للإصلاح

مع تكرار هذه الحوادث، تتصاعد دعوات الأهالي والناشطين والجهات المجتمعية إلى ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة الاختلالات البنيوية في شبكة تصريف السيول، وتشمل أبرز هذه المطالب إعادة تأهيل الشبكة بشكل شامل، وإغلاق أو تأمين المناهل المفتوحة، وتنفيذ حملات نظافة دورية للحد من انسداد المجاري، إضافة إلى وضع حواجز وتحذيرات واضحة في المواقع عالية الخطورة.

كما تُطرح الحاجة إلى إطلاق برامج توعية مجتمعية حول مخاطر السيول، خصوصًا في الأحياء التي تتكرر فيها الحوادث، بهدف رفع مستوى الوعي وتقليل السلوكيات التي قد تزيد من حجم الخطر، سواء عبر الاقتراب من مجاري السيول أو التعامل غير الآمن مع فتحات التصريف.

ويرى مراقبون أن الاستجابة لهذه المطالب لم تعد مسألة تحسين خدمات، بل أصبحت ضرورة ملحة ترتبط مباشرة بحماية الأرواح، في ظل استمرار تسجيل ضحايا مع كل موسم أمطار دون تغييرات ملموسة في بنية الوقاية.

 

حصار تعز
بين الجغرافيا والموت

في هذ السياق، يقول الكاتب عبدالسلام القيسي: "أتابع كارثة الطفل أيلول عيبان المفقود وسط سائلة مغلقة تمتد بين جبهتين، وتشرح حال الحصار، وأتذكر الطفل المغربي ريان.. الحالة المؤسفة هذه بقدر ما كشفت إهمال السلطات المحلية أعادت معاناة الحصار، وأنت تعجز عن مواصلة البحث بسبب الحصار.

ويضيف: "الحادثة الثانية خلال أسبوع لطفلين في مدينة تعز، ويحضر الحصار كقاتل متسلسل للناس.. لاحظوا فجيعة الناس وهم يعجزون عن إكمال البحث وإيجاد الطفل حيًا أو ميتاً، لتعرفوا جريمة عبدالملك وحصاره الكارثي".

ويستطرد القيسي: "فعلها أيلول عيبان السامعي وذكرنا بالحصار وخطوط التماس والعبوات والجزء المحتل من تعز.. أعاد تذكيرنا بعد سنوات من الحصار والتجاهل أن هناك جزءاً محتلاً في تعز، ولا يزال إلى اللحظة.. وأن تعز مدينة محاصرة بالموت والعدو، وروحه التي لا نعلم مصيرها الآن كسرت هذا الحصار الجائر لأول مرة منذ إحدى عشرة سنة".

ويؤكد أن حادثة أيلول كسرت الحصار عند الناس وهم يتحدثون عن فقدانه بسائلة ممتدة بين جبهتين، ولأول مرة تعز قطعة واحدة وسائلة واحدة، وإن كان أيلول قد وقع في السيل فكل تعزي هو أيلول، ولو لم يقع، وكل تعزي يعيش نصف حياة بنصف مدينة.

ويشير القيسي بقوله: "وأنتم تبحثون عنه من سائلة حي الكوثر وتصلون إلى عصيفرة ثم تعجزون عن المواصلة: خط تماس، ألغام وقناصات وخطوط نار ممتدة تفصل بين أيلول الحي وأيلول الميت، قولوا لماذا؟.. فتح معبر لا يعني إنهاء الحصار، وقد قلنا كثيراً هذه النقطة، وأن الحصار لا يعني قطع الطريق فقط، وقد نسيتم الحصار منذ فتحوا لكم المعبر الشرقي، ومأساة أيلول أعادت الحقيقة".

ذات صلة